علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٩٤ من ١٩٤

الجزء ٢ — ص ٤٣٩–٤٤٨

فان قيل كيف يحمل القرآن عليه وانما هو الشعر

قيل إنا وجدنا في القرآن اشياء جاءت على الاصول المرفوضة كالستحوذ ونظائرها

الثالث ان المراد فان كانتا اثنتين فصاعدا فعبر بالأدنى عنه وعما فوقه قال ابن الضائع النحوي

قلت ونظائرها قوله تعالى فإن لم يكونا رجلين فإن الرجولية المثناة فهمت من الضمير بدليل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فاالظاهر ان قوله رجلين حال لاخبر فكأنا لمعنى فإن لم يوجدا حال كونهما رجلين ومثله قوله تعالى إني وضعتها أنثى فان الانوثة فهمت من قوله وضعتها

وأورد بعضهم السؤال في الاول فقال الضمير في يكونا للرجلينن لأن شهيدين قيدا بانهما من الرجال فكأن الكلام فان لم يكن الرجلان رجلين وهذا محال

واجاب بعضهم بما اجاب به الاخفش في آية المواريث ان الخبر هنا افاد العدد المجرد عن الصفة

وهذا ضعيف اذ وضع فيه الرجلين موضع الاثنين وهو تجوز بعيد والذي ذكره الفارسي المجرد منهما الرجولية أو الانوثية أو غيرها من الصفات فكيف يكون لفظ موضوع لصفة ما دالا على نفيها

على ان في جواب الفارسي هناك نظرا فإنه لم يرد على أن جعل نفس السؤال جوابا كأنه قيل مل ذكر العدد وهو متضمن للضمير فقال لانه يفيد العدد المجرد فلم يزد الالفاظ تجردا

قال واما من أجاب بأن رجلين منصوب على الحال المبينة وكان تامه فهو اظرف من الاول فانه سئل عن وجه النظم واسلوب البلاغة ونفي مالا يليق بها من الحشو فاجاب بالإعراب ولم يجب عن السؤال بشيء والذي يرد عليه وهو خبر يرد عليه وهو حال وما زادنا الا التكلف في جعله حالا

والذي يظهر في جواب السؤال هو ان شهيدين لما صح ان يطلق على المرأتين بمعنى شخصين شهيدين لما صح ان يطلق على المرأتين بمعنى شخصين شهيدين قيده بقوله تعالى من رجالكم ثم اعاد الضمير في قوله تعالى فإن لم يكونا على الشهيدين المطلقين وكان عودة عليهما ابلغ ليكون نفي الصفة عنهما كما كان إثباتها لهما فيكون الشرط موجبا ونفيا على الشاهدين المطلقين لان قوله من رجالكم كالشرط كانه قال إن كانا رجلين وفي النظم على هذا الاسلوب من الارتباط وجرى الكلام على نسق واحد مالا خفاء به وأما في آية المواريث فالظاهر ان الضمير وضع موضع الظاهر اختصارا لبيان المعنى بدليل انه لم يتقدمه ما يدل عليه لفظا فكأنه قال فإن كان الوارث اثنين ثم وضع ضمير الاثنين موضع الوارث الذي هو جنس لما كان المراد به منه الاثنان وايضا فان الاخبار عن الوارث وان كان جمعا باثنين ففيه تفاوت ما لكونه مفرد اللفظ فكان الاليق بحسن النظم وضع المضمر موضع الظاهر ثم يجري الخبر على من حدث عنه وهو الوارث فيجري الكلام في طريقه مع الايجاز في وضع المضمر الظاهر والسلامة من تفاوت اللفظ في الاخبار عن لفظ معرد بمثنى

ونظير هذا مما وقع فيه اسم موضع غيره ايجازا ثم جرى الكلام مجراه في الحديث عمن هو له وان لم يذكر قوله تعالى وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون فعاد هذا الضمير والخبر على اهل القرية الذين اقيمت القرية في الذكر مقامهم فجرى الكلام مجراه مع حصول الايجاز في وضع القرية موضع اهلها وفهم المعنى بغير كلفة وهذه الغاية في البيان يقصد عن مداها الانسان

ومنها قوله تعالى فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة قال ابن عمرون لما فهم منها التأكيد ظن بعضهم انها ليست بصفة وليس بجيد لانها دلالة على بعض احوال الذات وليس في واحد دلالة على نفخ فدل على انها ليست تأكيدا

وفي فائدة واحدة خمسة اقوال

احدها التوكيد مثل قولهم أمس الدابر

الثاني وصفها ليصح ان تقوم مقام الفاعل لانها مصدر والمصدر لايقوم مقام الفاعل الا اذا وصف ورد بان تحديدها بتاء التأنيث مصحح لقيامها مقام الفاعل

الثالث أن الوحدة لم تعلم من نفخة الا ضمنا وتبعا لان قولك نفخة بفهم منه امران النفخ والوحدة فليست نفخة موضوعة للوحدة فلذلك صح وصفها

الرابع وصفه النفخة بواحدة لأجل نفي توهم الكثرة كقوله تعالى وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها فاالنعمة في اللفظ واحدة وقد علق عدم الاحصاء بعدها

الخامس اتى بالوحدة ليدل على ان النفخة لا اختلاف في حقيقتها فهي واحدة بالنوع كقوله وما أمرنا إلا واحدة أي لا اختلاف في حقيقته

ومنها قوله تعالى وإلهكم إله واحد قيل ما فائدة إله وهلا جاء وإلهكم واحد وهو أوجز قيل لو قال وإلهكم واحد لكان ظاهره إخبارا عن كونه واحدا في إلهيته يعني لا إله غيره ولم يكن إخبارا عن توحده في ذاته بخلاف ما إذا كرر ذكر الإله والاية إنما سيقت لإثبات أحديته في ذاته ونفي ما يقوله النصارى انه اله واحد والأقانيم ثلاثة أي الأصول كما أن زيدا واحدا وأعضاؤه متعدده فلما قال إله واحد دل على أحدية الذات والصفة

ويقائل ان يقول قوله واحد يحتمل الأحدية في الذات والأحدية في الصفات سواء ذكر إلا له أولا فلا يتم الجواب

ومنها قوله ومناة الثالثة الأخرى ومعلوم بقوله الثالثة أنها الأخرى وفائدته التأكيد ومثله على رأي الفارسي وأنه أهلك عادا الأولى

وأما قوله فخر عليهم السقف من فوقهم قيل بمعنى عن أي خر عن كفرهم بالله كما تقول اشتكى فلان عن دواء شربه أي من أجل كفرهم أو بمعنى اللام أي فخر لهم وقيل لأن العرب لاتستعمل لفظه على في مثل هذا الموضع الا في الشر والأمر المكروه تقول خربت على فلان ضيعته كقوله واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان

ويقولون على الله الكذب أتقولون على الله ما لا تعلمون وقيل لانه يقال سقط عليه موضع كذا إذا كان يملكه وإن لم يكن من فوقه بل تحته فدل قوله تعالى من فوقهم على الفوقية الحقيقية وما أحسن هذه المقابلة بالفوقية بما تقدم من قوله فأتى الله بنيانهم من القواعد كما تقول اخذ برجله فسقط على رأسه & السادسة إذا اجتمع مختلفان في الصراحة والتأويل

إذا اجتمع مختلفان في الصراحة والتأويل قدم الاسم المفرد ثم الظرف أو عديله ثم الجملة كقوله تعالى اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين فقوله وجيها حال وكذلك من المقربين وقوله ويكلم وقوله من الصالحين فهذه اربعة احوال انتصبت عن قوله كلمة والحال الأولى جيء بها على الأصل اسما صريحا والثانية في تأويله جار ومجرور وجيء بها هكذا لوقوعها فاصلة في الكلام ولو جيء بها اسما صريحا لناسبت الفواصل والثالثة جملة فعلية والرابعة جار ومجرور

ومنه قوله تعالى وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما

ولما كان الظرف فيه شبه من المفرد وشبه من الجملة جعل بينهما

وقد أوجب ابن عصفور وليس كما قال فقد قال تعالى فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين ولا يقال إن أذلة بدل لأنه مشتق والبدل إنما يكون في الجوامد كما نص عليه هو وغيره

وأما قوله تعالى وهذا كتاب أنزلناه مبارك فقيل إنه من تقديم الجملة على المفرد ويحتمل أن يكون مبارك خبرا لمحذوف فلا يكون من هذا الباب & السابعة في اجتماع التابع والمتبوع

في اجتماع التابع والمتبوع انهم يقدمون المتبوع فيقولون أبيض ناصع وأصفر فاقع وأحمر قان و أسود غربيب قال الله تعالى صفراء فاقع لونها والمعنى ان التبع فيه زيادة الوصف فلو قدم لكان ذكر الموضوف بعده عيبا إلا أن يكون لمعنى أوجب تقديمه

وقد أشكل على هذه القاعدة قوله تعالى وغرابيب سود وهي من الآيات التي صدئت فيها الآذهان الصقيله وعادت بها أسنة الألسنة مفلولة ومن جملة العجائب أن شيخا أراد أن يحتج على مدرس لما ذكر له هذا السؤال فقال إنما ذكر السواد لانه قد يكون في الغربان مافيه بياض وقد رأيته ببلاد المشرق فلم يفهم من الآية إلا أن الغرابيب هو الغراب ولا قوة إلا بالله

والذي يظهر في ذلك أن الموجب لتقديم غرابيب هو تناسب الكلم وجريانها على نمط متساوي التركيب وذلك انه لما تقدم البيض والحمر دون إتباع كان الآليق بحسن النسق وترتيب النظام أني يكون السود كذلك ولكنه لما كان في السود هنا زيادة الوصف كان الأليق في المعنى أن يتبع بما يقتضي ذلك وهو الغرابيب فيقابل حظ اللفظ وحظ المعنى فوفى الخطاب وكمل الغرضان جميعا ولم يطرح أحدهما الآخر فيقع النقص من جهة الطرح وذلك بتقديم الغرابيب على السود فوقع في لفظ الغرابيب حظ المعنى في زيادة الوصف وفي ذكر السود مفردا من الإتباع حظ اللفظ إذا جاء مجردا عن صورة البيض والحمر فاتسقت الألفاظ كما ينبغي وتم المعنى كما يجب ولم يخل بواحدة من الوجهين ولم يقتصر على الغرابيب وإن كانت متضمنه لمعنى السود لئلا تتنافر الآلفاظ فان ضم الغربيب إلى البيض والحمر ولزها في قرن واحد * كابن اللبون إذا مالز في قرن * غير مناسب لتلاؤم الألفاظ وتشاكلها وبذكر السود وقع الالتئام واتسق نسق النظام وجاء اللفظ والمعنى في درجة التمام وهذا لعمر الله من العجائب التي تكل دونها العقول وتعيا بها الآلسن لا تدري ما تقول والحمد لله

ثم رأيت أبا القاسم السهيلي أشار إلى معنى غريب فنقل عن أبي حنيفة الدينوري أن الغربيب اسم لنوع من العنب وليس بنعت قال ومن هذا يفهم معنى الآية وسود عندي بدل لا نعت وإن كان الغربيب اذا اطلق لفظه ولم يقيد بذكر شيء موصوف قلما يفهم منه العنب الذي هو اسمه خاصة فمن ثم حسن التقييد & الثامنة عند تكرار النعوت لواحد

إذا تكررت النعوت لواحدة فتارة يترك العطف كقوله ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم وتارة تشترك بالعطف كقوله سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى ويشترط في ذلك اختلاف معانيها قال الزمخشري وأبو البقاء دخول العاطف يؤذن بأن كل صفة مستقله

والعطف أحسن إن تباعد معنى الصفات نحو هو الأول والآخر والظاهر والباطن وإلا فلا & التاسعة فصل الجمل في مقام المدح والذم أبلغ من جعلها نمط واحدا

قال أبو على الفارسي إذا ذكرت صفات في معرض المدح والذم فالاحسن أن يخالف في إعرابها لآن المقام يقتضي الإطناب فإذا خولف في الإعراب كان المقصزد أكمل لآن المعاني عند الاختلاف تتنوع وتتفتن وعند الإيجاز تكون نوعا واحدا

ومثله في المدح قوله والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة فانتصب والمقيمين على القطع وهو من صفة المرفوع الذي هو المؤمنون وقيل بل انتصب بالعطف على قوله بما أنزل إليك وهو مجرور وكأنه قال يؤمنون بالذي أنزل إليك وبالمقيمين أي بإجابة المقيمين والاول أولى لآن الموضع للتفخيم فالاليق به إضمار الفعل حتى يكون الكلام جملة لا مفردا

ومثله قوله تعالى ولكن البر من آمن بالله إلى قوله والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين نص عليه سيبويه

وجوز السيرافي أن يحمل على قوله وآتى المال على حبه ذوي القربى إلى ان قال والصابرين ورده الصفار بأنه لايعطف على الموصول قبل تمام الصلة وإن كان والصابرين معطوفا على والسائلين فهو من صلة من فكذلك المعطوف عليه

والصواب أن يكون المعطوف من صلة من وتكون الصلة كملت

عند قوله تعالى وآتى الزكاة ثم أخذ في القطع

ومثاله في الذم وامرأته حمالة الحطب بنصب حمالة & تنبيهان

الآول إنما يحسن القطع بشرطين احدهما أن يكون الموصوف معلوما أو منزلا منزلة المخاطب لا يتصور عنده البناء على مجهول وقولنا أومنزلا منزلة المعلوم لابد منه

وقال الزمخشري في قوله تعالى الذي له ملك السماوات والأرض رفع على الابدال من الذي نزل أو رفع على المدح أو نصب عليه

ال الطيبي والإبدال اولى لان من حق صلة الموصول أن تكون معلومة عند المخاطب وكونه تعالى نزل الفرقان على عبده لم يكن معلوما للعالمين فأبدل بقوله له ملك السماوات والأرض بيانا وتفسيرا وتبين لك المدح

وجوابه ما ذكرنا أن المنزل بمنزلة المعلوم منزلة المعلوم وها هنا لقوة دليله أجرى مجرى المعلوم وجعلت صلة نص عليه سيبويه والجمهور

وثانيهما أن يكون الصفة للثناء والتعظيم

واشرط بعضهم ثالثا وهو تقدم الإتباع حكاه ابن بابشاذ

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر