علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٩١ من ١٩٤

الجزء ٢ — ص ٤٠٩–٤١٨

وعن الكسائي ان اللام لتوكيد الخبر وإن لتأكيد الاسم وفيه تجوز لان لتأكيد إنما هو للنسبة لا للاسم والخبر

السادس الفصل وهو من مؤكدات الجملة وقد نص سيبويه على أنه يفيد التأكيد وقال في قوله تعالى إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا إنا وصف للياء في ترن يزيد تأكيدا وهذا صحيح لان المضمر يؤكد الضمير وأما تأكيد المظهر بالمضمر فلم يعهد ولهذا سماه بعضهم دعامة لانه يدعم به الكلام أي يقوى ولهذا قالوا لايجاء مع التوكيد فلا يقال زيد نفسه هو الفاضل ووافق على ذلك ابن الحاجب في شرح المفصل وخالف في اماليه فقال ضمير الفصل ليس توكيدا لانه لو كان فاما لفظيا أو معنويا لا جائز أن يكون لفظيا لأن اللفظي إعادة اللفظ الأول كزيد زيد أو معناه كقمت أنا والفصل ليس هو المسند اليه ولا معناه لانه ليس مكنيا عن المسند اليه ولا مفسرا ولا جائز ان يكون معنويا لان الفاظه محصورة كالنفس والعين وهذا منه نفي للتوكيد الصناعي ولبس للكلام

وفي البسيط للواحدي عند قوله تعالى وأولئك هم المفلحون قال سيبويه دخل الفصل في قوله تعالى تجدوه عند الله هو خيرا وفي قوله تعالى ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم وفي قوله تعالى ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق

وفي قوله تعالى إن كان هذا هو الحق من عندك وذكر ان هذا بمنزلة مافي قوله تعالى فبما رحمة انتهى

السابع ضمير البيان للمذكر والقصة للمؤنث ويقدمونه قبل الجملة نظرا لدلالته على تعظيم الامر في نفسه والاطناب فيه ومن ثم قيل له الشأن والقصه وعادتهم اذا ارادوا ذكر جملة قد يقدمون قبلها ضميرا يكون كناية عن تلك الجملة وتكون الجملة خبرا عنه ومفسرة له ويفعلون ذلك في مواضع التفخيم والغرض منه ان يتطلع السامع إلى الكشف عنه وطلب تفسيره وحينئذ تورد الجملة المفسرة له

وقد يكون لمجرد التعظيم كقوله تعالى إنني أنا الله لا إله إلا أنا &

وقد يفيد معه الانفراد نحو قوله تعالى قل هو الله أحد أي المنفرد بالأحدية

قال جماعة من النحاة هو ضمير الشأن والله مبتدأ ثان وأحد خبر المبتدأ الثاني والمبتدأ الثاني وخبره خبر الأول ولم يفتقر إلى عائد لأن الجملة تفسير له ولكونها مفسرة لم يجب تقديمها عليه وقيل هو كناية عن الله لانهم سالوه ان يصف ربه فنزلت ومنه وأنه لما قام عبد الله ويجوز تأنيثه اذا كان في الكلام مؤنث كقوله تعالى فإنها لا تعمى الأبصار فالهاء في فإنها ضمير القصة و تعمى الأبصار في موضع رفع خبر إن وقوله تعالى أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل

بقراءة الياء وأن يعلمه بمتدأ وآية الخبر والهاء ضمير القصة وأنث لوجود آية في الكلام

الثامن تأكيد الضمير ويجب ان يؤكد المتصل بالمنفصل اذا عطف عليه كقوله تعالى اسكن أنت وزوجك الجنة وقوله تعالى فاذهب أنت وربك

وقيل لايجب التأكيد بل يشترط الفاصل بينهما بدليل قوله تعالى ما أشركنا ولا آباؤنا فعطف آباؤنا على المضمر المرفوع وليس هنا تأكيد بل فاصل وهو لا 3 وهذا لاحجة فيه لانها دخلت بعد واو العطف والذي يقوم مقام التاكيد انما ياتي قبل واو العطف كالآيات المتقدمة بدليل قوله فاستقم كما أمرت ومن تاب معك

ومنهم من لم يشترط فاصلا بدليل قوله إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين فأكد السحر ضمير انفسهم في الالقاء دون ضمير موسى حيث لم يقولوا إما ان تلقي انت

وفيه دليل على انهم احبو التقديم في الالقاء لعلمهم بانهم ياتون بسحر عظيم يقرر عظمته في اذهان الحاضرين فلا يرفعها ما ياتى بعدها على زعمهم وانما ابتدءوا بموسى

فعرضوا عليه البداءة بالالقاء على عادة العلماء والصناع في تادبهم مع قرنائهم ومن ثم قيل تادبوا تهذبوا

واجيب بانه انما لم يؤكد في الاية لانه استغنى عن التاكيد بالتصريح بالاولية في قوله وإما أن نكون أول من ألقى وهذا جواب بياني لا نحوي

فان قيل ما وجه هذا الاطناب وهلا قالوا اما ان تلقى واما ان نلقى فالجواب من وجهين

احدهما لفظي وهو المزاوجه لرءوس الآي على سياق خواتمها من اول السورة إلى آخرها

والثاني معنوي وهو انه سبحانه اراد ان يخبر عن قوة انفس السحرة واستطالتهم عند انفسهم على موسى فجاء عنهم باللفظ اتم واوفى منه في اسنادهم الفعل اليه

ذكر ذلك ابن جني في خاطرياته ثم اورد سؤالا وهو انا نعلم ان السحرة لم يكونوا اهل لسان فيذهب بهم هذا المذهب من صيغة الكلام وأجاب بان جميع ماورد في القرآن حكاية عن غير اهل اللسان من القرون الخالية انما هو من معروف معانيهم وليست بحقيقة الفاظهم ولهذا لايشك في ان قوله تعالى قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى ان هذه الفصاحة لم تجر على لغة العجم

التاسع تصدير الجملة بضمير مبتدأ يفيد التأكيد ولهذا قيل بافادة الحصر ذكره الزمخشري في مواضع من كشافه

قال في قوله تعالى وبالآخرة هم يوقنون معناه الحصر أي لايؤمن بالآخرة الا هم

وقال في قوله أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون ان معناه لاينشر الا هم وان المنكر عليهم ما يلزمهم حصر الآلوهية فيهم ثم خالف هذه القاعدة لما خالف مذهبه الفاسد في قوله تعالى وما هم بخارجين من النار فقال هم هنا بمنزلتها في قوله * هم يفرشون اللبد كل طمرة * في دلالته على قوة امرهم فيما اسند اليهم لا على الاختصاص انتهى

وبيانه ان مقتضى قاعدته في هذه الآية يدل على خروج المؤمنين الفساق من النار وليس هذا معتقده فعدل عن ذلك إلى التاويل للآية بفائدة تتم له فجعل الضمير المذكور يفيد تأكيد نسبة الخلود لهم لا اختصاصه بهم وهم عنده بهذه المثابة لان عصاة المؤمنين وان خلدوا في النار على زعمه الا ان الكفار عنده احق بالخلود وادخل في استحقاقه من عصاة المؤمنين فتخيل في تخريج الآية على قاعدة مذهبه من غير خروج عن قاعدة اهل المعاني في اقتضاء تقديم الضمير الاختصاص والجواب عن هذا ان افادة تقديم الضمير المبتدأ للاختصاص والحصر اقوى واشهر عندهم من افادة مجرد التمكن في الصفة وقد نص الجرجاني في دلائل الاعجاز على ان افادة تقديم الفاعل على الفعل للاختصاص جليلة واما ارا ة تحقيق الامر عند السامع انهم بهذه الصفة وانهم متمكنون منها فليست جليلة واذا كان كذلك فلا يعدل عن المعنى الظاهر الا بدليل وليس هنا ما يقتضي اخراج الكلام عن معناه الجلي كيف وقد صحت الاحاديث وتواترت على ان العصاة يخرجون من النار بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم وشفاعة غيره حتى لايبقى فيها موحد أبدا فهذه

الآية فيها دليل لاهل السنة على انفراد الكفار بالخلود في النار واختصاصهم بذلك والسنة المتواتره موافقه ولا دليل للمخالف سوى قاعدة الحسن والقبيح العقليين والزامهم الله تعالى مما لا ينبغي لهم ان يلزموه من عدم العفو وتحقيق العقاب والخلود الابدي للؤمنين في النار نعوذ بالله من ذلك & فائدة مواضع افادة الحصر

لاتخص افادة الحصر بتقديم الضمير المبتدأ بل هو كذلك اذا تقدم الفاعل أو المفعول أو الجار أو المجرور المتعلقات بالفعل ومن امثلته قوله تعالى قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فان الايمان لما لم يكن منحصرا في الايمان بالله بل لابد معه من رسله وملائكته وكتبه واليوم الآخر وغيره مما يتوقف صحة الايمان عليه بخلاف التوكل فانه لايكون الا على الله وحده لتفرده بالقدره والعلم القديمين الباقيين قدم الجار والمجرور فيه ليؤذن باختصاص التوكل من العبد على الله دون غيره لان غيره لايملك ضرا ولا نفعا فيتوكل عليه ولذلك قدم الظروف في قوله لا فيها غول ليفيد النفي عنها فقط واختصاصها بذلك بخلاف تاخيره في لا ريب فيه لان نفي الريب لايختص بالقرآن بل سائر الكتب المنزلة كذلك

العاشر منها هاء التنبيه في النداء نحو يايها قال سيبويه واما الالف والهاء اللتان لحقتا اياه توكيدا فكانك كررت يا مرتين اذا قلت يأيها وصار الاسم تنبيها

هذا كلامه وهو حسن جدا وقد وقع عليه الزمخشري فقال وكلمة التنبيه المقحمه بين الصفة وموصوفها لفائدة تبيين معاضدة حرف النداء ومكاتفته بتأكيد معناه ووقوعها عوضا مما يستحقه أي من الاضافة

الحادي عشر يا الموضوعه للبعيد اذا نودي بها القريب الفظن قال الزمخشري انه للتأكيد المؤذن بان الخطاب الذي يتلوه معتنى به جدا

الثاني عشر الواو زعم الزمخشري انها تدخل على الجملة الواقعه صفة التأكيد ثبوت الصفة بالموصوف كما تدخل على الجملة الحالية كقوله تعالى وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم وقوله تعالى ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم والصحيح ان الجملة الموضوف بها لاتقترن بالواو لان الاستثناء المفرغ لايقع في الصفات بل الجملة حال من قرية لكونها عامة بتقديم الا عليها

الثالث عشر اما المكسورة كقوله تعالى فإما يأتينكم مني هدى اصلها ان الشرطية زيدت ما تأكيدا وكلام الزجاج يقتضي ان سبب اللحاق نون التوكيد

وقال الفارسي الامر بالعكس لمشابهة فعل الشرط بدخول ما للتأكيد بالفعل المقسم عليه من جهة انها كالعدم في القسم لما فيها من التأكيد وجميع ما في القرآن من الشرط بعد اما توكيده بالنون قال أبو البقاء وهو القياس لان زيادة ما مؤذنة بارادة شدة التوكيد واختلف النحاة اتلزم النون المؤكدة فعل الشرط عند وصل اما أم لا فقال المبرد والزجاج يلزم ولاتحذف الا ضرورة وقال سيبويه وغيره لاتلزم فيجوز اثباتها وحذفها ولاثبات احسن ويجوز حذف ما واثبات النون قال سيبويه ان تثبت لم تقحم النون كما انك اذا أثبت لم تجيء بما انتهى وجاء السماع بعدم النون بعد اما كقول الشاعر % % فاما تريني ولي لمه % % فان الحوادث اودى بها %

الرابع عشر اما المفتوحة قال الزمخشري في قوله تعالى فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم انها تفيد التأكيد

الخامس عشر الا الاستفتاحية كما صرح به الزمخشري في قوله تعالى ألا إنهم هم المفسدون ويدل عليه قولهم انها للتحقيق أي تحقيق الجملة بعدها وهذا معنى التأكيد قال الزمخشري ولكونها بهذا المنصب من التحقيق لا تكاد تقع الجملة بعدها الا مصدره بنحو ما يتلقى به القسم نحو ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون

السادس عشر ما النافية نحو ما زيد قائما أو قائم على لغة تميم جعل سيبويه فيها معنى التوكيد لانه جعلها في النفي جوابا لقد في الاثبات كما ان قد فيها معنى التوكيد فكذلك ما جعل جوابا لها ذكره ابن الحاجب في شرح المفصل

السابع عشر الباء في الخبر نحو مازيد بمنطلق قال الزمخشري في كشافه القديم هي عند البصريين لتاكيد النفي وقال الكوفيون قولك ما زيد بمنطلق جواب إن زيدا لمنطلق ما بإزاء إن والباء بإزاء اللام والمعنى راجع إلى أنها للتأكيد لان اللام لتاكيد الايجاب فاذا كانت بازائها كانت لتأكيد النفي هذا كله في مؤكدات الجملة الاسمية مؤكدات الجملة الفعلية

واما مؤكدات الفعلية فانواع

احدها قد فانها حرف تحقيق وهو معنى التاكيد واليه اشار الزمخشري في قوله تعالى ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم معناه حصل له الهدى لامحاله

وحكى الجوهري عن الخليل أنه لايؤتى بها في شيء الا اذا كان السامع متشوقا إلى سماعه كقولك لمن يتشوق سماع قدوم زيد قد قدم زيد فان لم يكن لم يحسن المجيء بها بل تقول قام زيد

وقال بعض النحاة في قوله تعالى ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل

وفي قوله تعالى ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت قدفي الجملة الفعلية المجاب بها القسم مثل ان واللام في الاسمية المجاب بها في افادة التاكيد

وتدخل على الماضي نحو قد أفلح من زكاها

والمضارع نحو قد نعلم إنه ليحزنك قد يعلم ماانتم عليه قال الزمخشري دخلت قد لتوكيد العلم

ويرجع ذلك لتوكيد الوعيد وبهذا يجاب عن قولهم انما تفيد التعليل مع المضارع

وقال ابن ابان تفيد مع المستقبل التعليل في وقوعه أو متعلقه فالاولى كقولك زيد قد يفعل كذا وليس ذلك منه بالكثير والثاني كقوله تعالى قد يعلم ما أنتم عليه المعنى والله اعلم اقل معلوماته ما أنتم عليه

ثانيا السين التي للتنفيس قال سيبويه في قوله تعالى فسيكفيكهم الله معنى السين ان ذلك كائن لا محالة وان تاخر إلى حين

وجرى عليه الزمخشري فقال في قوله تعالى أولئك سيرحمهم الله السين تفيد وجود الرحمة لا محالة فهي تؤكد الوعد كما تؤكد الوعيد في قولك سانتقم منك يوما يعني انك لاتفوتني وان تبطأت

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر