الجزء ٢ — ص ٤٦٩–٤٧٨
% % عليك بالنفس فاستكمل فضائلها % % فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان %
ومنه قوله تعالى فيهما فاكهة ونخل ورمان وغلط بعضهم من عد هذه الآية من هذا النوع من جهة أن فاكهة نكرة في سياق الاثبات فلا عموم لها
وهو غلط لأمرين أحدهما انها في سياق الإثبات وهو مقتضى العموم كما ذكره القاضي أبو الطيب الطبري
والثاني أنه ليس المراد بالخاص والعام هاهنا المصطلح عليه في الأصول بل كل ما كان الأول فيه شاملا للثاني
وهذا الجواب أحسن من الاول لعمومه بالنسبة إلى كل مجموع يشتمل على متعدد
ولما لمح أبو حنيفة معنى العطف وهو المغايرة لم يحنث الحالف على أكل الفاكهة بأكل الرمان
ومنه قوله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر إذ الأمر والنهي من جملة الدعاء إلى الخير
وقوله تعالى والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد والقصد تفضيل النبي صلى الله عليه وسلم وما نزل عليه إذ لايتم الإيمان إلا به
وقوله ولهم فيها منافع ومشارب
وقوله ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا ففائدة قوله ومن الذين أشركوا مع دخولهم في عموم الناس أن حرصهم على الحياة اشد لانهم كانوا لا يؤمنون بالبعث
وقوله الذين يؤمنون بالغيب فهذا عام وبالآخرة هم يوقنون وإن كان الإيمان بالغيب يشملها ولكن خصها لانكار المشركين لها في قولهم ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا فكان في تخصيصهم بذلك مدح لهم
وقوله اقرأ باسم ربك الذي خلق فعم بقوله خلق جميع مخلوقاته ثم خص فقال خلق الإنسان من علق
وقوله تعالى إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه عطف اللحم على الميته مع دخوله في عموم الميته لأن الميته كل ما ليس له ذكاة شرعية والقصد به التنبيه على شدة التحريم فيه & تنبيه
ظاهر كلام الكثيرين تخصيص هذا العطف بالواو وقد سبق عن ابن مالك وآخرين مجيئه في أو في قوله ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه مع أن ظلم النفس
من عمل السوء فقيل هو بمعنى الواو والمعنى يظلم نفسه بذلك السوء حيث دساها بالمعصية وقوله تعالى ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي فإن الوحي مخصوص بمزيد قبح من بين أنواع الأفتراء خص بالذكر تنبيها على مزيد العقاب فيه والإثم
وقوله تعالى والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم مع أن فعل الفاحشة داخل فيه قيل أريد به نوع من انواع ظلم النفس وهو الربا أو كل كبيرة فخص بهذا الاسم تنبيها على زيادة قبحه وأريد بظلم النفس ما وراء ذلك من الذنوب & القسم السادس ذكر العام بعد الخاص
وهذا أنكر بعص الناس وجوده وليس بصحيح
والفائدة في هذا القسم واضحه والاحتمالان المذكوران في العام قبله ثابتان هنا أيضا ومنه قوله إن صلاتي ونسكي والنسك العبادة فهو أعم من الصلاة
وقوله ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب
وقوله ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم
وقوله إخبار عن نوع رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات
وقوله فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير
وجعل الزمخشري منه قوله تعالى ومن يدبر الأمر بعد قوله قل من يرزقكم
واعلم أن هذين النوعين يقعان في الأفعال والأسماء لكن وقوعهما في الأفعال لا يأتي إلا في النفي وأما في الإثبات فليس من هذا الباب بل من عطف المطلق على المقيد أو المقيد على المطلق & القسم السابع عطف أحد المترادفين على الآخر أو ما هو قريب منه في المعنى والقصد منه التأكيد
وهذا إنما يجيء عند اختلاف اللفظ وإنما يحسن بالواو ويكون في الجمل كقوله أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى
ويكثر في المفردات كقوله فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا
وقوله فلا يخاف ظلما ولا هضما لا تخاف دركا ولا تخشى
وقوله ثم عبس وبسر
وقوله إنما أشكو بثي وحزني إلى الله
وقوله لا تبقي ولا تذر
وقوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه
وقوله لا ترى فيها عوجا ولا أمتا قال الخليل العوج والأمت بمعنى واحد وقيل الآمت أن يغلظ مكان ويرق مكان قاله ابن فارس في المقاييس وهو راجع لما قاله الخليل
وقوله أنا لا نسمع سرهم ونجواهم
وقوله لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا
وقوله إلا دعاء ونداء
وفرق الراغب بين النداء والدعاء بأن النداء قد يقال إذا قيل يا أو أيا ونحوه من غير أن يضم إليه الاسم والدعاء لايكاد يقال إلا إذا كان معه الاسم نحو يافلان
وقوله إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا
وقوله إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض
وقوله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب فإن نصب مثل لغب وزنا ومعنى ومصدرا
وقوله أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة على قول من فسر الصلاة بالرحمة والآحسن خلافه وأن الصلاة للاعتناء وإظهار الشرف كما قاله الغزالي وغيره وهو قدر مشترك بين الرحمة والدعاء والاستغفار وعلى هذا فهو من عطف المتغايرين
وقال الزمخشري في قوله تعالى والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك إنهم هم المذكورون أولا وهو من عطف الصفة على الصفة
واعترض عليه بأن شرط عطف الصفة على الصفة تغاير الصفتين في المعنى تقول جاء زيد العالم والجواد والشجاع أي الجامع لهذه المعاني الثلاثة المتغايره ولا تقول زيد العالم والعالم فإنه تكرار والآية من ذلك لأن المعطوف عليه قوله تعالى الذين يؤمنون بالغيب والمعطوف قوله تعالى والذين يؤمنون بما أنزل إليك والمنزل هو الغيب بعينه
ويحتمل أن يقال المعطوف عليه مطلق الغيب والمعطوف غيب خاص فيكون من عطف الخاص على العام
وجعل منه بعضهم قوله تعالى وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير فإن المراد بالكتاب المنير
هو الزبور ونقله على إجماع المفسرين لما تضمنه من النعت كما تعطف النعوت بعضها على بعض وهذا يرده تكرار الباء فانه يشعر بالفصل لآن فائدة تكرار العامل بعد حرف العطف إشعار بقوة الفصل من الاول والثاني وعدم التجوز في العطف الشيء على نفسه
والذي يظهر أنه للتأسيس وبيانه وجوه
أحدها أن قوله تعالى جاءتهم يعود الضمير فيه على المكذبين للنبي صلى الله عليه وسلم وعلى الذين من قبلهم فيكون النبي صلى الله عليه وسلم داخلا في المرسلين المذكورين والكتاب المنير هو القرآن وقوله تعالى ثم أخذت الذين كفروا معطوف على قوله تعالى فقد كذب الذين من قبلهم أي كذبوا ثم اخذتهم بقيام الحجة عليهم بالبينات والزبر والكتاب المنير وجاء تقديم قيام الحجة عليهم قبل العطف اعتراضا للاهتمام به وهو من ادق وجوه البلاغة ومثله في آية آل عمران قوله تعالى فقد كذب رسل من قبلك وقوله جاؤوا انصراف من الخطاب إلى الغيبة كأنه قال جاء هؤلاء المذكورون فيكون النبي صلى الله عليه وسلم داخلا في الضمير وهو في موضع جئتم بالبينات فأقام الإخبار عن الغائب مقام المخاطب كقوله تعالى وجرين بهم وفيه وجه من التعجب كأن المخاطب إذا استعظم الامر رجع إلى الغيبة ليعم الإخبار به جميع الناس وهذا موجود في الآيتين
والثاني أن يكون على حذف مضاف كأنه قيل الكتاب المنير يعني القرآن
فيكون مثل قوله ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد وهذا وجه حسن & تنبيهات
الأول انكر المبرد هذا النوع ومنع عطف الشيء على مثله إذا لا فائدة فيه وأول ما سبق باختلاف المعنيين ولعله ممن ينكر أصل الترادف في اللغة كالعسكري وغيره
ما ذكرناه من تخصيص هذا النوع بالواو هو المشهور وقال ابن مالك وقد انيبت أو عنها كما في قوله تعالى نشوزا أو إعراضا ومن يكسب خطيئة أو إثما
قال شيخنا وفيه نظر لامكان أن يراد بالخطيئة ما وقع خطأ وبالإثم ما وقع عمدا قلت ويدل له قوله تعالى قبل ذلك ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه
وجعل منه بعضهم قوله صلى الله عليه وسلم اللهم إني أسالك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو انزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو أستأثرت به في علم الغيب عندك
قلت ماذكره ابن مالك قد سبقه به ثعلب فيما حكاه ابن سيده في المحكم فقال ثعلب في قوله تعالى عذرا أو نذرا العذر والنذر واحد
قال اللحياني وبعضهم يثقل
وعن الفراء أنه يجري في العطف بثم وجعل منه قوله ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه قال معناه وتوبوا إليه لان التوبة الاستغفار وذكر بعضهم أنه قد تجرد عن العطف وجعل منه قوله تعالى وغرابيب سود والغرابيب هي السود سبلا فجاجا الرحمن الرحيم وغير ذلك
الثالث مما يدفع وهم التكرار في مثل هذا النوع أن يعتقد أن مجموع المترادفين يحصل معنى لايوجد عند انفراد أحدهما فإن التركيب يحدث معنى زائدا وإذا كانت كثرة الحروف تفيد زيادة المعنى فكذلك كثرة الألفاظ & القسم الثامن الإيضاح بعد الإبهام
ليرى المعنى في صورتين أو ليكون بيانه بعد التشوف إليه لانه يكون الذ للنفس وأشرف عندها وأقوى لحفظها وذكرها كقوله تعالى وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين
وقوله تعالى قل هو الله أحد فإن وضع الضمير موضع الظاهر معناه البيان أو الحديث أو الأمر لله أحد مكفوا بها ثم فسر وكان أو قع في النفس من الإتيان به مفسرا من أول الأمر ولذلك وجب تقديمه وتفيد به الجملة المراد تعظيما له
وسيأتي عكسه في وضع الظاهر موضع المضمر
ومثله التفصيل بعد الإجمال كقوله تعالى إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم
وعكسه كقوله تعالى ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة
وقوله تعالى وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وأعاد قوله أربعين وإن كان معلوما من الثلاثين والعشر أنها أربعون لنفي اللبس لأن العشر لما أتت بعد الثلاثين التي هي نص في المواعدة دخلها الاحتمال أن تكون من غير المواعدة فأعاد ذكر الأربعين نفيا لهذا الاحتمال وليعلم أن جميع العدد للمواعدة
وهكذا قوله تعالى فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة اعاد ذكر العشرة لما كانت الواو تجيء في بعض المواضع للإباحة وقوله كاملة تحقيق لذلك وتأكيد له
فإن قلت فإذا كان زمن المواعدة أربعين فلم كانت ثلاثين ثم عشرا
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر