علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٩٥ من ١٩٤

الجزء ٢ — ص ٤٤٩–٤٥٨

وزيفة الاستاذ أبو جعفر بن الزبير وقال إنما يتم ذلك إذا كان الموصوف يفتقر إلى زيادة بيان فحينئذ يتقدم الإتباع ليستحكم العلم بالموصوف أما إذا كان معلوما فلا يفتقر إلى زيادة بيان قال والأصل فيما الصفة فيه مدح أو ذم والموصوف معلوم قطع الضمير وهو الآفصح ولا يشترط غير ذلك

وقد اورد على دعوى افصحيه القطع عند ذلك إجماع القراء السبعة على الإتباع في قوله تعالى الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين فضعفوا قراءة النصب على القطع مع حصول شرطي القطع

وأجاب ابن الزبير بأن اختيار القطع مطرد مالم تكن الصفة خاصة بمن جرت عليه لايليق ولا يتصف بها سواه ولا شك أن هذا الضرب قليل جدا فكذلك لم يفصح سيبويه باشتراطه فاذا كانت الصف ممن لايشارك فيها الموصوف غيره وكانت مختصة بمن جرت عليه فالوجه فيها الاتباع

ونظير ذلك في صفات الله سبحانه وتعالى مما يتصف به غيره فلذلك لم يقطع وعليه ورد السماع لهذه الايات الشريفة

وكذلك قوله تعالى حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لما كان وصفه تعالى ب غافر الذنب وما بعده لايليق بغيره لم يكن فيه إلا الإتباع والإتباع لا يكون غلا بعد القطع ويلزم افتباع في الكل

وهذا مع تكرر الصفات وذلك من مسوغات القطع على صفة ما وعند بعضهم من غير تقييد بصفة

وأما الإتباع فيما لم يقع فيه الاختصاص من صفته تعالى فكثير فهذا هو السماع وله وجه في القياس وهو شبيه بالوارد في سورة والنجم في قوله تعالى وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا ثم قال بعد وأنه هو أغنى وأقنى وأنه هو رب الشعرى فورد في هذه الجمل الاربع الفصل بالضمير المرفوع بين اسم إن وخبرها ليتحدد بمفهومه نفي الاتصاف عن غيره تعالى بهذه الأخبار وكان الكلام في قوة أن لو قيل وأنه هو لا غيره

ولم يرد هذا الضمير في قوله تعالى وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى لآن ذلك مما لايتعاطاه أحد لا حقيقة ولا مجازا ولا ادعاء بخلاف الإحياء والإمانة فيما حكاه الله تعالى عن نمروذ

قلت وما ذكره في الجواب يرد عليه قوله تعالى التائبون العابدون والآية وقوله تعالى أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات الايات

ومما يرد عليه بالنسبة لأوصاف الذم قوله ولا تطع كل حلاف مهين هماز الاية قد جرت كلها على ما قبلها بالإتباع ولم يجئ فيها القطع

وقرأ الحسن عتل بالرفع على الذم قال الزمخشري وهذه القراءة تقوية لما يدل عليه بعد ذلك

الثاني قد يلتبس المنصوب على المدح بالاختصاص وقد فرق سيبويه بينهما فيما بين

والفرق أن المنصوب على المدح ان يكون المتصب لفظا يتضمن نفسه مدحا نحو هذا زيد عاقل قومه وفي الاختصاص لايقتضي اللفظ ذلك كقوله تعالى رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت فيمن نصب أهل & العاشرة في وصف الجمع بالمفرد

يوصف الجمع بالمفرد قال تعالى ممن خلق الأرض والسماوات العلى فوصف الجمع بالمفرد

وقال تعالى ولله الأسماء الحسنى فوصف الآسماء وهي جمع اسم بالحسنى وهو مفرد تأنيث الأحسن

وكذلك قوله تعالى فما بال القرون الأولى فإن الأولى تأنيث الأول وهو صفة لمفرد

وإنما وصف الجمع بالمفرد لآن اللفظ المؤنث يجوز إطلاقه على جماعة المؤنث بخلاف لفظ المذكر وأما قوله تعالى وكنتم قوما بورا والبور الفاسد فقال الرماني هو بمعنى الجمع إلا أنه ترك جمعه في اللفظ لآنه مصدر وصف

وقد يوصف الجمع بالجمع ولا يوصف مفرد كل منهما بالمفرد ومنه فوجد فيها رجلين يقتتلان

فثنى الضمير ولا يقال في الواحد يقتتل

ومنه وأخر متشابهات و لا يقال وأخرى متشابهة & الحادية عشر قد تدخل الواو على الجملة الواقعة صفة تأكيدا

ذكره الزمخشري وجعل منه قوله تعالى وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم قال الجملة صفة لقرية والقياس عدم دخول الواو فيها كما في قوله تعالى وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف

وقد أنكره عليه ابن مالك والشيخ أبو حيان وغيرهما والقياس مع الزمخشري لأن الصفة كالحال في المعنى

وزعم بعضهم أنه لايؤتى بالواو في الصفات إلا إذا تكررت النعوت وليس كذلك ومنه قوله تعالى ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم وقوله تعالى آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين وتقول جاءني زيد والعالم

& الثانية عشرة الصفة لاتقوم مقام الموصوف إلا على استكراه

لأنها إنما يؤتى بها للبيان والتخصيص أو المدح والذم وهذا في موضع الإطاله لا الاختصار فصار من باب نقص الغرض

وقال ابن عمرون عندي أن البيان حصل بالصفة والموصوف معا فحذف الموصوف بنقص الغرض ولأنه ربما أوقع لبسا ألا ترى أن قولك مررت بطويل يحتمل أنه رجل أو قوس أو غير ذلك إلا إذا ظهر أمره ظهورا يستغنى به عن ذكره كقوله تعالى وعندهم قاصرات الطرف عين

قال السخاوي ولا فرق في صفة النكرة بين أن يذكر معها أولا

قال ابن عمرون وليس قوله بشيء & القسم الثالث البدل

والقصد به الإيضاح بعد الإبهام وهو يفيد البيان والتأكيد أما البيان فإنك إذا قلت رأيت زيدا أخاك بينت أنك تريد بزيد الآخ لاغير وأما التأكيد فلأنه

على نية تكرار العامل ألا ترى أنك إذا قلت ضربت زيدا جاز أن تكون ضربت رأسه أو يده أو جميع بدنه فإذا قلت يده فقد رفعت ذلك الإبهام فالبدل جار مجرى التأكيد الدلالة الأولى عليه أو المطابقة كما بدل الكل أو التضمن كما في بدل البعض أو الألتزام كما في بدل الاشمال فإذا قلت ضربت زيدا رأسه فكأنك قد ذكرت الرأس مرتين مرة بالتضمن وأخرى بالمطابقة وإذا قلت شربت ماء البحر بعضه فإنه مفهوم من قولك شربت ماء البحر أنك لم تشربه كله فجئت بالبعض تأكيدا

وهذا معنى قول سيبويه ولكنه بني الاسم تأكيدا وجرى مجرى الصفة في الإيضاح لأنك إذا قلت رأيت أبا عمرو زيدا ورأيت غلامك زيدا ومررت برجل صالح زيد فمن الناس من يعرفه بأنه غلامك أو بأنه رجل صالح ولا يعرف أنه زيد وعلى العكس فلما ذكرتهما أثبت باجتماعهما المقصود

وهذا معنى قول الزمخشري وإنما يذكر الآولى لتجوز التوطئة وليفاد بمجموعهما فضل تأكيد وتبيين لا يكون في الإفراد

وقال ابن السيد ليس كل بدل يقصد به رفع الإشكال الذي يعرض في المبدل منه بل من البدل ما يراد به التأكيد وإن كان ما قبله غنيا عنه كقوله تعالى وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله ألا ترى أنه لو لم يذكر الصراط الثاني لم يشك أجد أن الصراط المستقيم هو صراط الله وقد نص سيبويه على أن من البدل ما الغرض منه التأكيد ولهذا جوزوا بدل المضمر من المضمر كلقيته أباه انتهى

والفرق بينه وبين الصفة أن البدل في تقدير تكرار العامل وكأنه في التقدير من جملتين بدليل تكرر حرف الجر في قوله قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم وبدليل بدل النكرة من المعرفة والمظهر من المضمر وهذا مما يمتنع في الصفة فكما أعيدت اللام الجارة في الإسم فكذلك تكرار العامل الرافع أو الناصب في تقدير التكرار وهو إن كان كذلك فلا يخرج عن أن يكون فيه تبيين للأول كالصفة

وقيل لأبي علي كيف يكون البدل إيضاحا للمبدل منه وهو من غير جملته فقال لما لم يظهر العامل في البدل وإنما دل عليه العامل في المبدل منه وارسل البدل بالمبدل منه في اللفظ جاز أن يوضحه

ومن فوائد البدل التبيين على وجه المدح فقولك هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم فلان أبلغ من قولك فلان الآكرم والأفضل بذكره مجملا ثم مفصلا

وقال الأخفش والواحدي في بدل البعض من الكل نحو ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا يسمى هذا بدل البيان لأن الأول يدل على العموم ثم يؤتى بالبدل إن اريد البعض

واعلم أن في كلام البدلين أعني بدل البعض وبدل الاشتمال بيانا وتخصيصا للمبدل منه وفائدة البدل أن ذلك الشيء يصير مذكورا مرتين إحداهما بالعموم والثانية بالخصوص ومن أمثلته قوله تعالى اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين

آمنا برب العالمين رب موسى وهارون وقوله لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة وفائدة الجمع بينهما أن الاولى ذكرت للتخيص على ناصية والثانية على علة السفع ليشمل بذلك ظاهر كل ناصية هذه صفتها

ويجوز بدل المعرفة من المعرفة نحو الصراط المستقيم صراط الذين

وبدل النكرة من المعرفة نحو بالناصية ناصية كاذبة قال ابن يعيش ولا يحسن بدل النكرة من المعرفة حتى توصف كالآية لآن البيان مرتبط بهما جميعا والنكرة من النكرة كقوله تعالى إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا وكواعب أترابا وكأسا دهاقا فحدائق وما بعدها بدل من مفازا

ومنه قوله تعالى وغرابيب سود فان سود بدل من غرابيب لآن الآصل سود غرابيب فغرابيب في الآصل صفة لسود ونزع الضمير منها وأقيمت مقام الموصوف ثم ابدل منها الذي كا موصوفا بها كقوله تعالى ومن يبتغ غير الإسلام دينا وقوله وشروه بثمن بخس دراهم معدودة فهذا بدل نكرة موصوفة من أخرى موصوفة فيها بيان الاولى

ومثل أبدال النكرة المجردة من مثلها مجردة وبدل المعرفة من النكرة وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله لآن صراط الله مبين إلى الصراط

المستقيم فإن مجيء الخاص والاخص بعد العام والآعم كثير ولهذا المعنى قال الحذاق في قوله تعالى ما يلفظ من قول إنه لو عكس فقيل ما يقول من لفظ لم يجز لآن القول اخص من اللفظ لاختصاصه بالمستعمل واللفظ يشمل المهمل الذي لا معنى له

وقد بجيء للاشتمال والفرق بينه وبين بدل البعص أن البدل في البعض جر في الاشتمال وصفا كقوله وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره فإن أذكره بمعنى ذكره وهو بدل من الهاء في أنسانيه العائدة إلى الحوت وتقديره وماأنساني ذكره إلا الشيطان

وقوله يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ف قتال بدل من الشهر بدل الاشتمال لان الشهر يشتمل على القتال وعلى غيره كما كان زيد يشتمل على العقل وغيره وهو مؤكد لانهم لم يسالوا عن الشهر الحرام فانهم يعلمونه وإنما سألوا عن القتال فيه فجاء به تأكيدا

وقوله قتل أصحاب الأخدود النار فالنار بدل من الاخدود بدل اشتمال لآنه يشتمل على النار وغيرها والعائد محذوف تقديره الموقدة فيه

ومن بدل البعض قوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا فالمستطيعون بعض الناس لاكلهم

وقال ابن برهان بل هذه بدل كل من كل واحتج بأن الله لم يكلف الحج من لايستطيعه فيكون المراد بالناس بعضهم على حد قوله الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم

في انه لفظ عام اريد به خاص لان الناس في اللفظ الاول لو كان المراد به الاستغراق لما انتظم قوله بعده إن الناس فعلى هذا هو عنده مطابق لعدة المستطيعين في كميتهم وهم بعض الناس لاجميعهم

والصحيح ما صار عليه الجمهور لان باب البدل ان يكون في الثاني بيان ليس في الآول بأن يذكر الخاص بعد العام مبينا وموضحا

ولا بد في ابدال البعض من ضمير كقوله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ويجعل الخبيث بعضه على بعض

وقد يحذف لدليل كقوله ولله على الناس حج البيت من استطاع منهم وهو مراد بدليل ظهوره في الآية الأخرى وهي قوله وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم ف من آمن بدل من أهله وهم بعضهم

وقد يأتي البدل لنقل الحكم عن مبدله نحو جاء القوم أكثرهم واعجبني زيد ثوبه وقال ابن عصفور ولا يصح غلمانه

وعدل عن البدل في قوله تعالى إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون لانه اريد الإخبار عنهم كلهم في الحال الثاني وهو ولو أنهم صبروا فلو أبدل لأوهم بخلاف انك ان تقوم خير لك البدل ارجح

والبدل في تقدير تكرير العامل وليس كالصفة ولكنه في تقدير جملتين بدليل تكرير حرف الجر

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر