الجزء ٢ — ص ٤٧٩–٤٨٨
أجاب ابن عساكر في التكميل والإفهام بأن العشر إنما فصل من أولئك ليتحدد قرب انقضاء المواعدة ويكون فيه متأهبا مجتمع الرأي حاضر الذهن لآنه لو ذكر الآربعين أولا لكانت متساوية فإذا جعل العشر فيها إتماما لها استشعرت النفس قرب التمام وتجدد بذلك عزم لم يتقدم
قال وهذا شبيه بالتلوم الذي جعله الفقهاء في الآجال المضروبه في الاحكام ويفصلونه من أيام الأجل ولا يجعلونها شيئا واحدا ولعلهم استنبطوه من هذا
فإن قلت فلم ذكر في هذه السورة أعني الأعراف الثلاثين ثم العشر وقال في البقرة وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ولم يفصل العشر منها
والجواب والله أعلم أنه قصد في الآعراف ذكر صفة المواعدة والإخبار عن كيفية وقوعها فذكر على صفتها وفي البقرة إنما ذكر الامتنان على بني إسرائيل بما أنعم به عليهم فذكر نعمة عليهم مجملة فقال وإذ فرقنا بكم البحر وإذ أنجيناكم من آل فرعون
وأعلم أنه يخرج لنا مما سبق جوابان في ذكر العشرة بعد الثلاثة والسبعة إما الإجمال بعد التفصيل وإما رفع الالتباس ويضاف إلى ذلك أجوبه
ثالثها أنه قصد رفع ماقد يهجس في النفوس من أن المتمتع إنما عليه صوم سبعة أيام لا أكثر ثلاثة منها في الحج ويكمل سبعا إذا رجع
رابعها أن قاعدة الشريعة أن الجنسين في الكفارة لايجب على المكفر الجمع بينهما فلا يلزم الحالف أن يطعم المساكين ويكسوهم ولا المظاهر العتق والصوم فلما اختلف محل هذين الصومين فكانت ثلاثة في الحج وسبعة اذا رجع صارا باختلاف المحلين كالجنسين والجنسان لايجمع بينهما وأفادت هذه الزيادة وهي قوله تلك عشرة كاملة رفع ما قد يهجس في النفوس من أنه إنما عليه أحد النوعين إما الثلاثة وإما السبع
الخامس أن المقصود ذكر كمال لا ذكر العشرة فليست العشرة مقصودة بالذات لآنها لم تذكر إلا للإعلام بأن التفصيل المتقدم عشرة لأن ذلك من المعلوم بالضرورة وإنما ذكر لتوصف بالكامل الذي هو مطلوب في القصه
السادس أن في الكلام تقديما وتأخيرا والتقدير فصيام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجعتم وهذا وإن كان خلاف الآصل لكن الإشكال ألجأنا إليه
السابع أن الكفارات في الغالب إنما تجب متتابعة ككفارات الجنايات ولما فصل هاهنا بين صوم هذه الكفارة بالإفطار قبل صومها بذكر الفدية ليعلم أنها وإنما كانت منفصله فهي كالمتصله
فإن قلت فكفارة اليمين لاتجب متتابعة ومن جنس هذه الكفارة ما يجب على
المحرم إذا حلق ثلاث شعرات ومن عجز عن الفدية فإنه يصوم ثلاثة أيام ولا يشترط التتابع
قلت هي في حكم المتتابعة بالنسبة إلى الثواب إلا أن الشرع خفف بالتفريق
ثامنها أن السبع قد تذكر والمراد به الكثرة لا العدد والذي فوق الستة ودون الثمانية وروى أبو عمرو بن العلاء وابن الآعرابي عن العرب سبع الله لك الأجر أي أكثر ذلك يريدون التضعيف
وقال الآزهري في قوله تعالى إن تستغفر لهم سبعين مرة هو جمع السبع الذي يستعمل للكثرة وإذا كان كذلك فاحتمل أن يتوهم ان المراد بالسبع ما هو أكثر من السبع ولفظها معطوف على الثلاثة بآلة الجمع فيفضي إلى الزيادة في الكفارة على العدد المشروع فيجب حينئذ رفع هذا الاحتمال بذكر الفذلكة وللعرب مستند قوي في إطلاق السبع والسبعة وهي تريد الكثرة ليس هذا موضع ذكره
تاسعها أن الثلاثة لما عطف عليها السبعة احتمل أن يأتي بعدها ثلاثة أو غيرها من الآعداد فقيد بالعشرة ليعلم أن المراد كمل وقطع الزيادة المفضية للتسلسل
عاشرها أن السبعة المذكورة عقب الثلاثة يحتمل أن تكون الثلاثة داخله فيها كما في قوله وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام أي مع اليومين اللذين خلق الأرض
فيها فلا بد من أعتقاد هنا التأويل ليندفع ظاهر التناقض فجاء التقييد بالعشرة لرفع توهم التداخل
وهذا الجواب أشار إليه الزمخشري ونقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام ترجيحه وردده ابن أبي الإصبع بأن احتمال التداخل لايظن إلا بعددين منفصلين لم يأت بهما جملة فلو اقتصر على التفصيل احتمل ذلك فالتقييد مانع من هذا الاحتمال
وهذا أعجب منه فإن مجيء الجملة رافع لذلك الاحتمال
الحادي عشر أن حروف السبعة والتسعة مشتبهة فأزيل الآشكال بقوله تلك عشرة كاملة لئلا يقرءوها تسعة فيصير العدد اثني عشر ونظير هذا قوله صلى الله عليه وسلم إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا
& فائدة في التأكيد بمائة إلا واحدا
التأكيد بمائة إلا واحدا لإزالة إلباس التسعة والتسعين بالسبعة والسبعين لكن مثل هذا مأمون في القرآن لآن الله حفظه & القسم التاسع وضع الظاهر موضع المضمر
لزيادة التقرير والعجب أن البيانيين لم يذكروه في أقسام الإطناب
ومنه بيت الكتاب % % إذا الوحش ضم الوحش في ظللاتها % % سواقط من حر وقد كان أظهرا %
ولو أتى على وجهة لقال إذا الوحش ضمها
وإنما يسأل عن حكمته إذا وقع في الجملة الواحدة فإن كان في جملتين مستقلتين كالبيت سهل الأمر لكن الجملتين فيه كالجملة الواحدة لأن الرافع للوحش الأول فعل محذوف كما يقول البصريون والفعل المذكور ساد مسد الفعل المحذوف حتى كأنه هو ولهذا لايجتمعان وإن قدر رفع الوحش بالابتداء فالكلام جملة واحدة
ويسهل عند اختلاف اللفظين كقوله % % إذا المرء لم يغش الكريهة أوشكت % % حبال الهو ينى بالفتى أن تقطعا %
فاختلاف لفظين ظاهرين أشبها لفظي الظاهر والمضمر في اختلاف اللفظ وعليه قوله تعالى ومنهم الذين يؤذون النبي ثم قال والذين يؤذون رسول الله ولم يقل يؤذونه مع ما في ذلك من التعظيم فالجمع بين الوصفين كقوله في الحديث نبيك الذي أرسلت وقوله ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير الاية فإنه قد تكرر اسم الله ظاهرا في هذه الجمل الثلاث ولم يضمر لدلالته على استقلال كل جملة منها وأنها لم تحصل مرتبطة ببعضها ارتباط ما يحتاج فيه إلى إضمار
وقوله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان
وفيه دلالة على أن الطاغوت هو الشيطان وحسن ذلك هنا تنبيها على تفسيره
وقال ابن السيد إن كان في جملتين حسن الإظهار والاضمار لان كل جملة تقوم بنفسها كقولك جاء زيد وزيد رجل فاضل وإن شئت قلت وهو رجل فاضل
وقوله مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته
وإن كان في جملة واحدة قبح الإظهار ولم يكد يوجد إلا في الشعر كقوله % % لاأرى الموت يسبق الموت شيء % % نغص الموت ذا الغنى والفقيرا %
قال وإذا اقترن بالاسم الثاني حرف الاستفهام بمعنى التعظيم والتعجب كان المناسب الإظهار كقوله تعالى الحاقة ما الحاقة و القارعة ما القارعة والإضمار جائز كقوله تعالى فأمه هاوية وما أدراك ما هيه
الخروج على خلاف الأصل وأسبابه
واعلم أن الأصل في الأسماء أن تكون ظاهرة وأصل المحدث عنه كذلك والاصل أنه إذا ذكر ثانيا أن يذكر مضمرا للاستغناء عنه بالظاهر السابق كما أن الأصل في الأسماء الإعراب وفي الأفعال البناء وإذا جرى المضارع مجرى الاسم أعرب كقوله تعالى فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون
وقوله تعالى فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين
وقوله تعالى فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا & وللخروج على خلاف الآصل أسباب أحدها قصد التعظيم
كقوله تعالى واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم
وقوله تعالى أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون
وقوله تعالى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون
وقوله تعالى لكن هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا فأعاد ذكر لرب لما فيه من التعظيم ولهضم للخضم
وقوله تعالى الله أحد الله الصمد
وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد
هو الله ربي ولا أشرك بربي
كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا
بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا
وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا
وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب
وقوله تعالى الحاقة ما الحاقة القارعة ما القارعة كان القياس لولا ما أريد به من التعظيم والتفخيم الحاقة ماهي
ومثله فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة تفخيما لما ينال الفريقين من جزيل الثواب ورأيم العقاب الثاني قصد الإهانة والتحقير
كقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان
وقوله تعالى أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان
وقوله إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا
وقوله تعالى وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون
وقول الشاعر % % فما للنوى لا بارك الله في النوى % % وعهد النوى عند الفراق ذميم %
وسمع الأصمعي من ينشد % % فما للنوى جد النوى قطع النوى % % كذاك النوى قطاعه للقرائن % % فقال لو قيض لهذا البيت شاة لآتت عليه & الثالث الاستلذاذ بذكره
كقوله تعالى وبالحق أنزلناه وبالحق نزل إن كان الحق الثاني هو الاول
وقوله من كان يريد العزة فلله العزة جميعا
وقوله تعالى وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء ولم يقل منها ولهذا عدل عن ذكر الأرض إلى الجنة وإن كان المراد بالآرض الجنة ولله در القائل % % كرر على السمع منى أيها الحادي % % ذكر المنازل والأطلال والنادي %
وقوله % % يا مطربي بحديث من سكن الغضى % % هجت الهوى وقدحت في حراق % % كررت حديثك يا مهيج لوعتي % % إن الحديث عن الحبيب تلاق % %
& الرابع زيادة التقدير
كقوله تعالى وبالحق أنزلناه وبالحق نزل
وقوله الله الصمد بعد قوله الله أحد ويدل على إرادة التقدير سبب نزولها وهو ما نقل عن ابن عباس ان قريشا قالت يا محمد صف لنا ربك الذي تدعوننا إليه فنزل الله أحد معناه أن الذي سألمتموني وصفه هو الله ثم لما أريد تقدير كونه الله أعيد بلفظ الظاهر دون ضميره
وقوله إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون وقوله تعالى ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله
يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب & الخامس
إزالة اللبس حيث يكون الضمير يوهم أنه غير المراد
كقوله تعالى قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء لو قال تؤتيه لأوهم أنه الآول قاله ابن الخشاب
وقوله تعالى الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء كرر السوء
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر