الجزء ٢ — ص ٤٩٩–٥٠٨
قيل لايكاد يثبت مفعول المشيئة إلا نادرا كما سياتي في الحذف إن شاء الله تعالى وإذا ثبت هذا صح ما ادعيناه فان محو الله ثابت قبل مشئة الله الختم
فإن قلت سلمنا أن الشرط مشيئة خاصة لكنها إنما تختص بقرينة الجواب
والجواب هنا شيئان فالمعنى إن يشأ الله الختم ومحو الباطل يختم على قلبك ويمح الباطل وحينئذ لايتم ما ادعاه
وجوابه أن الشرط لا بد أن يكون غير ثابت وغيرممتنع ويمحو الباطل كان ثابتا فلا يصح دخوله في جواب الشرط وهذا أحسن جدا
بقي أن يقال إن الجواب ليس كلا من الجملتين بل مجموع المجموع الجملتين ومعدوم قبل وجود الشرط وإن كان أحدهما ثابتا & الاول
قد سبق أنه لايشترط في وضع الظاهر موضع المضمر أن يكون بلفظ الاول ليشمل مثل قوله تعالى إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا
وقوله تعالى ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء لآن إنزال الخير هنا سبب للربوبية وأعادة بلفظ الله لان تخصيص الناس بالخير دون غيرهم مناسب للإلهية لآن دائرة الربوبية أوسع
ومثله وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء كما سبق
500
@ 500 ومن فوائده التلذذ بذكره وتعظيم المنة بالنعمة
ومن فوائده قصد الذم وجعل الزمخشري قوله تعالى يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر فقال المراء هو الكافر وهو ظاهر وضع موضع الضمير لزيادة الذم
وقال ابن عبد السلام في قوله تعالى سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين إن الفاسقين يراد بهم المنافقون ويكون قد أقام الظاهر مقام المضمر والتصريح بصفة الفسق سبب لهم ويجوز ان يكون المراد العموم لكل فاسق ويدخل فيه المنافقون دخولا اوليا وكذا سائر هذه النظائر
وليس من هذا الباب قوله تعالى إن تكونوا صالحين أي في معاملة الابوين فإنه كان للأوابين غفورا
وقوله تعالى من كان عدوا لجبريل إلى قوله فإن الله عدو للكافرين
وكذلك كل ما فيه شرط فإن الشرط أسباب ولا يكون الإحسان للوالدين سببا لغفران الله لكل تائب لانه يلزم أن يثاب غير الفاعل بفعل غيره وهو خلاف الواقع
وكذلك معاداة بعض الكفرة لايكون سببا لمعاداة كل كافر فتعين في هذه المواضع ان يكون من باب إقامة الظاهر مقام المضمر ليس إلا
& الثاني
قد مر أن سؤال وضع الظاهر موضع المضمر حقه ان يكون في الجملة الواحدة نحو الحاقة ما الحاقة فأما إذا وقع في جملتين فأمره سهل وهو افصح من وقوعه في الجملة الواحده لان الكلام جملتان فحسن فيها ما مالا يحسن في الجملة الواحده ألا ترى إلى قوله % % لا ارى الموت يسبق الموت شئ % % نغص الموت ذا الغنى والفقيرا %
فتكرار الموت في عجز البيت أوسع من تكراره في صدره لآنا اذا عللنا هذا إنما نقول أعاد الظاهر موضع المضمر لما اراد من تعظيم الموت وتهويل امره فإذا عللها مكرره في عجزه عللناه بهذا وبان الكلام جملتان
إذا علمت هذا فمثاله في الجملتين كقوله تعالى واتقوا الله ويعلمكم الله وقوله إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين
وقد اشكل الإظهار هاهنا والإضمار في المثل قوله إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين
وأجيب بأنه لما كان المراد في المدائن لوط إهلاك القرى صرح في الموضعين بذكر القرية التي يحل بها الهلاك كأنها اكتسبت الظلم معهم واستحقت الهلاك معهم إذ للبقاع تأثير في الطباع ولما كان المراد في قوم فرعون إهلاكهم بصفاتهم حيث كانوا ولم يهلك بلدهم اتى بالضمير العائد على ذواتهم من حيث هي من غير تعرض للمكان
واعلم أنه متى طال الكلام حسن إيقاع الظاهر موضع المضمر كيلا يبقى الذهن متشاغلا بسبب ما يعود عليه اللفظ فيفوته ما شرع فيه كما إذا كان ذلك في ابتداء آية اخرى كقوله تعالى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم الآية
وقوله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس
وقوله يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس
وقوله رجال لا تلهيهم تجارة
& القسم العاشر
تجيء اللفظة الدالة على التكثير والمبالغة بصيغ من صيغ المبالغة
كفعال وفعيل وفعلان فإنه أبلغ من فاعل ويجوز أن يعد هذا من أنواع الاختصار فإن أصله وضع لذلك فإن ضروبا ناب عن قولك ضارب وضارب وضارب & ما جاء على فعلان
أما فعلان فهو أبلغ من فعيل ومن ثم قيل الرحمن أبلغ من الرحيم وإن كانت صيغة فعيل من جهة أن فعلان من ابنية المبالغة كغضبان للممتلئ غضبا ولهذا لايحوز التسمية به وحكاه الزجاج في تأليفه المفرد على البسملة
وأما قول الشاعر اليمامة * وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا * فهو من كفرهم وتعنتهم كذا أجاب به الزمخشري
ورده بعضهم بأن النعت لايدفع وقوع إطلاقهم وغايته أنه ذكر السبب الحامل لهم على الإطلاق وإنما الجواب أنهم لم يستعملوا الرحمن المعرف بالآلف واللام وإنما استعملوه مضافا ومنكرا وكلامنا إنما هو في المعرف باللام
وأجاب ابن مالك بأن الشاعر أراد لازلت ذا رحمة ولم يرد بالاسم المستعمل بالغلبة
ويدل على أن العرب كانت تعرف هذا الاسم قوله تعالى قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى وأما قوله وما الرحمن فقال ابن العربي إنما جهلوا الصفة دون الموصوف ولذلك لم يقولوا ومن الرحمن
وذكر البرزاباذاني أنهم غلطوا في تفسير الرحمن حيث جعلوه بمعنى المتصف بالرحمة
قال وإنما معناه الملك العظيم العادل لدليل الملك يومئذ الحق للرحمن إذا الملك يستدعي العظمة والقدره والرحمة لخلقه لا أنه يتوقف عليها وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن وإنما يصلح السجود لمن له العظمة والقدرة
إني أعوذ بالرحمن ولا يعاذ إلا بالعظيم القادر على الحفظ والذب
وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا أي وما ينبغي للعظيم القادر على كل شئ المستغني عن معاونة الوالد وغيره أن يتخذ ولدا
الرحمن لا يملكون منه خطابا
وخشعت الأصوات للرحمن
قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن ولا يحتاج الناس إلى حافظ يحفظهم من ذي الرحمة والواسعة
إلا آتي الرحمن عبدا
إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن
وربنا الرحمن المستعان
من خشي الرحمن بالغيب
ولا مناسبة لمعنى الرحمة في شئ من هذه المواضع وأما رحيم فهو من صفات الذات كقولهم كريم
وما ذكرناه من أن الرحمن أبلغ ذهب إليه أبو عبيد والزمخشري وغيرهما وحكاه ابن عساكر في التكميل والإفهام عن الآكثرين
وفي كلام ابن جرير ما يفهم حكاية الاتفاق عليه ونصره السهيلي بأنه ورد على لفظ التنبيه والتنبيه تضعيف وكأن البناء تضاعفت فيه الصفة
وقال قطرب المعنى فيهما واجد وإنما جمع بينهما في الاية للتوكيد
وكذلك قال ابن فورك قال وليس قول من زعم أن رحيما أبلغ من رحمن يجيد إذ لافرق بينهما في المبالغة ولو قيل فعلان اشد مبالغة كان أولى ولهذا خص بالله فلا يوصف به غيره ولذلك قال بعض التابعين الرحمن اسم ممنوع وأراد به منع الخلق أن يتسموا به ولا وجه لهذا الكلام إلا التوكيد وإتباع الأول ما هو في معنى الثاني
وقال ابن عباس هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الاخر
وعن الخطابي استشكال هذا وقال لعله ارفق كما جاء في الحديث إن الله رفيق يحب الرفق في الامر كله
وقال ابن الانباري في الزاهر الرحيم أبلغ من الرحمن
ورجحه ابن عساكر بوجوه منها أن الرحمن جاء متقدما على الرحيم ولو كان ابلغ لكان متاخرا عنه لانهم في كلامهم إنما يخرجون من الادنى إلى الاعلى فيقولون فقيه عالم وشجاع باسل وجواد فياض ولا يعكسون هذا لفساد المعنى لانه لو تقدم لأبلغ لكان الثاني داخلا تحته فلم يكن لذكره معنى
وهذا قدر ذكره الزمخشري وأجاب عنه بأنه من باب الإرداف وأنه أردف الرحمن الذي يتناول جلائل النعم وأصولها بالرحيم ليكون كالتتمه والرديف ليتناول مارق منها ولطف
وفيه ضعف لاسيما إذا قلنا إن الرحمن علم لاصفة وهو قول الآعلم وابن مالك وأجاب الواحدي في البسيط بأنه لما كان الرحمن كالعلم إذ لايوصف به إلا الله قدم لأن حكم الأعلام وغيرها من المعارف أن يبدأ بها ثم يتبع الأنكر وما كان التعريف انقص
قال وهذا مذهب سيبويه وغيره من النحويين فجاء هذا على منهاج كلام العرب
وأجاب الجويني بأن الرحمن للخلق والرحيم لهم باالرزق والخلق قبل الزرق
ومنها أن اسماء الله تعالى إنما يقصد بها المبالغة في حقه والنهاية في صفاته وأكثر صفاته سبحانه جارية على فعيل كرحيم وقدير وعليم وحكيم وحليم وكريم ولم يأت على فعلان إلا قليل ولو كان فعلان أبلغ لكان صفات الباري تعالى عليه أكثر
قلت وجواب هذا أن ورود فعلان بصيغة التكثير كان فيعدم تكرار الوصف به بخلاف فعيل فإنه لما لم يرق في الكثرة رقته كثر في مجيء الوصف
ومنها أنه إن كانت المبالغة في فعلان من جهة موافقه لفظ التثنية كما زعم السهيلي ففعيل من أبنية جمع الكثرة كعبيد وكليب ولا شك أن الجمع أكثر من التثنية وهذا أحسنها
قال وقول قطرب إنهما بمعنى واحد فاسد لانه لو كان كذلك لتساويا في التقديم والتأخير وهو ممتنع
& تنبيهات الأول
نقل عن الشيخ برهان الدين الرشيدي أن صفات الله التي هي صيغة المبالغة كغفار ورحيم وغفور ومنان كلها مجاز إذ هي موضوعه للمبالغة ولا مبالغة فيها لأن المبالغة هي أن تثبت للشيء أكثر مما له وصفات الله متناهية في الكمال لايمكن المبالغة فيها والمبالغة ايضا تكون في صفات تقبل الزيادة والنقصان وصفات الله تعالى منزهة عن ذلك انتهى
وذكر هذا للشيخ ابن الحسن السبكي فاستحسنه وقال إنه صحيح إذا قلنا إنها صفات
فإن قلنا أعلام زال ذلك
قلت والتحقيق أن صيغ المبالغة على قسمين
احدهما ما تحصل المبالغة فيه بحسب زيادة الفعل
والثاني بحسب تعدد المفعولات
ولا شك أن تعددها لايوجب للفعل زيادة إذ الفعل الواحد قد يقع على جماعة متعددين
وعلى هذا التقسيم يحب تنزيل جميع اسماء الله تعالى التي وردت على صيغة المبالغة كالرحمن والغفور والتواب ونحوها ولايبقى إشكال حينئذ لهذا قال بعض المفسرين في حكم معنى المبالغة فيه تكرار حكمه بالنسبة إلى الشرائع
وقال الزمخشري في سورة الحجرات المبالغة في التواب للدلالة على كثرة من
يتوب إليه من عباده أو لأنه ما من ذنب يقترفه المقترف إلا كان معفوا عنه بالتوبه أولا لآنه بليغ في قبول التوبه نزل صاحبها منزلة من لم يذنب قط لسعة كرمه
وقد أورد بعض الفضلاء سؤالا في قوله تعالى والله على كل شيء قدير وهو أن قديرا من صيغ المبالغه يستلزم الزيادة على معنى قادر والزيادة على معنى قادر محال إذ الإتحاد من واحد لايمكن فيه التفاضل باعتبار كل فرد فرد
وأجيب عنه بأن المبالغة لما لم يقدر حملها على كل فرد وجب صرفها إلى مجموع الأفراد التي دل السياق عليها والمبالغة إذن بالنسبة إلى تكثير التعلق لا بالنسبة إلى تكثير الوصف
وكذلك قوله تعالى والله بكل شيء عليم يستحيل عود المبالغة إلى نفس الوصف إذ العلم بالشيء لا يصح التفاوت فيه فيجب صرف المبالغة فيه إلى المتعلق إما لعموم كل أفراده وإما لآن يكون المراد الشيء ولواحقه بيكون من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل & الثاني
سئل أبو علي الفارسي هل تدخل المبالغة في صفات الله تعالى فيقال علامة فأجاب بالمنع لأن الله تعالى ذم من نسب إليه الإناث لما فيه من النقص فلا يجوز إطلاق اللفظ المشعر بذلك
حكاه الجرجاني في شرح الإيضاح
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر