الجزء ١ — ص ٨٢–٩١
ومنه قوله تعالى قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون لما كان سبحانه هو الجاعل الأشياء على الحقيقة وأضاف إلى نفسه جعل الليل سرسدا إلى يوم القيامة صار الليل كأنه سرمد بهذا التقدير وظرف الليل ظرف مظلم لا ينفذ فيه البصر لا سيما وقد أضاف الإتيان بالضياء الذى تنفذ فيه الأبصار إلى غيره وغيره ليس بفاعل على الحقيقة فصار النهار كأنه معدوم إذ نسب وجوده إلى غير موجد والليل كأنه لا موجود سواه إذ جعل سرمدا منسوبا إليه سبحانه فاقتضت البلاغة أن يقول أفلا تسمعون لمناسبة ما بين السماع والظرف الليلى الذى يصلح للاستماع ولا يصلح للإبصار
وكذلك قال فى الآية التى تليها قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون لأنه لما أضاف جعل النهار سرمدا إليه صار النهار كأنه سرمد وهو ظرف مضىء تنور فيه الأبصار وأضاف الإتيان بالليل إلى غيره وغيره ليس بفاعل على الحقيقة فصار الليل كأنه معدوم إذ نسب وجوده إلى غير موجد والنهار كأنه لا موجود سواه إذ جعل وجوده سرمدا منسوبا إليه فاقتضت البلاغة أن يقول أفلا تبصرون إذ الظرف مضىء صالح للإبصار وهذا من دقيق المناسبة المعنوية
ومنه قوله تعالى فى أول سورة الجاثية إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون
فإن البلاغة تقتضى أن تكون فاصلة الآية الأولى للمؤمنين لأنه
سبحانه ذكر العلم بجملته حيث قال السماوات والأرض ومعرفة الصانع من الآيات الدالة على أن المخترع له قادر عليم حكيم وإن دل على وجود صانع مختار لدلالتها على صفاته مرتبة على دلالتها على ذاته فلا بد أولا من التصديق بذاته حتى تكون هذه الآيات دالة على صفاته لتقدم الموصوف وجودا واعتقادا على الصفات
وكذلك قوله فى الآية الثانية لقوم يوقنون فإن سر الإنسان وتدبر خلقة الحيوان أقرب إليه من الأول وتفكره فى ذلك مما يزيده يقينا فى معتقده الأول
وكذلك معرفة جزئيات العالم من اختلاف الليل والنهار وإنزال الرزق من السماء وإحياء الأرض بعد موتها وتصريف الرياح يقتضى رجاحة العقل ورصانته لنعلم أن من صنع هذه الجزئيات هو الذى صنع العالم الكلى التى هى أجرامه وعوارض عنه ولا يجوز أن يكون بعضها صنع بعضا فقد قام البرهان على أن للعالم الكلى صانعا مختارا فلذلك اقتضت البلاغة أن تكون فاصلة الآية الثالثة لقوم يعقلون وإن احتيج إلى العقل فى الجميع إلا أن ذكره هاهنا أنسب بالمعنى الأول إذ بعض من يعتقد صانع العالم ربما قال إن بعض هذه الآثار يصنع بعضا فلا بد إذا من التدبر بدقيق الفكر وراجح العقل
ومنه قوله تعالى حكاية عن لقمان يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير
ومنه قوله تعالى أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون والمناسبة فيه قوية لأن من دل عدوه على عورة نفسه وأعطاه سلاحه
ليقتله به فهو جدير بأن يكون مقلوب العقل فلهذا ختمها بقوله أفلا تعقلون
وهذه الفاصلة لا تقع إلا فى سياق إنكار فعل غير مناسب فى العقل نحو قوله تعالى أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون لأن فاعل غير المناسب ليس بعاقل
وقوله تعالى قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم ختم بصفة العلم إشارة إلى الإحاطة بأحوالنا وأحوالكم وما نحن عليه من الحق وما أنتم عليه من الباطل وإذا كان عالما بذلك فنسأله القضاء علينا وعليكم بما يعلم منا ومنكم
فصل
وقد تجتمع فواصل فى موضع واحد ويخالف بينها وذلك فى مواضع
منها فى أوائل النحل وذلك أنه سبحانه بدأ فيها بذكر الأفلاك فقال خلق السماوات والأرض بالحق ثم ذكر خلق الإنسان فقال من نطفة وأشار إلى عجائب الحيوان فقال والأنعام ثم عجائب النبات فقال هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون فجعل مقطع هذه الآية التفكر لأنه استدلال بحدوث الأنواع المختلفة من النبات على وجود الإله القادر المختار
وفيه جواب عن سؤال مقدر وهو أنه لم لا يجوز أن يكون المؤثر فيه طبائع الفصول وحركات الشمس والقمر ولما كان الدليل لا يتم إلا بالجواب عن هذا السؤال لا جرم كان مجال التفكر والنظر والتأمل باقيا إنه تعالى أجاب عن هذا السؤال من وجهين
أحدهما أن تغيرات العالم الأسفل مربوطة بأحوال حركات الأفلاك فتلك الحركات حيث حصلت فإن كان حصولها بسبب أفلاك أخرى لزم التسلسل وإن كان من الخالق الحكيم فذلك الإقرار بوجود الإله تعالى وهذا هو المراد بقوله تعالى وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون فجعل مقطع هذه الآية العقل والتقدير كأنه قيل إن كنت عاقلا فاعلم أن التسلسل باطل فوجب انتهاء الحركات إلى حركة يكون موجدها غير متحرك وهو الإله القادر المختار
والثانى أن نسبة الكواكب والطبائع إلى جميع أجزاء الورقة الواحدة والحبة الواحدة واحدة ثم إنا نرى الورقة الواحدة من الورد أحد وجهيها فى غاية الحمرة والآخر فى غاية السواد فلو كان المؤثر موجبا بالذات لامتنع حصول هذا التفاوت فى الآثار فعلمنا أن المؤثر قادر مختار وهذا هو المراد من قوله وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون كأنه قيل قد ذكرنا ما يرسخ فى عقلك أن الموجب بالذات والطبع لا يختلف تأثيره فإذا نظرت إلى حصول هذا الاختلاف علمت أن المؤثر ليس هو الطبائع بل الفاعل المختار فلهذا جعل مقطع الآية التذكر
تنبيه
من بديع هذا النوع اختلاف الفاصلتين فى موضعين والمحدث عنه واحد لنكتة لطيفة وذلك قوله تعالى فى سورة إبراهيم وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار م قال فى سورة النحل وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم
قال القاضى ناصر الدين بن المنير فى تفسيره الكبير كأنه يقول إذا حصلت النعم الكثيرة فأنت آخذها وأنا معطيها فحصل لك عند أخذها وصفان كونك ظلوما وكونك كفارا ولى عند إعطائها وصفان وهما أنى غفور رحيم أقابل ظلمك بغفرانى وكفرك برحمتى فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير ولا أجازى جفاءك إلا بالوفاء انتهى
وهو حسن لكن بقى سؤال آخر وهو ما الحكمة فى تخصيص آية النحل بوصف النعيم وآية إبراهيم بوصف المنعم عليه والجواب أن سياق الآية فى سورة إبراهيم فى وصف الإنسان وما جبل عليه فناسب ذكر ذلك عقيب أوصافه وأما آية النحل فسيقت فى وصف الله تعالى وإثبات ألوهيته وتحقيق صفاته فناسب ذكر وصفه سبحانه فتأمل هذه التراكيب ما أرقاها فى درجة البلاغة
ونظيره قوله تعالى فى سورة الجاثية من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون
وفى فصلت من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد
وحكمة فاصلة الأولى أن قبلها قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون فناسب الختام بفاصلة البعث لأن قبله وصفهم بإنكاره وأما الأخرى فالختام بها مناسب أى لأنه لا يضيع عملا صالحا ولا يزيد على من عمل شيئا
ونظيره قوله فى سورة النساء إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ختم الآية مرة بقوله فقد افترى إثما عظيما ومرة بقوله ضلالا بعيدا لأن الأول نزل فى اليهود وهم الذين افتروا على الله ما ليس فى كتابه والثانى نزل فى الكفار ولم يكن لهم كتاب وكان ضلاهم أشد
وقوله فى المائدة ومن لم يحكم بما أنزل الله فذكرها ثلاث مرات وختم الأولى بالكافرين والثانية بالظالمين والثالثة بالفاسقين فقيل لأن الأولى نزلت فى أحكام المسلمين والثانية نزلت فى أحكام اليهود والثالثة نزلت فى أحكام النصارى
وقيل ومن لم يحكم بما أنزل الله إنكارا له فهو كافر ومن لم يحكم بالحق مع اعتقاد الحق وحكم بضده فهو ظالم ومن لم يحكم بالحق جهلا وحكم بضده فهو فاسق
وقيل الكافر والظالم والفاسق كلها بمعنى واحد وهو الكفر عبر عنه بألفاظ مختلفة لزيادة الفائدة واجتناب صورة التكرار وقيل غير ذلك
تنبيه
عكس هذا اتفاق الفاصلتين والمحدث عنه مختلف كقوله تعالى فى سورة النور يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم إلى قوله كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم ثم قال وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم
قال ابن عبد السلام فى تفسيره فى الأولى عليم بمصالح عباده حكيم فى بيان مراده وقال فى الثانية عليم بمصالح الأنام حكيم ببيان الأحكام ولم يتعرض للجواب عن حكمة التكرار
تنبيه
حق الفاصلة فى هذا القسم تمكين المعنى المسوق إليه كما بينا ومنه قوله تعالى ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ووجه مناسبته أن بعث الرسول تولية والتولية لا تكون إلا من عزيز غالب على ما يريد وتعليم الرسول الحكمة لقومه إنما يكون مستندا إلى حكمة مرسله لأن الرسول واسطة بين المرسل والمرسل إليه فلا بد وأن يكون حكيما فلا جرم كان اقترانهما مناسبا
وقوله تعالى فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم وجه المناسبة فى الحكم محمول على قول مجاهد إن من حضر الموصى فرأى منه جنفا على الورثة فى وصيته مع فقرهم فوعظه فى ذلك وأصلح بينه وبينهم حتى رضوا فلا إثم عليه وهو غفور للموصى إذا ارتدع بقول من وعظه فرجع عما هم به وغفرانه لهذا برحمته لاخفاء به والإثم المرفوع عن القائل يحتمل أن يكون إثم التبديل السابق فى الآية قبلها فى قوله تعالى فمن بدله بعد ما سمعه يعنى من الموصى أى لا يكون هذا المبدل داخلا تحت وعيد من بدل على العموم لأن تبديل هذا تضمن مصلحة راجحة فلا يكون كغيره وقد أشكل على ذلك مواضع منها قوله تعالى إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم فإن قوله وإن تغفر لهم يوهم أن الفاصلة الغفور الرحيم وكذا نقلت عن مصحف أبى رضى الله عنه وبها قرأ ابن شنبود ولكن إذا أنعم النظر علم أنه يجب أن يكون ما عليه التلاوة لأنه لا يغفر لمن يستحق العذاب إلا من ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه فهو العزيز لان العزير في صفات الله هو الغالب من قولهم عزه يعزه عزا إذا غلبه ووجب أن يوصف بالحكيم أيضا لأن الحكيم من يضع الشىء فى محله فالله تعالى كذلك إلا أنه قد يخفى وجه الحكمة فى بعض أفعاله فيتوهم الضعفاء أنه خارج عن الحكمة فكان فى الوصف بالحكيم احتراس حسن أى وإن تغفر لهم مع استحقاقهم العذاب فلا معترض عليك لأحد فى ذلك والحكمة فيما فعلته وقيل وقيل لا يجوز الغفور الرحيم لأن الله تعالى قطع لهم بالعذاب فى قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به وقيل لأنه
مقام تبر فلم يذكر الضفة المقتضية استمطار العفو لهم وذكر صفة العدل فى ذلك بأنه العزيز الغالب وقوله الحكيم الذى يضع الأشياء مواضعها فلا يعترض عليه إن عفا عمن يستحق العقوبة
وقيل ليس هو على مسألة الغفران وإنما هو على معنى تسليم الأمر إلى من هو أملك لهم ولوقيل فإنك أنت الغفور الرحيم لأوهم الدعاء بالمغفرة ولا يسوغ الدعاء بالمغفرة لمن مات على شركه لا لنبى ولا لغيره وأما قوله فإنهم عبادك وهم عباده عذبهم أو لم يعذبهم فلأن المعنى إن تعذبهم تعذب من العادة أن تحكم عليه وذكر العبودية التى هى سبب القدرة كقول رؤبة % % يا رب إن أخطأت أو نسيت % % فأنت لا تنسى ولا تموت % $
والله لا يضل ولا ينسى ولا يموت أخطأ رؤبة أو أصاب فكأنه قال إن أخطأت تجاوزت لضعفى وقوتك ونقصى وكمالك
ونظير هذه الآية قوله تعالى فى سورة براءة أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم والجواب ما ذكرناه
ومثله قوله تعالى فى سورة الممتحنة ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم
ومثله فى سورة غافر فى قول السادة الملائكة ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم
ومنه قوله تعالى والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم
فإن الذى يظهر فى أول النظر أن الفاصلة تواب رحيم لأن الرحمة مناسبة للتوبة وخصوصا من هذا الذنب العظيم ولكن هاهنا معنى دقيق من أجله قال حكيم وهو أن ينبه على فائدة مشروعية اللعان وهى الستر عن هذه الفاحشة العظيمة وذلك من عظيم الحكم فلهذا كان حكيم بليغا فى هذا المقام دون رحيم
ومن خفى هذا الضرب قوله تعالى فى سورة البقرة خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم
وقوله فى آل عمران قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير فإن المتبادر إلى الذهن فى آية البقرة الختم بالقدرة وفى آية آل عمران الختم بالعلم لكن إذا أنعم النظر علم أنه يجب أن يكون ما عليه التلاوة فى الآيتين وكذلك قوله تعالى فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة مع أن ظاهر الخطاب ذو عقوبة شديدة وإنما قال ذلك نفيا للاغترار بسعة رحمة الله تعالى فى الاجتراء على معصيته وذلك أبلغ فى التهديد ومعناه لا تغتروا بسعة رحمة الله تعالى فى الاجتراء على معصيته فإنه مع ذلك لا يرد عذابه عنكم
وقريب منه رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر