علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٨٩ من ١٩٤

الجزء ٢ — ص ٣٨٩–٣٩٨

لم يكن المراد كل واحد واحد من الآية لم تحسن الزيادة في التاكيد بدليل الاستثناء بعده من قوله إلا امرأته ومنها قصد تحقيق المخبر به كقوله تعالى إني جاعل فأكد بإن وبإسم الفاعل مع أنهم ليسوا بشاكين في الخبر

ومثله إنك ميت وإنهم ميتون

وقال حاكيا عن نوح إنك إن تذرهم يضلوا عبادك

ومنها قصد اغاظة السامع بذلك الخبر كقوله إنك لمن المرسلين

ومنها الترغيب كقوله فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم اكده باربع تاكيدات وهي ان وضمير الفصل والمبالغتان مع الصفتين له ليدل على ترغيب الله العبد في التوبة فانه اذا علم ذلك طمع في عفوة وقوله لا تحزن إن الله معنا

ومنها الاعلام بان المخبر به كله من عند المتكلم كقوله فإما يأتينكم مني هدى دون الاقتصار على ياتينكم هدى قال المفسرون فيه اشارة إلى ان الخير كله منه

وعليه قوله قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور قد جاءكم برهان من ربكم

ومنها التعريض بأمر آخر كقوله تعالى رب إني ظلمت نفسي وقول موسى رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير وقوله تعالى قالت رب إني وضعتها أنثى تعريضا سؤال قبولها فانها كانت تطلب للنذر ذكرا & تنبيهان

الاول قالوا انما يؤتى به للحاجة للتحرز عن ذكر مالا فائدة له فان كان المخاطب ساذجا القى اليه الكلام خاليا عن التاكيد وان كان مترددا فيه حسن تقويته بمؤكد وان كان منكرا وجب تاكيده ويراعى في القوة والضعف بحسب حال المنكر كما في قوله تعالى عن رسل عيسى ربنا يعلم الآية وذلك أن الكفار نفوا رسالتهم بثلاثة أشياء أحدها قولهم ما أنتم إلا بشر مثلنا والثاني قولهم وما أنزل الرحمن من شيء والثالث قولهم إن أنتم إلا تكذبون فقوبلوا على نظيره بثلاثة أشياء أحدها قولهم ربنا يعلم ووجه التاكيد فيه انه في معنى قسم و الثاني قوله إنا إليكم لمرسلون والثالث قوله تعالى وما علينا إلا البلاغ المبين

وقد ينزل المنكر كغير المنكر وعكسه وقد اجتمعا في قوله تعالى ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون اكدت الامانة تاكيدين وان لم ينكروا لتنزيل المخاطبين لمتاديهم في الغفلة منزلة من ينكر الموت واكد اثبات البعث تأكيدا واحدا وان كان اكثر لانه لما كانت ادلته ظاهرة كان جديرا بالايتكرر ويتردد فيه حثالهم على النظر في ادلته الواضحه

الثاني قال التنوخي في اقصى القرب اذا قصدوا مجرد الخبر اتوا بالجملة الفعلية وان اكدوا فبالاسمية ثم بان ثم بها وباللام وقد تؤكد الفعلية بقد وان احتيج باكثر جئ بالقسم مع كل من الجملتين وقد تؤكد الاسمية باللام فقط نحو لزيد قائم وقد تجئ مع الفعلية مضمرة بعد اللام وحاصله ان الخطاب على درجات قام زيد ثم لقد قام فان جعل الفعلية كانها دون الاسمية ثم ان زيدا قائم ولزيد قائم & ما يلتحق بالتاكيد الصناعي

ويلتحق بالتأكيد الصناعي امور

احدها تاكيد الفعل بالمصدر ومنه قوله تعالى جزاؤكم جزاء موفورا

وقوله تعالى وكلم الله موسى تكليما وسلموا تسليما وقوله تعالى يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا وهي تمر مر السحاب

فدكتا دكة واحدة إذا زلزلت الأرض زلزالها فيكيدوا لك كيدا وهو كثير

قالوا وهو عوض عن تكرار الفعل مرتين فقولك ضربت ضربا بمنزلة قولك ضربت ضربت ثم عدلوا عن ذلك واعتاضوا عن الجملة بالمفرد

وليس منه قوله تعالى وتظنون بالله الظنونا بل هو جمع ظن وجمع لاختلاف انواعه قاله ابن الدهان

ثم اختلفوا في فائدته فقيل انه يرفع المجاز عن الفاعل فانك تقول ضرب الامير اللص ولا يكون باشر بل امر به ضربا علم انه باشر

وممن نص على ذلك ثعلب في امالية وابن عصفور في شرح الجمل الصغير

والصواب انه انما يرفع الوهم عن الحديث لا عن المحدث عنه فاذا قلت ضرب الامير احتمل مجازين احدهما اطلاق الضرب على مقدماته والثاني اطلاق الامير على امره فاذا اردت رفع الاول اتيت بالمصدر فقلت ضربا وان اردت الثاني قلت نفسه أو عينه

ومن هذا يعلم ضعف استدلال اصحابنا على المعتزلة في اثبات كلام الله لموسى في قوله

تعالى وكلم الله موسى تكليما فانه لما اريد كلام الله نفسه قال تكليما ودل على وقوع الفعل حقيقة اما تاكيد فاعله فلم يتعرض له ولقد سخف عقل من تاوله على انه كلمة باظفار المحن من الكلم وهو الجرح لان الاية مسوقة في بيان الوحي ويحكى انه استدل بعض علماء السنة على بعض المعتزله في اثبات التكليم حقيقة بالاية من جهة ان المجاز لا يؤكد فسلم المعتزلي له هذه القاعدة واراد دفع الاستدلال من جهة اخرى فادعى ان اللفظ انما هو وكلم الله موسى بنصب لفظ الجلالة وجعل موسى فاعلا كلم وانكر القراءة المشهورة وكابر فقال السني فماذا تصنع بقوله تعالى ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه فانقطع المعتزلي عند ذلك قال ابن الدهان ومما يدل على ان التأكيد لايرفع المجاز قول الشاعر % % قرعت ظنانيت الهوى يوم عالج % % ويوم اللوى حتى قسرت الهوى قسرا %

قلت وكذا قوله ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وأما قوله تعالى ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا فمفعول اسررت محذوف أي الدعاء والانذار ونحوه

فان قلت التأكيد ينافي الحذف فالجواب من وجهين

أحدهما أن المصدر لم يؤت به هنا للتاكيد وان كان بصورته لان المعنى ليس على ذلك وانما اتى به لاجل الفواصل ولهذا لم يؤت بمصدر أعلنت وهو مثله والثاني أن أسر وان كان متعديا في الاصل الا انه هنا قطع النظر عن مفعوله وجعل نسيا كما في قوله فلان يعطى ويمنع فصار لذلك كاللازم وحينئذ فلا منافاة بين المجيء به بالمصدر لو كان

ثم التأكيد بالمصدر تارة يجيء من لفظ الفعل كما سبق وتارة يجئ من مرادفه كقوله تعالى إني دعوتهم جهارا فان الجهار أحد نوعي الدعاء وقوله ليا بألسنتهم فانه منصوب بقوله يحرفون الكلم لان ليا نوع من التحريف

ويحتمل ان يكون منه أتأخذونه بهتانا لان البهتان ظلم والأخذ على نوعين ظلم وغيره

وزعم الزمخشري قوله نافلة لك وضع نافلة موضع تهجدا لان التهجد عبادة زائدة فكان التهجد والنافة يجمعهما معنى واحد

وقوله وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا قيل كان الاصل تكرار الصدق بلفظه فاستثقل التكرار للتقارب فعدل إلى ما يجاريه خفة ولتجزيء المصادر الثلاثة مجرى واحد خفة ووزنا احرازا للتناسب

واما قوله والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا ففائدة إخراجا ان المعاد في الأرض هو الذي يخرجكم منها بعينه دفعا لتوهم من يتوهم ان المخرج منها امثالهم وان المبعوث الارواح المجردة

فان قيل هذا يبطل بقوله تعالى أنبتكم من الأرض نباتا فانه اكد بالمصدر وليس المراد حقيقة النبات

قلت لاجرم حيث لم يرد الحقيقة هنا لم يؤكده بالمصدر الحقيقي القياسي بل عدل به إلى غيره وذلك لان مصدر انبت الانبات والنبات اسمه لا هو كما قيل في الكلام والسلام اسمان للمصدر الاصلي الذي هو التكليم والتسليم واما قوله وتبتل إليه تبتيلا وان لم يكن جاريا على تبتل لكنه ضمن معنى بتل نفسك تبتلا

ومثله قوله وتعالى عما يقولون علوا كبيرا قال أبو البقاء هو موضع تعاليا لانه مصدر قوله وتعالى ويجوز ان يقع مصدرا في موضع آخر من معناه وكذا قال الراغب قال وانما عدل عنه لان لفظ التفاعل من التكلف كما يكون من البشر

وأما قوله يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا فقال بعضهم الجملة الفاعلية تحتمل المجاز في مفرديها جميعا وفي كل منهما مثاله ها هنا انه يحتمل ان المجاز في تمور وانها ما تمور بل تكاد أو يخيل إلى الناظر انها تمور ويحتمل ان المجاز في السماء وان المور الحقيقي لكنها واهلها لشدة الامر

وكذلك الكلام في وتسير الجبال سيرا فاذا رفع المجاز عن أحد جزاي الجملة نفي احتماله في الاخر فلم تحصل فائدة التاكيد

وأجيب بهذه القاعدة وهي ان مورا في تقدير تمور فكانه قال تمور السماء تمور السماء وتسير الجبال تسير الجبال فاكد كلا من الجزأين بنظيره وزال الاشكال

واما قوله تعالى إلا أن يشاء ربي شيئا فيحتمل ان يكون شيئا من تاكيد الفعل بالمصدر كقوله بعت بيعا ويجوز ان يكون الشيء بمنزلة الامر والتبيان والمعنى الا ان يشاء ربي امرا أو وضع موضع المصدر وانظر كيف ذكر مفعول المشيئة وقول البيانيين انه يجب حذفه اذا كان عاما واما قوله تعالى دكا دكا فالمراد به التتابع أي دكا بعد دك وكذا قوله صفا صفا أي صفا يتلوه صف ولو اقتصر على الواحد لا يحتمل صفا واحدا

واما قوله تعالى إذا زلزلت الأرض زلزالها فان اضافة الزلزال اليها يفيد معنى ذاتها وهو زلزالها المختص بها المعروف منها المتوقع كما تقول غضب زيد غضبه وقاتل زيد قتاله أي غضبه الذي يعرف منه وقتاله المختص به كقوله

* أنا أبو النجم وشعري شعري *

واعلم ان القاعدة في المصدر والمؤكد ان يجيء اتباعا لفعله نحو وكلم الله موسى تكليما وقد يخرج عنها نحو قوله تعالى وتبتل إليه تبتيلا وقوله تعالى فإني أعذبه عذابا وقوله تعالى من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا وقوله تعالى أنبتكم من الأرض نباتا ولم يقل تبتلا وتعذيبا واقراضا وانباتا

واختلف في ذلك على اقوال

احدها انه وضع الاسم منها موضع المصدر

والثاني انه منصوب بفعل مضمر يجرى عليه المصدر ويكون ذلك الفعل الظاهر دليلا على المضمر فالمعنى والله أنبتكم من الأرض نباتا فنبتم نباتا وهو قول المبرد واختاره ابن خروف وزعم انه مذهب سيبويه وكذا قال ابن يعيش ونازعه ابن عصفور

والثالث انها منصوبة بتلك الافعال الظاهرة وان لم تكن جارية عليها

والرابع التفصيل بين ان يكون معنى الفعل غير معبر بمعنى مصدر ذلك الفعل الظاهر فهو منصوب بفعل مضمر يدل عليه ذلك الفعل الظاهر كقوله تعالى والله أنبتكم من الأرض نباتا أي ونبتم أي وساغ اضماره لانهم اذا انبتوا فقد نبتنوا ولا يجوز في غير ذلك ان ينصب بالظاهر لان الغرض من المصدر تاكيد الفعل الذي نصبه أو تبيين معناه واذا كان المصدر مغايرا لمعنى الفعل الظاهر لم يحصل بذلك الغرض المقصود لان النبات ليس بمعنى الانبات واذا لم يكن بمعناه فكيف يؤكده أو يبينه

واما قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين فانما ذكر قوله بدين مع تداينتم يدل عليه لوجوه

احدها ليعود الضمير في فاكتبوه عليه اذا لو لم يذكره لقال فاكتبوا الدين ذكره الزمخشري وهو ممنوع لانه كان يمكن ان يعود على المصدر المفهوم من تداينتم لانه يدل على الدين

الثاني ان تداينتم مفاعلة من الدين ومن الدين فاحتيج إلى قوله بدين ليبين انه من الدين لا من الدين

وهذا ايضا فيه نظر لان السياق يرشد إلى ارادة الدين

الثالث ان قوله بدين اشارة إلى امتناع بيع الدين بالدين كما فسر قوله صلى الله

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر