الجزء ٢ — ص ٣٩٩–٤٠٨
عليه وسلم هو بيع الكالئ بالكالئ ذكره الامام فخر الدين
وبيانه ان قوله تعالى تداينتم مفاعلة من الطرفين وهو يقتضي وجود الدين من الجهتين فلما قال بدين علم انه دين واحد من الجهتين
الرابع انه اتى به ليفيد ان الاشهاد مطلوب سواء كان الدين صغيرا أو كبيرا كما سبق نظيره في قوله تعالى فإن كانتا اثنتين ويدل على هذا هاهنا قوله بعد ذلك ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله
الخامس ان تداينتم مشترك بين الاقتراض والمبايعة والمجازاة وذكر الدين لتمييز المراد قال الحماسي % % ولم يبق سوى العدوا % % ن دناهم كما دانوا %
ونظير هذه الآية في التصريح بالمصدر مع ظهوره فيما قبله قوله تعالى فتقبلها ربها بقبول حسن وقوله تعالى فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وقوله سأل سائل فيقال ما الحكمة في التصريح بالمصدر فيهما أو بضميره مع انه مستفاد مما قبله
وقد يجيء التاكيد به لمعنى الجملة كقوله تعالى صنع الله الذي أتقن كل شيء
فانه تاكيد لقوله تعالى تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب لان ذلك صنع الله وقوله تعالى وعد الله تاكيد لقوله ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله لان هذا وعد الله
وقوله تعالى وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا انتصب كتابا على المصدر بما دل عليه السياق تقديره وكتب الله لان قوله وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله يدل على كتب
وقوله تعالى كتاب الله عليكم تاكيد لقوله حرمت عليكم الآية لان هذا مكتوب علينا وانتصب المصدر بما دل عليه سياق الآية فكأنه فعل تقديره كتب الله عليكم
وقال الكسائي انتصب بعليكم على الاغراء وقدم المنصوب والجمهور على منع التقدير
وقوله صبغة الله تأكيد لقوله فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا لان هذا دين الله وقيل منصوبه على الأمر
وقوله تعالى ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى منصوبة على المصدر بما دل عليه الكلام لان الزلفى مصدر كالرجعي ليقربونا يدل على يزلفونا فتقديره يزلفونا زلفى
وقد يحيء التأكيد به مع حذف عاملة كقوله فإما منا بعد وإما فداء والمعنى فاما تمنوا منا واما ان تفادوا فداء فهما مصدران منصوبان بفعل مضمر
وجعل سيبويه من المصدر المؤكد لنفسه قوله تعالى الذي أحسن كل شيء خلقه لانه اذا احسن كل شيء فقد خلقه خلقا حسنا فيكون خلقه على معنى خلقه خلقا والضمير هو الله تعالى
ويجوز ان يكون بدل اشتمال أي احسن خلق كل شئ
قال الصفار والذي قاله سيبويه اولى الامرين ان في هذا اضافة المصدر إلى المفعول واضافته إلى الفاعل اكثر وان المعنى الذي اصر اليه ابلغ في الامتنان وذلك انه اذا قال احسن كل شئ فهو ابلغ من قولك احسن خلق كل شئ لانه قد يحسن الخلق وهو المحاولة ولا يكون الشيء في نفسه حسنا واذا قال احسن كل شئ اقتضى ان كل شيء خلقه حسن بمعنى انه وضع كل شئ موضعه فهو ابلغ في الامتنان & فائدتان
الاولى هل الاولى التاكيد بالمصدر أو الفعل قال بعضهم المصدر اولى لانه اسم وهو اخف من الفعل وايضا فلان الفعل يحتمل الضمير فيكون جملة فيزداد ثقلا ويحتمل ان الفعل اولى لدلالته على الاستمرار
الثانية حيث اكد المصدر النوعي فالاصل فيه ان ينعت بالوصف المراد منه نحو
قمت قياما حسنا وسرحوهن سراحا جميلا وقوله اذكروا الله ذكرا كثيرا
وقد يضاف الوصف إلى المصدر فيعطي حكم المصدر قال تعالى اتقوا الله حق تقاته
الثاني الحال المؤكدة وهي الاتية على حال واحده عكس المبينة فانها لاتكون الا منتقله وهي لتاكيد الفعل كما سبق في المصدر المؤكد لنفسه وسميت مؤكدة لانها نعلم قبل ذكرها فيكون ذكرها توكيدا لانها معلومة من ذكر صاحبها
كقوله تعالى ويوم أبعث حيا
وقوله ولا تعثوا في الأرض مفسدين
فتبسم ضاحكا من قولها لأن معنى تبسم ضحك مسروار
وقوله وأرسلناك للناس رسولا
ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون وذكر الاعراض للدلالة على تناهي حالهم في الضلال
ومثله أقررتم وأنتم تشهدون اذ معنى الاقرار اقرب من الشهادة ولان الاعراض والشهادة حالان لهم عند التولي والاقرار
وقوله وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد
وقوله خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض فانه حال مؤكدة لقوله وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها وبهذا يزول الاشكال في ان شرط الحال الانتقال ولا يمكن ذلك هنا فانا نقول ذلك شرط في غير المؤكدة ولما لم يقف ابن جنى على ذلك قدر محذوفا أي معتقدا خلودهم فيها لان اعتقاد ذلك امر ثابت عند غير المؤمنين فلهذا ساغ مجيئها غير منتقله
ومنهم من نازع في التاكيد في بعض ماسبق لان الحال المؤكده مفهومها مفهوم عاملها وليس كذلك التبسم والضحك فانه قد يكون من غير ضحك بدليل قوله تبسم تبسم الغضبان
وكذلك التولية والادبار في قوله تعالى ولى مدبرا ثم وليتم مدبرين فانهما بمعنيين مختلفين فالتولية ان يولى الشيء ظهره والادبار ان يهرب منه فليس كل مول مدبرا ولا كل مدبر موليا
ونظيره قوله تعالى إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين فلو كان اصم مقبلا لم يسمع فاذا ولي ظهره كان ابعد له من السماع فاذا ادبر مع ذلك كان اشد لبعده عن السماع
ومن الدليل على ان التولي لايتضمن الادبار قوله فول وجهك شطر المسجد الحرام فانه بمعنى الاقبال
وقوله ولم يعقب اشارة إلى استمراره في الهروب وعدم رجوعه يقال فلان ولى اذا رجع وكل راجع معقب واهل التفسير يقولون لم يقف ولم يلتفت وكذلك قوله وأرسلناك للناس رسولا قيل ليست بمؤكدة لان الشيء المرسل قد لايكون رسولا كما قال تعالى إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم
وقوله وهو الحق مصدقا جعلها كثيرة من المعربين مؤكدة لان صفة الحق التصديق
قيل ويحتمل ان يريدوا به تاكيد العامل وان يريدوا به تاكيد ما تضمنته الجملة
ودعوى التأكيد غير ظاهرة لانه يلزم من كون الشيء حقا في نفسه ان يكون مصدقا لغيره والفرض ان القرآن العزيز فيه الامران وهو كونه حقا وكونه مصدقا لغيره من الكتب فالظاهر ان مصدقا حال مبينة لامؤكدة ويكون العامل فيها الحق لكونه بمعنى الثابت وصاحب الحال الضمير الذي تحمله الحق لتاوله بالمشتق
وقوله قائما بالقسط فقائما حال مؤكدة لان الشاهد به لا اله الا هو قائم بالقسط فهي لازمة مؤكدة وقد وقعت بعد الفعل والفاعل
قال ابن أبي الربيع ويجوز ان يكون حالا على جهة اخرى على معنى شهد الله انه منفرد بالربوبية وقائم بالقسط فانه سبحانه بالصفتين لم ينتقل عنهما فهو متصف بكل واحدة منهما في حال الاتصاف بالاخرى وهو سبحانه لم يزل بهما لان صفاته ذاتية قديمة
& فائدة عن صاحب المفصل في وقوع الحال بعد الجملة الاسمية
قال صاحب المفصل لاتقع المؤكدة إلا بعد الجملة الاسمية وهو خلاف قول أبي علي انها تكون بعد الجملتين محتجا بما سبق وكذا بقوله تعالى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين وقوله تعالى ولى مدبرا ولم يعقب فمدبرين ومدبرا حال مؤكدة لفعل التولية & في ادوات التاكيد مؤكدات الجمل الاسمية
الاول التاكيد ان قال تعالى يا أيها الناس إن وعد الله حق وقوله تعالى اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم وهي اقوى من التاكيد باللام كما قاله عبد القاهر في دلائل الاعجاز قال وأكثر مواقع إن بحكم الاستقراء هو الجواب لكن بشرط ان يكون للسائل فيه ظن بخلاف ما انت تجيبه به فاما ان تجعل مرد الجواب اصلا فيها فلا لانه يؤدي إلى قولك
صالح في جواب كيف زيد حتى تقول انه صالح ولا قائل به بخلاف اللام فانه لايلحظ فيها غير اصل الجواب
وقد يجئ مع التاكيد في تقدير سؤال السائل اذا تقدمها من الكلام ما يلوح نفسه للنفس كقوله تعالى اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم امرهم بالتقوى ثم علل وجوبها مجيبا لسؤال مقدر بذكر الساعة واصفا لها باهول وصف ليقرب عليه الوجوب
وكذا قوله تعالى ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون أي لا تدعني في شانهم واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك لانهم محكوم عليهم بالاغراق وقد جف به القلم فلا سبيل إلى كفه عنهم
ومثله في النهي عن الدعاء لمن وجبت شقاوته قوله تعالى يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود
ومنه قوله تعالى وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم فإن قوله تعالى وما أبرئ نفسي اورث للمخطاب حيرة كيف لاينزه نفسه مع كونها مطمئنة زكية فأزال حيرته بقوله تعالى إن النفس لأمارة في جميع الاشخاص بالسوء الا المعصوم
وكذا قوله تعالى وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم
واعلم ان كل جملة صدرت بان مفيدة للتعليل وجواب سؤال مقدر فان الفاء
يصح ان تقوم فيها مقام ان مفيدة للتعليل حسن تجريدها عن كونها جوابا للسؤال المقدر كما سبق من الامثلة
وان صدرت لاظهار فائدة الاولى لم يصح قيام الفاء مقامها كقوله إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون بعد قوله لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون
ومن فوائدها تحسين ضمير الشان معها اذا فسر بالجملة الشرطية مالا يحسن بدونها كقوله إنه من يتق ويصبر أنه من يحادد الله ورسوله أنه من عمل منكم سوءا بجهالة إنه لا يفلح الكافرون واما حسنه بدونها في قوله تعالى قل هو الله أحد فلفوات الشرط
الثاني ان المفتوحة نحو علمت ان زيدا قائم وهي حرف مؤكد كالمكسورة نص عليه النحاة
واستشكله بعضهم قال لأنك لو صرحت بالمصدر المنسبك منها لم يفد توكيدا ويقال التوكيد للمصدر المنحل لان محلها مع ما بعدها المفرد وبهذا يفرق بينها وبين ان المكسورة فان التاكيد في المكسورة للاسناد وهذه لاحد الطرفين
الثالث كأن وفيها التشبيه المؤكد إن كانت بسيطة وان كانت مركبة من
كاف التشبيه و ان فهي متضمنه لان فيها ما سبق وزيادة
قال الزمخشري والفصل بينه وبين الاصل أي بين قولك كانه اسد وبين انه كالاسد انك مع كان بان على التشبيه من اول الامر وثم بعد مضى صدره على الاثبات
وقال الامام في نهاية الايجاز اشترك الكاف وكان في الدلالة على التشبيه وكأن أبلغ وبذلك جزم حازم في منهج البلغاء وقال وهي انما تستعمل حيث يقوى الشبه حتى يكاد الرائي يشك في ان المشبه هو المشبه به أو غيره ولذلك قالت بلقيس كأنه هو
الرابع لكن لتأكيد الجمل ذكره ابن عصفور والتنوخي في الاقصى وقيل للتاكيد مع الاستدراك وقيل للاستدراك المجرد وهي ان يثبت لما بعدها حكم يخالف ما قبلها ومثلها ليت ولعل ولعن في لغة بني تميم لانهم يبدلون هموة ان المفتوحة عينا وممن ذكر انها من المؤكدات التنوخي
الخامس لام الابتداء نحو إن ربي لسميع الدعاء وهي تفيد تاكيد مضمون الجملة ولهذا زحلقوها في باب ان عن صدر الجملة كراهية ابتداء الكلام المؤكدين ولانها تدل بجهة التأكيد وإن تدل بجهتين العمل والتأكيد والدال بجهتين مقدم على الدال بجهة كنظيره في الارث وغيره واذا جاءت مع إن كان بمنزلة تكرار الجملة ثلاث مرات لان إن أفادت التكرير مرتين فاذا دخلت اللام صارت ثلاثا
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر