علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٩٦ من ١٩٤

الجزء ٢ — ص ٤٥٩–٤٦٨

قد يكرر عامله إذا كان حرف جر كقوله ومن النخل من طلعها قنوان دانية ف طلعها بدل اشتمال من النخل وكرر العامل فيه وهو من

وقوله تعالى قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم لمن آمن بدل بعض من كل من الذين استضعفوا لآن المؤمنين بعض المستضعفين وقد كرر اللام

وقوله ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة فقوله لبيوتهم بدل اشتمال من قوله لمن يكفر بالرحمن وجعل ابن عطية اللام الاولى للملك والثانية للاختصاص فعلى هذا يمتنع البدل لاختلاف معنى الحرفين

وقوله تعالى تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا لأولنا وآخرنا بدل من الضمير في لنا وقد اعيد معه العامل مقصودا به التفصيل ز

ومنه قراءة يعقوب وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها قال أبو الفتح جاز ابدال الثانية من الاولى لان في الثانية ذكر سبب الجثو

قيل ولم يظهر عامل البدل اذا كان حرف جر ايذانا فافتقار الثاني إلى الأول فان حروف الجر مفتقرة ولم يظهر الفعل اذا لو اظهروه لانقطع الثاني عن الآول بالكلية لأن الكلام مع الفعل قائم بنفسه

واعلم انه لاخلاف في جواز اطهار العامل في البدل اذا كان حرف جر كالايات السابقة فان كان رافعا أو ناصبا ففيه خلاف والمجوزون احتجوا بقوله تعالى فاتقوا الله وأطيعون واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون أمدكم فيجوز ان يكون أمدكم الثاني بدلا من أمدكم الأول وقد يكون من ابدال الجملة من الجملة وتكون الثانية صلة الذي كالاولى ويجوز ان تكون الثانية شارحة للأولى كقولك ضربت راس زيد قذفته بالحجر ثم قوله تعالى يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم ابدل قوله اتبعوا من لا يسألكم من قوله اتبعوا المرسلين لانه اكثر تلطفا في اقتضاء اتباعهم وقوله تعالى ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب ف يلق مجزوم بحذل الالف لانه جواب الشرط ثم أبدل منه يضاعف له العذاب فبين بها الاثام ماهو

تقسيم البدل باعتبار آخر

ينقسم البدل باعتبار آخر إلى بدل مفرد من مفرد وجملة من جملة وقد سبقا وجملة من مفرد كقوله تعالى كمثل آدم خلقه من تراب وقوله ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم وجاز اسناد يقال إلى ما علمت فيه كما جاز إسناد قيل في وإذا قيل إن وعد الله حق

ومن إبدال الجملة من المفرد قوله تعالى وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون

قال الزمخشري هذا الكلام كله في محل نصب بدلا من النجوى

ويبدل الفعل من الفعل الموافق له في المعنى مع زيادة بيان كقوله تعالى ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب الآية

والرابع بدل المفرد من الجملة كقوله ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون ف إنهم بدل لان الإهلاك وعدم الرجوع بمعنى واحد

فإن قلت لو كان بدلا لكان معه الاستفهام

قيل هو بدل معنوي & تنبيه في تكرار البدل

وقد يكرر البدل كقوله إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه فقوله إذ هما بدل من قوله إذ أخرجه الذين كفروا وقوله إذ يقول لصاحبه بدل من إذ هما في الغار

& تنبيه في إعراب كلمة آزر في سورة الانعام

أعربوا آزر من قوله تعالى وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر بدلا قال ابن عبد السلام والبدل لا يكون إلا للبيان والأب لايلتبس بغيزة فكيف حسن البدل

والجواب أن الأب يطلق على الجد بدليل قوله آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال آزر لدفع توهم المجاز

هذا كله إذا قلنا إن آزر اسم أبيه لكن في المعرب للجواليقي عن الزجاج لاخلاف ان اسم أبي إبراهيم تارح والذي في القرآن يدل على أن اسمه آزر وقيل آزر ذم في لغتهم وكأنه يامخطيء وهو من العجمي الذي وافق لفظه لفظ العربي نحو الإزار والإزرة قال تعالى أخرج شطأه فآزره

وعلى هذا فالوجه الرفع في قراءة آزر & القسم الرابع عطف البيان

وهو كالنعت في الايضاح وإزالة الإشتراك الكائن فيه

وشرط صاحب الكشاف فيه أن يكون وضوحه زائدا على وضوح متبوعه

ورد ما قاله بان الشرط حصول زيادة الوضوح بسبب انضمام عطف البيان مع متبوعه لا أن الشرط كونه اوضح واشهر من الاول لان من الجائز ان يحصل باجتماع الثاني مع الاول زيادة وضوح لا تحصل حال انفراد كل واحد منهما كما في خالي أبو عبد الله زيد مع أن اللقب اشهر فيكون في كل واجد منهما خفاء بانفراده ويرفع بالانضمام

وقال سيبويه جعل ياهذا الحمد عطف بيان مع ان اسم الاشارة اعرف من المضاف إلى ذي اللام

وقيل يشترط ان يكون عطف البيان معرفة والصحيح أنه ليس بشرط كقولك لبست ثوبا جبة

وقد اعرف الفارسي من شجرة مباركة زيتونة وكذا فكفارته إطعام عشرة مساكين وكذلك صاحب المفتاح في لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد

فان قلت ما الفرق بينه وبين الصفة قلت عطف البيان وضع ليدل على الايضاح باسم يختص به وان استعمل في الايضاح كالمدح في قوله تعالى جعل الله الكعبة البيت الحرام فان البيت الحرام عطف بيان جيء به للمدح لا للايضاح وأما الصفة فوضعت لتدل على معنى حاصل في متبوعه وإن كانت في بعض الصور مفيدة للإيضاح للعلم بمتبوعها من غيرها

وكقوله تعالى إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله وقوله تعالى آيات بينات مقام إبراهيم

وزعم الزمخشري في قوله تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم أن من وجدكم عطف بيان

وهو مردود فإن العامل إنما يعاد في البدل لا في عطف البيان

فان قلت ما الفرق بينه وبين البدل

قلت قال أبو جعفر النحاس ما علمت أحدا فرق بينهما إلا ابن كيسان فإن الفرق بينهما أن البدل يقرر الثاني في موضع الأول وكأنك لم تذكر الأول وعطف البيان أن تقدر أنك أن ذكرت الاسم الأول لم يعرف إلا بالثاني وإن ذكرت الثاني لم يعرف إلا بالأول فجئت بالثاني مبينا للآول قائما له مقام النعت والتوكيد

قال وتظهر فائدة هذا في النداء تقول يا اخانا زيد اقبل على البدل كأنك رفعت الأول وقلت يازيد اقبل فإن اردت عطف البيان قلت يا أخانا زيد أقبل & القسم الخامس ذكر الخاص بعدم العام

فيؤتى به معطوفا عليه بالواو وللتنبيه على فضله حتى كأنه ليس من حنس العام تنززيلا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات وعلى هذا بني المتنبي قوله % % فإن تفق الأنام وأنت منهم % % فإن المسك بعض دم الغزال % %

وابن الرومي أيضا حيث قال % % كم من أب قد علا بابن ذرا شرف % % كما علت برسول الله عدنان %

وحكى الشيخ أثير الدين عن شيخه أبي جعفر بن الزبير أنه كان يقول إن هذا العطف يسمى بالتجريد كأنه جرد من الجملة وأفرد بالذكر تفصيلا

وله شرطان ذكرهما ابن مالك أحدهما كون العف بالواو والثاني كون المعطوف ذا مزية وحكي قولين في العام المذكور هل يتناول الخاص المعطوف عليه أولا يتناوله فعلى القول الأول يكون هذا نظير مسألة نعم الرجل زيد على المشهور فيه وهو الظاهر من لفظ العام وعلى الثاني يكون عطف الخاص قرينه دالة على إرادة التخصيص في العام وأنه لم يتناوله وهو نظير بحث الاستثناء في نحو قولك قام القوم إلا زيدا من أن زيدا لم يدخل في القوم وقد يتقوى هذا بقوله % % ياحب ليلى لاتغير وازدد % % وانم كما ينمو الخضاب في اليد %

وإن كان هذا ليس من العطف العام

وقد اشار الزمخشري إلى القولين في سورة الشعراء في قوله في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم

وقد يقال آية الشعراء إنما جاز فيها الاحتمالان من جهة أن لفظ جنات وقع بلفظ التنكير ولم يعم الجنس وأما الآية السابقة فالاضافة تعم ولاينبغي أن يجعل من هذا قوله تعالى فيهما فاكهة ونخل ورمان اما على قول أبي حنيفة ومحمد فواضح لأنهما يقولان إن النخل والرمان ليسا بفاكهة وأما على قول أبي يوسف فقوله فاكهة مطلق وليس بعام

ومن أمثلته قوله تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى على القول بانها احدى الصلوات الخمس

قلنا إن المراد غيرها كالوتر والضحى والعيد فليس من هذا الباب

وقوله تعالى والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة مع أن التمسك بالكتاب يشمل كل عبادة ومنها الصلاة لكن خصها بالذكر إظهارا لمرتبتها لكونها عماد الدين

وقوله تعالى من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فان عداوة الله راجعه إلى عداوة حزبه فيكون جبريل كالمذكور اربع مرات فإنه اندرج تحت عموم ملائكته وتحت عموم رسله ثم عموم حزبه ثم خصوصه بالتنصيص عليه

ويجوز ان يكون عومل معاملة العدد فيكون الذكر ثلاثا وذكرهما بعد الملائكة مع كونهما من الجنس دليل على قصد التنويه بشرفهما على ان التفصيل

إن كان بسبب الإفراد فقد عدل للملائكة مثله بسبب الإضافة وقد يلحظ شرفهما على غيرهما

وأيضا فالخلاف السابق في أن ذكر بعض افراد العام بعد العام هل يدل على انه لم يدخل في العام فرارا من التكرار أو يدخل

وفائدته التوكيد وحكاه الروياني في البحر من كتاب الوصية وخرد عليه ما إذا اوصى رجل لزيد بدينار وبثلث ماله للفقراء وزيد فقير فهل يجمع له بين ما أوصى لديه وبين شيء من الثلث على ما أراد الوصي وجهان والأصح انه لايعطى غير الدينار لأنه بالتقدير قطع اجتهاد الوصي ز

قلت والقول بعدم دخوله تحت اللفظ هو قول أبي علي الفارسي وتلميذه ابن جني وعلى هذا القول فلا يحسن عد هذه الآية من هذا النوع

وأيضا فإذا اجتمع في الكلام معطوفان هل يجعل الآخر معطوفا على الأول أو على ما يليه وقع في كلام الزمخشري في مواضع من الكشاف تجويز اللأمرين

فذكر في قوله تعالى إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي أن مخرجا معطوف على فالق لا على يخرج فرارا من عطف الاسم على الفعل واخالفه ابن مالك وأوله

وذكر ايضا في قوله تعالى إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر

على هذه القراءة انه معطوف على الله لأن قضاءه قديم

وذكر ايضا في قوله تعالى الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء حاصله أن قوله يا أيها الناس إذا اريد به العموم كان قوله وخلق منها زوجها عطفا على مقدر أي انشأها واوجدها وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا يعني خلقكم من نفس هذه صفتها وإن اريد به المخاطبون بمكة كان قوله خلق عطفا على خلقكم وموجب ذلك الفرار من التكرار

وعلى هذا فيجوز ان يكون جبريل معطوفا على لفظ الجلالة فلا تكون الآية من هذا النوع ولو سلمنا بعطفه على رسله فكذلك لكن الظاهر أن المراد بالرسل من بني آدم لعطفهم على الملائكة فليسوا منه

وفي الآية سؤالان

أحدهما لم خص جبريل وميكائيل بالذكر الثاني لم قدم جبريل عليه والجواب عن الاول انه سبحانه وتعالى خصهما بالحياة فجبريل بالوحي الذي هو حياة القلوب وميكائيل بالرزق الذي هو حياة الأبدان ولانهما كانا سبب النزول في تصريح اليهود بعداوتهما

وعن الثاني أن حياة القلوب أعظم من حياة الأبدان ومن ثم قيل

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر