علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٩٢ من ١٩٤

الجزء ٢ — ص ٤١٩–٤٢٨

ونحوه سيجعل لهم الرحمن ودا ولسوف يعطيك ربك فترضى سوف يؤتيهم أجورهم لكن قال في قوله تعالى ولسوف يعطيك ربك فترضى معنى الجمع بين حرفي التاكيد والتاخير ان العطاء كائن لا محالة وان تاخر

وقد اعترض عليه بان وجود الرحمة مستفاد من الفعل لا من السين وبان الوجوب المشار اليه بقوله لا محالة لا اشعار للسين به

واجيب بوجهين

احدهما ان السين موضوعه للدلالة على الوقوع مع التاخر فاذا كان المقام ليس مقام تأخير لكونه بشارة تمحضت لافادة الوقوع وتحقيق الوقوع يصل إلى درجة الوجوب وفيه نظر لان ذلك يستفاد من المقام لا من السين

والثاني ان السين يحصل بها ترتيب الفائدة لانها تفيد امرين الوعيد والاحبار بطرقة وانه متراخ فهو كالإخبار بالشيء مرتين ولا شك ان الاخبار بالشيء وتعيين طرقه مؤذن بتحققه عند المخبر به

ثالثا النون الشديدة وهي بمنزلة ذكر الفعل ثلاث مرات وبالخفيفة فهي بمنزلة ذكره مرتين

قيل وهذان النونان لتأكيد الفعل في مقابلة تأكيد الاسم بان واللام ولم يقع

في القرآن التأكيد بالخفيفة الا في موضعين وليكونن من الصاغرين وقوله تعالى لنسفعا بالناصية

ولما لم يتجاوز الثلاثة في تأكيد الاسماء فكذلك لم يتجاوزها في تأكيد الافعال قال تعالى فمهل الكافرين أمهلهم رويدا لم يزد على ثلاثة مهل وامهل ورويدا كلها بمعنى واحد وهن فعلان واسم فعل

رابعا لن لتأكيد النفي كان في تأكيد الاثبات فتقول لا ابرح فاذا اردت تاكيد النفي قلت لن ابرح

قال سيبويه هي جواب لمن قال سيفعل يعني والسين للتأكيد فجوابها كذلك وقال الزمخشري لن تدل على استغراق النفي في الزمن المستقبل بخلاف لا وكذا قال في المفصل لن لتأكيد ما تعطيه لا من نفي المستقبل بخلاف لالا وكذا قال في المفصل لن لتأكيد ما تعطيه لا من نفي المستقبل وبني على ذلك مذهب الاعتزال في قوله تعالى لن تراني قال هو دليل عن نفي الرؤية في الدنيا والاخرة وهذا الاستدلال حكاه امام الحرمين في الشامل عن المعتزلة ورد عليهم بقوله تعالى لليهود فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدا ثم اخبر عن عامة الكفرة انهم يتمنون الآخرة فيقولون يا ليتها كانت القاضية يعني الموت

ومنهم من قال لاتنفي الأبد ولكن إلى وقت بخلاف قول المعتزلة وان النفي بلا اطول من النفي بلن لان آخرها الف وهو حرف يطول فيه النفس فناسب طول المدة بخلاف لن

ولذلك قال تعالى لن تراني وهو مخصص بدار الدنيا

وقال لا تدركه الأبصار وهو مستغرق لجميع ازمنة الدنيا والآخرة وعلل بان الألفاظ تشاكل المعاني ولذلك اختصت لابزيادة مدة

وهذا الطف من راى المعتزلة ولهذا اشار ابن الزملكاني في التبيان بقوله لاتنفى ما بعد ولن تنفى ما قرب وبحسن المذهبين اولوا الآيتين قوله تعالى ولن يتمنوه أبدا ولا يتمنونه أبدا

ووجه القول الثاني ان ولا يتمنونه جاء بعد الشرط في قوله تعالى إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت وحرف الشرط يعم كل الازمنة فقو بل بلا ليعمم ماهو جواب له أي زعموا ذلك في وقت ما قيل لهم تمنوا الموت وأما ولن يتمنوه فجاء بعد قوله قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة أي ان كانت لكم الدار الاخرة فتمنوا الموت الان استعجالا للسكون في دار الكرامة التي اعدها الله لأوليائه وأحبائه وعلى وفق هذا القول جاء قوله لن تراني

قلت والحق ان لا ولن لمجرد النفي عن الافعال المستقبله والتأبيد وعدمه يؤخذان من دليل خارج ومن احتج على التأبيد بقوله فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا وبقوله لن يخلقوا ذبابا عورض بقوله فلن أكلم اليوم إنسيا ولو كانت للتأبيد لم يقيد منفيها باليوم وبقوله ولن يتمنوه أبدا ولو كانت

للتأبيد لكان ذكر الابد تكريرا والأصل عدمه وبقوله لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى لايقال هي مقيدة فلم تفد التابيد والكلام عند الاطلاق لان الخصم يدعى انها موضوعه لذلك فلم تستعمل في غيره وقد استعملت لا للاستغراق الابدي في قوله تعالى لا يقضى عليهم فيموتوا وقوله لا تأخذه سنة ولا نوم ولايئوده حفظهما وقوله ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وغيره مما هو للتأبيد وقد استعملت فيه لا دون لن فهذا يدل على انها لمجرد النفي والتابيد يستفاد من دليل آخر $ القسم الثاني الصفة

وهي مخصصة ان وقعت صفة للنكرة وموضحة للمعرفة & الاسباب التي تاتي الصفة من أجلها وتأتي لأسباب

احدها لمجرد المدح والثناء ومنه صفات الله تعالى كقوله بسم الله الرحمن الرحيم فليس ذكر الوصف هنا للتمييز لانه ليس له مثل تعالى الله عن ذلك

حتى يوضح بالصفة واخذ أبو الطيب هذا المعنى فذكر اسامى بعض ممدوحه ثم قال % % اساميا لم تزده معرفة % % وانما لذة ذكرناها %

فقوله لم تزده بيان انها للاطناب والثناء لا للتعريف والتبيين

وقيل ان الصفات الجارية على القديم سبحانه المراد بها التعريف فان تلك الصفات حاصلة له لا لمجرد الثناء ولو كانت للثناء لكان الاختيار قطعها ومنه قوله تعالى يحكم بها النبيون الذين أسلموا فهذا الوصف للمدح ليس غير لانه ليس يمكن ان يكون ثمة نبيون غير مسلمين كذا قاله الزمخشري

قال واريد بها التعريض باليهود وانهم بعداء من ملة الاسلام التي هي دين الانبياء كلهم في القديم والحديث وان اليهود بمعزل عنها

والتحقيق ان هذه الصفة للتمييز وقد اطلق الله وصف الاسلام على الانبياء واتباعهم والأصل في المدح التمييز بين الممدوح وغيره بالاوصاف الخاصة والاسلام وصف عام فوصفهم بالاسلام اما باعتبار الثناء عليه أو الثناء عليهم بعد النبوة تعظيما وتشريفا له أو باعتبار انهم بلغوا من هذا الوصف غايته لان معنى ذلك يرجع إلى معنى الاستسلام والطاعة الراجعين إلى تحقيق معنى العبودية التي هي اشرف اوصاف العباد فكذلك يوصفون بها في اشرف حالاتهم واكمل اوقاتهم وقوله تعالى حكاية عن ابراهيم

واسماعيل ربنا واجعلنا مسلمين لك أي مستسلمين لامرك لقضائك وكذا قول يوسف توفني مسلما وكذلك قوله النبيون الذين أسلموا للذين هادوا تنويه بقدر الاسلام وتنبيه على عظم امره فان الصفة تعظم بعظم موصوفها كما وصفت الملائكة المقربون بالايمان في قوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به تنويها بقدر الايمان وحضا للبشر على التحلي به ليكونوا كالمقربين في وصف الايمان حتى قيل اوصاف الاشراف اشرف الاوصاف

الثاني لزيادة البيان كذا قاله ابن مالك ومثله بقوله تعالى فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي

وليس ما قاله بواضح فان رسول الله كما يستعمل في نبينا صلوات الله وسلامه عليه يستعمل في غيره بطريق الوضع وتعريفه انما حصل بالاضافة

فان قال قد كثر استعماله في نبينا صلى الله عليه وسلم حتى انه لم يبق الذهن يتبادر الا اليه

قلنا ليس هذا من وضعه بل ذلك من الاستعمال وقد استعمل في غيره قال تعالى فآمنوا بالله ورسوله وفي موضع آخر رسل الله وفي حق عيسى ورسولا إلى بني إسرائيل وفي حق موسى كما أرسلنا إلى فرعون رسولا

ثم ان الصفة انما تكون مثل الموصوف أو دونه في التعريف واما ان تكون فوقه فلا لانها على كل حال تابعة والتابع دون المتبوع

فان قيل كيف يصح ان يزال ابهام الشيء بما هو ابهم منه

فالجواب ان التعريف لم يقع بمجرد الصفة وانما حصل بمجموع الصفة والموصوف لانهما كالشيء الواحد

الثالث لتعيينه للجنسية كقوله تعالى وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه لان المعنى بدابة والذي سيق له الكلام الجنسية لا الافراد بدليل قوله تعالى إلا أمم أمثالكم فجمع أمم محقق ارادة الجنس من الوصف اللازم للجنس المذكور وهو كون الدابة غير منفكة عن كونها في الأرض وكون الطائر غير منفك كونه طائرا بجناحيه لينتفي توهم الفردية هذا معنى ما اشار اليه السكاكي في المفتاح

وحمل بعضهم كلامه على انه انما ذكر الوصف ليعلم ان المراد ليس دابه مخصوصة وهو بعيد لان ذلك معلوم قطعا بدون الوصف لان النكرة المنفية لا سيما مع من الاستغراقية قطعية

وقال الزمخشري ان معنى زيادة في الأرض و يطير بجناحيه يفيد زيادة

التعميم والاحاطه حتى كانه قيل وما من دابة من جميع مافي الأرض وما من طائر في جو السماء من جميع ما يطير بجناحيه الا امم امثالكم محفوظة احوالها غير مهمل امرها

ويحتمل ان يقال ان الطيران لما كان يوصف به من يعقل كالجان والملائكة فلو لم يقل بجناحيه لتوهم الاقتصار على حبسها ممن يعقل فقيل بجناحيه ليفيد ارادة هذا الطير المعتقد فيه عدم المعقولية بعينه

وقيل ان الطيران يتسعمل لغة في الخفة وشدة الاسراع في المشي كقول الحماسي طاروا اليه زرافات ووحدانا فقوله يطير بجناحيه رافع لاحتمال هذا المعنى

وقيل لو اقتصر على ذكر الطائر فقال وما من دابة في الأرض ولا طائر لكان ظاهر العطف يوهم ولا طائر في الأرض لان المعطوف عليه اذا قيد بظرف أو حال يقيد به المعطوف وكان ذلك يوهم اختصاصه بطير الأرض الذي لا يطير بجناحيه كالدجاج والاوز والبط ونحوها فلما قال يطير بجناحيه زال هذا الوهم وعلم انه ليس بطائر مقيد انما تقيدت به الدابة

وأما قوله تعالى وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض مع ان المعلوم ان الفساد

لايقع الا في الأرض قيل في ذكرها تنبيه على ان المحل الذي فيه شأنكم وتصرفكم ومنه مادة حياتكم وهي سترة اموالكم جدير الا يفسد فيه اذا محل الاصلاح لاينبغي ان يجعل محل الافساد

وهذا بخلاف قوله تعالى في سورة براءة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير لان المراد نفي النصير عنهم في جميع الأرض فلو لم يذكر لاحتمل ان يكون ذلك خاصا ببعضها

واما قوله تعالى ذلك قولهم بأفواههم وقوله تعالى إنما يأكلون في بطونهم نارا وقوله تعالى ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ونحوها من المقيد إذ القول لايكون الا بالفم والاكل انما يكون في البطن ففوائده مختلفة

فقيل بأفواههم للتنبيه على انه قول لا دليل عليه بل ليس فيه الا مجرد اللسان أي لايعضده حجة ولا برهان وانما هو لفظ فارغ من معنى تحته كالالفاظ المهملة التي هي اجراس ونغم لا تدل على شيء مؤثر لان القول الدال على معنى قول بالفم ومؤثر في القلب وما لا معنى له مقول بالفم لاغير أو المراد بالقول المذهب أي هو مذهبهم بأفواههم لابقلوبهم لانه لا حجة عليه توجب اعتقاده بالقلب

وقيل انه رافع لتوهم ارادة حديث النفس كما في قوله تعالى ويقولون في أنفسهم

وقيل لان القول يطلق على الاعقتاد فافاد بأفواههم التنصيص على انه باللسان دون القلب ولو لم يقيد لم يستفد هذا المعنى ويشهد له إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك الآية فلم يكذب السنتهم بل كذب ما انطوى عن ضمائرهم من خلافه

وانما قال في بطونهم نارا لانه يقال اكل في بطنه اذا امعن وفي بعض بطنه اذا اقتصر قال % % كلوا في بعض بطنكم تعفوا % % فان زمانكم زنن خميص %

فكانه قيل ياكلون ما يجر اذا امتلات بطونهم نارا

وانما قال التي في الصدور فانه سبحانه لما دعاهم إلى التفكير والتعقل وسماع اخبار من معضي من الامم وكيف اهلكهم بتكذيبهم رسله ومخالفتهم لهم قال أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها

قال ابن قتيبة وهل شيء ابلغ في العظمة والعزة من هذه الآية لان الله تعالى اراد افلم يسيروا في الأرض فينظروا إلى آثار قوم اهلكهم الله بالكفر والعتو فيروا بيوتا خاوية قد سقطت على عروشها وبئرا يشرب اهلها فيها قد عطلت وقصرا بناه ملكه بالشيد خلا من السكن وتداعى بالخراب فيتعظوا بذلك ويخافوا من عقوبة الله مثل الذي نزل بهم

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر