علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٩٩ من ١٩٤

الجزء ٢ — ص ٤٨٩–٤٩٨

لانه لو قال عليهم دائرة لالتبس بأن يكون الضمير عائدا إلى الله تعالى قال الوزير المغربي في تفسيره

ونظيره الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وتبيينه الآول النطفه أو التراب والثاني الوجود في الجنين أو الطفل والثالث الذي بعد الشيخوخه وهو أرذل العمر والقوة الآولى التي تجعل للطفل التحرك والاهتداء للثدي والثانية بعد البلوغ قاله ابن الحاجب ويؤيد الغيرية التنكير

ونحو قوله تعالى وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا الآية لو قال إنه لآوهم عود الضمير إلى الفجر

وقوله تعالى يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها فلم يقل عنها لئلا يتحد الضميران فاعلا ومفعولا مع إن المظهر السابق لفظ النفس فهذا أبلغ من ضرب زيد نفسه

وكقوله تعالى ثم استخرجها من وعاء أخيه وإنما حسن إظهار الوعاء مع أن الاصل فاستخرجها منه لتقدم ذكره لانه لو قيل ذلك لآوهم عود الضمير على الأخ فيصير كأن الآخ مباشر لطلب خروج الوعاء وليس كذلك لما في المباشر من الآذى الذي تأباه النفوس الأبية فأعيد لفظ الظاهر لنفي هذا

الله تبارك وتعالى الرب عز وجل وإنما لم يضمر الآخ فيقال ثم استخرجها من وعائه لأمرين

احدهما أن ضمير الفاعل في استخرجها ليوسف عليه السلام فلو قال من وعائه لتوهم أنه يوسف لأنه أقرب مذكور فأظهر لذلك

والثاني أن لأخ مذكور مضاف إليه ولم يذكر فيما تقدم مقصودا بالنسبة الإخبارية فلما احتيج إلى إعادة ما وأضيف إليه أظهره ايضا

وقوله تعالى يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال

ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله & السادس

أن يكون القصد تربية المهابة وإدخال الروعة في ضمير السامع بذكر الاسم المقتضى لذلك كما يقول الخليفة لمن يأمره بأمر أمير المؤمنين يأمرك بكذا مكان أنا أمرك بكذا

ومنه قوله تعالى الحاقة ما الحاقة

وقوله إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها إن الله يأمر بالعدل والإحسان

وقوله وقال الذين في النار لخزنة جهنم ولم يقل لخزنتها

& السابع قصد تقوية داعية المأمور

كقوله تعالى فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ولم يقل على وحين قال على الله لم يقل إنه يحب أو إني أحب تقوية لداعية المأمور بالتوكل بالتصريح باسم المتوكل عليه

وقوله تعالى واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم & الثامن تعظيم الأمر

كقوله تعالى أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق

وقوله هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا إنا خلقنا الإنسان ولم يقل خلقناه للتنبيه على عظم خلقه للإنسان

وقوله يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا فإنما أعيد لفظ الجبال والقياس الإضمار لتقدم ذكرها مثل ما ذكرنا في آلم السجدة في أحد القولين

وهو قوله كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار وهو أن الآيتين سيقتا للتخويف والتنبيه على عظم الأمر فإعادة الظاهر أبلغ وايضا فلو لم يذكر الجبال لاحتمل عود الضمير إلى الأرض & التاسع أن يقصد التوصل بالظاهر إلى الوصف

كقوله تعالى فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته بعد قوله في صدر الآية إني رسول الله إليكم جميعا فآمنوا بالله ورسوله دون فأمنوا بالله وبي ليتمكن من إجراء الصفات التي ذكرها من النبي الأمي الذي يؤمن بالله فإنه لو قال وبي لم يتمكن من ذلك لأن الضمير لا يوصف ليعلم أن الذي وجب الإيمان به والإتباع له هو من وصف بهذه الصفات كائنا من كان أنا أو غيري إظهارا للنصفة وبعدا من التعصب لنفسه & العاشر التنبيه على علة الحكم

كقوله تعالى فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم

وقوله فإن الله عدو للكافرين أعلما أنه من كان عدوا لهؤلاء فهو كافر هذا إن خيف الإلباس لعودة للمذكورين

وكذا قوله فإن الله دون فإنه

وكقوله تعالى فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء ولم يقل عليهم لآنه ليس في الضمير ما في قوله الذين ظلموا من ذكر الظلم المستحق به العذاب وجعل منه الزمخشري قوله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا

وقوله تعالى فلعنة الله على الكافرين والآصل عليهم لدلالة على ان اللعنه لحقتهم لكفرهم

ولبس من ذلك قوله تعالى إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين فإن العلة قد تقدمت في الشرط وإنما فائدة ذلك إثاب صفة اخرى زائدة وقال الزمخشري فائدته اشتماله على المتقين والصابرين

ومنه قوله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لأنه شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان عظيم

وقوله ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون والقياس أنهم لايفلحون ولو ذكر الظاهر لقال لايفلح المفترون أو الكاذبون لكن صرح بالظلم تنبيها على أن علة عدم الفلاح الظلم

وقوله والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين ولم يقل أجرهم تنبيها على أن صلاحهم علة لنجاتهم

وقوله إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر ولم يقل لنا لينبه

على انه اهل لآن يصلى له لآنه ربه الذي خلقه وأبدعه ورباه بنعمته

وكقوله تعالى من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين قال الزمخشري اراد عدوا لهم فجاء بالظاهر ليدل على ان الله انما عاداهم لكفرهم وان عداوة الملائكة كفر واذا كانت عداوة الانبياء كفرا فما بال الملائكة وهم أشرف والمعنى ومن عاداهم عاداه الله وعاقبه اشد العقاب المهين

وقد ادمج في هذا الكلام مذهبة في تفضيل الملك على النبي وان لم يكن مقصودا فهو كما قيل % % وما كنت زوارا ولكن ذا الهوى % % إلى حيث يهوى القلب تهوى به الرجل % % ومثله قول مطيع % % امي الضريح الذي اسمى % % ثم استهل على الضريح %

الا ترى انه لم يقل عليه لانه باك بذكر الضريح الذي من عادته ان يبكي عليه ويحزن لذكراه & الحادي عشر قصد العموم

كقوله تعالى حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها ولم يقل استطعمهم الإشعار بتأكيد العموم وأنهما لم يتركا أحدا من أهلها إلا استطعماه وأبى ومع ذلك قابلهم

بأحسن الجزاء وفيه التنبيه على محاسن الآخلاق ودفع السيئة الحسنة

وقوله تعالى وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء فأنه لو قيل إنها لأمارة لاقتضى تخصيص ذلك فاتى بالظاهر ليدل على أن المراد التعميم مع انه بريء من ذلك بقوله بعده إلا ما رحم ربي وقوله إن ربي غفور رحيم ولم يقل إنه إما للتعظيم وإما للاستلذاذ

وقوله تعالى إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا وقوله تعالى وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها ثم قال فإن الإنسان كفور ولم يقل فانه مبالغة في اثبات أن هذا الجنس شأنه كفران النعم & الثاني عشر قصد الخصوص

كقوله تعالى وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي ولم يقل لك لانه لو أتى بالضمير لأخذ جوازه لغيره كما في قوله تعالى وبنات عمك فعدل عنه إلى الظاهر للتنبيه على الخصوصية وأنه ليس لغيره ذلك

& الثالث عشر مراعاة التجنيس

ومنه قل أعوذ برب الناس السورة ذكره الشيخ عز الدين ابن عبد السلام رحمه الله & الرابع عشر أن يتحمل ضميرا الابد منه

كقوله أتيا أهل قرية استطعما أهلها & الخامس عشر

كونه أهم من الضمير

كقوله تعالى أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى وقال بعضهم إنما أعيد إحداهما لتعادل الكلم وتوازن الآلفاظ في التركيب وهو المعنى في الترصيع البديعي بل هذا ابلغ من الترصيع فإن الترصيع توازن الألفاظ من حيث صيغها وهذا من حيث تركيبها فكأنه ترصيع معنوي وقلما يوجد إلا في نادر من الكلام وقد استغرب أبو الفتح ما حكى عن المتنبي في قوله % % وقد جادت الأجفان قرحى من البكا % % وعادت بهارا في الخدود الشقائق % %

قال سألته هل هو قرحى أو قرحا منون فقال لي قرحا منون ألا ترى أن بعدها وعادت بهارا قال يعني أن بهارا جمع بهار وقرحى جمع قرحة ثم اطنب في الثناء على المتنبي واستغرب فطنته لآجل هذا

وبيان ما ذكرت في الاية أنها متضمنه لقسمين قسم الظلال وقسم التذكير فأسند الفعل الثاني إلى ظاهر حيث أسند الآول ولم يوصل بضمير مفصول لكون الاول لازما فأتى بالثاني على صورته من التجرد عن المفعول ثم اتى به خبرا بعد أعتدال الكلام وحصول التماثل في تركيبه

ولو قيل إن المرفوع حرف لكان أبلغ في المعنى المذكور ويكون الآخير بدلا أو نعتا على وجه البيان كأنه قال إن كان ضلال من إحداهما كان تذكير من الآخرى وقدم على الاخرى لفظ إحداهما ليسند الفعل الثاني إلى مثل ما أسند إليه الآول لفظا ومعنى والله أعلم & السادس عشر كون ما يصلح للعود ولم يسق الكلام له

كقوله رسل الله الله أعلم وكقول الشاعر % % تبكي على زيد ولا زيد مثله % % برئ من الحمى سليم الجوانح % %

& السابع عشر الاشارة إلى عدم دخول الجملة في حكم الآولى

كقوله تعالى فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل في سورة الشورى فإن يمحو استئناف وليس على الجواب لآن المعلق على الشرط عدم قمل وجوده وهذا صحيح في يختم على قلبك وليس صحيحا في ويمح الله الباطل لان محو الباطل ثابت فلذلك أعيد الظاهر وأما حذف الواو من الخط فاللفظ وأما حذفها في الوقف كقوله تعالى يدع الداع و سندع الزبانية فللوقف ويؤكد ذلك وقوف يعقوب عليها بالواو

وهذا ملخص كلام عبد العزيز في كلامه على البزدوي وفيما ذكره نزاع وهذا أنا لانسلم أن المعلق ها هنا بالشرط هو موجود قبل الشرط لآن الشرط هنا المشيئة وليس المحو ثابتا قبل المشيئة فإن قيل إن الشرط هنا مشيئة خاصة وهي مشيئة الختم وهذا وإن كان محذوفا فهو مذكور بالقوة شائع في كثير من الاماكن كقوله تعالى ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ولو شاء الله ما أشركوا ولو شاء الله ما اقتتلوا المعنى ولو شاء الله جمعهم لجمعهم ولو شاء الله عدم ايمانهم ما أشركوا ولو شاء الله عدم قتالهم ما اقتتلوا

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر