الجزء ٢ — ص ٤٢٩–٤٣٨
ثم ذكر تعالى أن أبصارهم الظاهرة لم تعم عن النظر والرؤية وان عميت قلوبهم التي في صدورهم وقيل لما كانت العين قد يعني بها القلب في نحو قوله تعالى الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري جاز ان يعنى بالقلب العين فقيد القلوب بذكر محلها رفعا لتوهم ارادة غيرها
وقيل ذكر محل العمى الحقيقي الذي هو اولى باسم العمى من عمى البصر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ليس الشديد بالصرعة انما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب أي هذا اولى بان يكون شديدا منه فعمى القلب هو الحقيقي لا عمى البصر فاعمى القلب اولى ان يكون اعمى من اعمى العين فنبه بقوله التي في الصدور على ان العمى الباطن في العضو الذي عليه الصدر لا العمى الظاهر في العين التي محلها الوجه $ فوائد تتعلق بالصفة الاولى & الصفة العامة لا تاتي بعد الصفة الخاصة
اعلم ان الصفة العامة لاتاتي بعد الصفة الخاصة لا تقول هذا رجل فصيح متكلم لأن المتكلم اعم من الفصيح إذ كل فصيح متكلم ولا عكس
واذا تقرر هذا اشكل قوله تعالى واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا
اذ لايجوز ان يكون نبيا صفة لرسول لان الني اعم من الرسول اذ كل رسول من الآدميين نبي ولا عكس
والجواب ان يقال انه حال من الضمير في رسولا والعامل في الحال مافي رسول من معنى يرسل أي كان اسماعيل مرسلا في حال نبوته وهي حال مؤكده كقوله وهو الحق مصدقا & الثانية تاتي الصفة لازمة لا للتقييد
كقوله تعالى ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به قال الزمخشري هو كقوله وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وهي صفة لازمة نحو قوله يطير بجناحيه جيء بها للتوكيد لا ان يكون في الالهة ما يجوز ان يقوم عليه برهان ويجوز ان يكون اعتراضا بين الشرط والجزاء كقولك من احسن إلى زيد لا احق بالاحسان منه فالله مثيبه
وقال الماتريدي هذا لبيان خاصة الاشراك بالله الا تقوم على صحته حجة لا بيان انه نوعان كما في قوله ولا طائر يطير بجناحيه هو بيان خاصة الطيران لا انه نوعان
وقوله سفها بغير علم والسفه لايكون الا عن جهل وقيل بغير علم بمقدار قبحه
وقوله ويقتلون النبيين بغير الحق ولا يكون قتلهم الا كذلك لان معناه بغير الحق في اعتقادهم لان التصريح بصفة فعلهم القبيح ابلغ في ذمهم وان كانت تلك الصفة لازمه للفعل كما في عكسه قال رب احكم بالحق لزيادة معنى في التصريح بالصفة
وقال بعضهم ولان قتل النبي قد يكون بحق كقتل إبراهيم عليه السلام ولده ولو وجد لكان بحق وقال الزمخشري انما قيده لانهم لم يقتلوا ولم يفسروا في الأرض والا استوجبوا القتل بسبب كونه شبهة 3 وانما نصحوهم ودعوهم الا ما ينفعهم فقتلوهم ولو انصفوا من انفسهم لم يذكروا وجها يوجب عندهم القتل
وكقوله تعالى فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج مع ان ذلك منهى عنه في غير الحج ايضا لكن خصص بالذكر هنا لتاكيد الامر وخطره في الحج وانه لو قدر جواز مثل ذلك في غير الحج لم يجز في الحج كيف وهو لايجوز مطلقا
وقوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله ولم يذكر مثل ذلك في قوله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل لان الرياء يقع في الحج كثيرا فاعتنى فيه بالامر بالاخلاص
وقوله تعالى ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله واتباع الهوى لايكون الا كذلك
وقيل بل يكون الهوى في الحق فلا يكون من هذا النوع
وقوله تعالى ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون فان حكمه تعالى حسن لمن يوقن ولمن لايوقن لكن لما كان القصد ظهور حسنة والاطلاع عليه وصفة بذلك لان المؤمن هو الذي يطلع على ذلك دون الجاهل 3 وقوله تعالى فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم والكتابة لاتكون الا باليد ففائدته مباشرتهم ذلك التحريف بانفسهم وذلك زيادة في تقبيح فعلهم فانه يقال كتب فلان كذا وان لم يباشره بل امر به كما في قول علي كتب النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية & الثالثة قد تاتي الصفة بلفظ والمراد غيره
كقوله تعالى صفراء فاقع لونها قيل المراد سوداء ناصع وقيل بل على بابها ومنه قوله تعالى كأنه جمالة صفر قيل كانه اينق سود وسمي الاسود من الابل اصفر لانه سواد تعلوه صفرة & الرابعة قد تجيء للتنبيه على التعميم
كقوله تعالى كلوا من ثمره إذا أثمر مع ان المعلوم انما يؤكل اذا اثمر
فقيل فائدته نفي توهم توقف الاباحة على الادارك والنضج بدلالته على الاباحه من اول اخراج الثمرة
وقوله تعالى ومن شر حاسد إذا حسد
وقوله ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن فان غير مال اليتيم كذلك لكن انما خصه بالذكر لان الطمع فيه اكثر نعجزه وقلة الناصر له بخلاف ما البالغ أو لان التخصيص بمجموع الحكمين وهما النهي عن قربانه بغير الاحسن
وقوله وإذا قلتم فاعدلوا مع ان الفعل كذلك وقصد به ليعلم وجوب العدل في الفعل من باب اولى كقوله فلا تقل لهما أف & الخامسة قد يحتمل اللفظ كثيرا من الاسباب السابقة وله امثله منها قوله تعالى وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فان ابن مالك وغيره من النحويين جعلوه نعتا قصد به مجرد التأكيد
ولقائل ان يقول ان الهين مثنى والاثنان للتثنية فما فائدة الصفة وفيه وجوه احدهما قاله ابن الخباز ان فائدتها توكيد نهي الاشراك بالله سبحانه وذلك
لآن العبرة في النهي عن اتخاذ الالهين انما هو لمحض كونهما اثنين فقط ولو وصف الهين بغير ذلك من الصفات كقوله لاتتخذوا الهين عاجزين لاشعر بان القادرين يجوز ان يتخذا فمعنى التثنيه شامل لجميع الصفات فسبحان من دقت حكمته في كل شيء
ونظير هذا ما قال الاخفش في قوله فإن كانتا اثنتين
الثاني ان الوحدة تطلق ويراد بها النوعية ومنه قوله صلى الله عليه وسلم انما نحن وبنو عبد المطلب شيء واحد وتطلق ويراد بها العدد نحو انما زيد رجل واحد فالتثنية باعتبارها فلو قيل لا تتخذوا إلهين فقط لصح في موضوعه أن يكون نهيا عن اتخاذ جنسين آلهة وجاز ان يتخذ من نوع واحد اعداد آلهة لانه يطلق عليهم انهم واحد لاسيما وقد يتخيل ان الجنس الواحد لاتتضاد مطلوباته فيصح فلما قال اثنين بين فيه قبح التعديد للإله وانه منزه عن العددية وقد اومأ اليه الزمخشري بقوله الا ترى انك لو قلت انما هو اله ولم تصفه بواحد لم يحسن وقيل لك انك نفيت الالهية لا الوحدانية
الثالث انه لما كان النهي واقعا على التعدد والاثنينية دون الواحد اتى بلفظ الاثنين لان قولك لاتتخذ ثوبين يحتمل النهي عنهما جميعا ويحتمل النهي عن الاقتصار عليهما فاذا قلت ثوبين اثنين علم المخاطب انك نهيته عن التعدد والاثنينية دون الواحد وانك انما اردت منه الاقتصار على ثوب واحد فتوجه النفي إلى نفس التعدد العدد
فانى باللفظ الموضوع له الدال عليه فكانه قال لاتعدد الآلهه ولا تتخذ عددا تعبده انما هو اله واحد
الرابع ان اتخذ هي التي تتعدى إلى مفعولين ويكون اثنين مفعولهما الاول و إلهين مفعولهما الثاني واصل الكلام لاتتخذوا اثنين الهين ثم قدم المفعول الثاني على الاول ويدل على التقديم والتاخير ان الهين اخص من اثنين واتخاذ اثنين يقع على مايجوز وعلى مالا يجوز واما اتخاذ اثنين الهين فلا يقع الا على مايجوز وقدم الهين على اثنين اذ المقصود بالنهي اتخاذهما الهين فالنهي وقع على معنيين الآلهة المتخذه وعلى هذا فلا بد من ذكر الاثنين والالهين اذهما مفعولا لاتخاذ
قال صاحب البسيط وهذا الوجه هو الجيد ليخرج بذلك على التأكيد واما اذا جعل إلهين مفعول تخذوا واثنين صفة فانه ايضا لايخرج عن الوصف إلى التأكيد لانه لايستفاد من اثنين ما استفيد من الهين لان الاول يدل على العدد والجنس والثاني على مجرد الاثنينية
قال وهذا الحكم في قوله تعالى من كل زوجين اثنين في دخول اثنين في حد الوصف الا ان من قرا بتنوين كل فانه حذف المضاف اليه وجعل التنوين عوضا عنه و زوجين مفعول احمل أو فاسلك واثنين نعت ومن يحتمل انه متعلق بفعل الامر ويحتمل ان يتعلق بمحذوف لكونه حالا من نكرة تقدم عليها والتقدير احمل أو اسلك فيها زوجين اثنين من كل صنف ومن قرأ باضافة كل احتمل وجهين احدهما ان تجعل اثنين المفعول والجار والمجرور متعلق
بفعل الأمر المحذوف كما تقدم والثاني جعل من زائدة على راي الأخفش وكل هي المفعول واثنين صفة
الخامس انه بدل وينوي بالأول الطرح واختاره النيلي في شرح الحاجبية قال لما فيه من حسم مادة التأويل ونظير السؤال في الاية قوله تعالى فإن كانتا اثنتين فان مروان بن سعد المهلبي سأل أبا الحسن الاخفش فقال ما الفائدة في هذا الخبر اراد مروان ان لفظ كانتا تفيد التثنية فما فائدة تفسيره الضمير المسمى باثنتين مع انه لايجوز فان كانتا ثلاثا ولا فوق ذلك فلم يفصل الخبر الاسم في شئ فاجاب أبو الحسن بانه افاد العدد المحض مجردا عن الصفة أي قد كان يجوز ان يقال فان كانتا صغيرتين فلهما كذا أو كبيرتين فلهما كذا أو صالحتين أو غير ذلك من الصفات فلما قال اثنتين افهم ان فرض الثلثين للاختين تعلق بمجرد كونهما انثنتين فقط على أي صفة وهي فائدة لاتحصل من ضمير المثنى ومعناه انهم كانوا في الجاهلية يورثون البنين دون البنات وكانوا يقولون لا نورث الا من يحمل الكل وينكئ العدو فلما جاء الاسلام بتوريث البنات اعلمت الاية ان العبرة في أحد الثلثين من الميراث منوط بوجود اثنتين من الاخوات من غير اعتبار امر زائد على العدد
قال الحريري والعمري لقد ابذع مروان في استنباطه وسؤاله واحسن أبو الحسن في كشف اشكاله
ولقد نقل ابن الحاجب في اماليه هذا الجواب عن أبي علي الفارسي وقد بينا
أنه من كلام الأخفش ثم اعترض عليه بأن اللفظ وإن كان صالحا لإطلاقه على المثنى مجردا عن الصفات لا يصح إطلاقه خبرا دالا على التجريد من الصفات وإنما يعنى باللفظ ذاته الموضوعة له ألا ترى أنك إذا قلت جاءني رجل لا يفهم إلا ذات من غير أن يدل على تجريد عن مرض أو جنون أو عقل فكذلك اثنتين لا تدل إلا على مسمى اثنتين فقط فلم يستفد منه شيء زائد على المستفاد من ضمير التثنية ثم لو سلم صحة إطلاق اللفظ كذلك فلا يصح هاهنا إذ لو صح لجاز أن يقال فإن كانتا على أي صفة حصل ولو قيل ذلك لم يصح لأن تثنية الضمير في كانتا عائد على الكلالة والكلالة تكون واحدا وإثنين وجماعة فإذا أخبر باثنتين حصلت به فائدة
ثم لما كان الضمير الذي في كانتا العائد على الكلالة هو في معنى اثنين صح أن تثنية لأن تثنيته فرع عن الإخبار باثنين إذ لولاه لم يصح أنه لم تستفد التثنية إلا من إثنين
وقد أورد على ذلك اعتراض آخر وهو ان هذه الآية مماثلة لقوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم ثم قال فإن كن نساء وإن كانت واحدة ولو كان على ما ذكرتم لوجب أن يصح إطلاق الأولاد على الواحد كما في الكلالة وإلا لكان الضمير لغير مذكور
والجواب بشيء يشمل الجميع وهو ان الضمير قد يعود على الشيء باعتبار المعنى الذي سيق إليه ونسب إلى صاحبه فإذا قلت إذا جاءك رجال فإن كان واحدا فافعل به كذا وإن كان اثنين فكذا صح إعادة الضمير باعتبار المعنيين لأن المقصود الجائي وكأنك قلت وإن كان الجائي من الرجال لأنه علم من قولك إذا جاءك والآية سيقت لبيان
الوارثين الأولاد فكانه قيل فإن كان الوارث من الاولاد لأنه المعنى الذي سيق له الكلام فقد دخلت الاثنان باعتبار هذا المعنى
ويجوز أن تبقى الآية الأولى على ما ذكرنا ويختص هذا الجواب بهذه
قلت وفي هذه الآية ثلاثة أجوبة أخر
أحدها أنه كلام محمول على المعنى أي فإن كان من ترك اثنتين وهذا مفيد فاضمره على ما بعد و من يسوغ معها ذكر الاثنين لأنه لفظ مفرد يعبر به عن الواحد والاثنين والجمع فإذا وقع الضمير موقع من جرى مجراها في جواز الإخبار عنها بالإثنين
الثاني ان يكون من الاشياء التي جاءت على اصولها المرفوضة كقوله تعالى استحوذ عليهم الشيطان وذلك ان حكم الاعداد فيما دون العشرة ان تضاف إلى المعدود كثلاثة رجال واربعة ابواب فكان القياس ان يقول اثنين رجل وواحد رجل ولكنهم رفضوا ذلك لانك تجد لفظه تجمع العدد والمعدود فتغنيك عن اضافة احدهما إلى الاخر وهو قولك رجلان ورجل وليس كذلك ما فوق الاثنتين الا ترى انك اذا قلت ثلاثة لم يعلم المعدود ما هو واذا قلت رجال لم يعلم عددهم ما هو فانت مضطر إلى ذكر العدد والمعدود فلذلك قيل كان الرجال ثلاثة ولم يقل كان الرجال ثلاثة ولم يقل كان الرجلان اثنتين ولا الرجلان كانا اثنين فاذا استعمل شيء من ذلك كان استعمالا للشيء المرفوض كقوله * ظرف عجوز فيه إثنتا حنظل *
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر