الجزء ١ — ص ٧٢–٨١
المحافظة على الفواصل لحسن النظم والتئامه
الثالث ذكر الزمخشرى فى كشافه القديم أنه لا تحسن المحافظة على الفواصل لمجردها إلا مع بقاء المعانى على سدادها على النهج الذى يقتضيه حسن النظم والتئامه كما لا يحسن تخير الألفاظ المونقة فى السمع السلسلة على اللسان إلا مع مجيئها منقادة للمعانى الصحيحة المنتظمة فأما أن تهمل المعانى ويهتم بتحسين اللفظ وحده غير منظور فيه إلى مؤاده على بال فليس من البلاغة فى فتيل أو نقير ومع ذلك يكون قوله وبالآخرة هم يوقنون وقوله ومما رزقناهم ينفقون لا يتأتى فيه ترك رعاية التناسب فى العطف بين الجمل الفعلية إيثارا للفاصلة لأن ذلك أمر لفظى لا طائل تحته وإنما عدل إلى هذا لقصد الاختصاص $ تقسيم الفواصل باعتبار المتماثل والمتقارب فى الحروف
الرابع أن الفواصل تنقسم إلى ما تماثلت حروفه فى المقاطع وهذا يكون فى السجع وإلى ما تقاربت حروفه فى المقاطع ولم تتماثل وهذا لا يكون سجعا ولا يخلو كل واحد من هذين القسمين أعنى المتماثل والمتقارب من أن يأتى طوعا سهلا تابعا للمعانى أو متكلفا يتبعه المعنى
فالقسم الأول هو المحمود الدال على الثقافة وحسن البيان والثانى هو المذموم فأما القرآن فلم يرد فيه إلا القسم الأول لعلوه فى الفصاحة وقد وردت فواصله متماثلة ومتقاربة
مثال المتماثلة قوله تعالى والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع
وقوله تعالى طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى الرحمن على العرش استوى
وقوله تعالى والعاديات ضبحا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا فأثرن به نقعا فوسطن به جمعا
وقوله تعالى والفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل إذا يسر إلى آخره وحذفت الياء من يسر طلبا للموافقة فى الفواصل
وقوله تعالى اقتربت الساعة وانشق القمر وجميع هذه السورة على الازدواج
وقوله تعالى فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس
وقوله تعالى فلا أقسم بالشفق والليل وما وسق والقمر إذا اتسق لتركبن طبقا عن طبق
وقوله تعالى فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر
وقوله تعالى أمرنا مترفيها ففسقوا فيها
وقوله تعالى ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون
وقوله تعالى فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون
وقوله تعالى كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق الآية
وقوله تعالى لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا
ومثال المتقارب فى الحروف فوله تعالى الرحمن الرحيم مالك يوم الدين
وقوله تعالى ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب
وهذا لا يسمى سجعا قطعا عند القائلين بإطلاق السجع فى القرآن لأن السجع ما تماثلت حروفه
إذا علمت هذا فاعلم أن فواصل القرآن الكريم لا تخرج عن هذين القسمين بل تنحصر فى المتماثلة والمتقاربة وبهذا يترجح مذهب الشافعى على مذهب أبى حنيفة فى عد الفاتحة سبع آيات مع البسملة وذلك لأن الشافعى المثبت لها فى القرآن قال صراط الذين الخ السورة آية واحدة وأبو حنيفة لما أسقط البسملة من الفاتحة قال صراط الذين أنعمت عليهم آية و غير المغضوب عليهم آية ومذهب الشافعى أولى لأن فاصلة قوله صراط الذين أنعمت عليهم لا تشابه فاصلة الآيات المتقدمة ورعاية التشابه فى الفواصل لازم وقوله أنعمت عليهم ليس من القسمين فامتنع جعله من المقاطع وقد اتفق الجميع على أن الفاتحة سبع آيات لكن الخلاف فى كيفية العدد &
تقسيم الفواصل باعتبار المتوازى والمتوازن والمطرف
الخامس قسم البديعيون السجع والفواصل أيضا إلى متواز ومطرف ومتوازن
وأشرفها المتوازى وهو أن تتفق الكلمتان فى الوزن وحروف السجع كقوله تعالى فيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة وقوله والتوراة والإنجيل ورسولا إلى بني إسرائيل
والمطرف أن يتفقا فى حروف السجع لافى الوزن كقوله تعالى ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا
والمتوازن أن يراعى فى مقاطع الكلام الوزن فقط كقوله تعالى ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة
وقوله تعالى وآتيناهما الكتاب المستبين وهديناهما الصراط المستقيم فلفظ الكتاب والصراط متوازنان ولفظ المستبين والمستقيم متوازنان
وقوله فاصبر صبرا جميلا إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن
وقوله تعالى كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى
وقوله والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى إلى آخرها
وقوله والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى إلى آخرها وقد تكرر فى سورة حمعسق فى قوله تعالى والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له
إلى آخر الآيات السبع فجمع فى فواصلها بين شديد وقريب وبعيد وعزيز ونصيب وأليم وكبير على هذا الترتيب وهو فى القرآن كثير وفى المفصل خاصة فى قصاره
ومنهم من يذكر بدله الترصيع وهو أن يكون المتقدم من الفقرتين مؤلفا من كلمات مختلفة والثانى مؤلفا من مثلها فى ثلاثة أشياء وهى الوزن والتقفيه وتقابل القرائن قيل ولم يجىء هذا القسم فى القرآن العظيم لما فيه من التكلف
وزعم بعضهم أن منه قوله تعالى إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم وليس كذلك لورود لفظة إن و لفى كل واحد من الشطرين وهو مخالف لشرط الترصيع إذ شرطه اختلاف الكلمات فى الشطرين جميعا
وقال بعض المغاربة سورة الواقعة من نوع الترصيع وتتبع آخر آيها يدل على أن فيها موازنة
قالوا وأحسن السجع ما تساوت قرائنه ليكون شبيها بالشعر فإن أبياته متساوية كقوله تعالى في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وعلته أن السمع ألف الانتهاء إلى غاية فى الخفة بالأولى فإذا زيد عليها ثقل عنه الزائد لأنه يكون عند وصولها إلى مقدار الأول كمن توقع الظفر بمقصوده
ثم طالت قرينته الثانية كقوله والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى أو الثالثة كقوله تعالى خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه
وهو إما قصير كقوله والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا
أو طويل كقوله إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور
أو متوسط كقوله اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر
ائتلاف الفواصل مع ما يدل عليه الكلام
السادس اعلم أن من المواضع التى يتأكد فيها إيقاع المناسبة مقاطع الكلام وأواخره وإيقاع الشىء فيها بما يشاكله فلا بد أن تكون مناسبة للمعنى المذكور أولا وإلا خرج بعض الكلام عن بعض
وفواصل القرآن العظيم لا تخرج عن ذلك لكن منه ما يظهر ومنه ما يستخرج بالتأمل للبيب
وهى منحصرة فى أربعة أشياء التمكين والتوشيح والإيغال والتصدير
والفرق بينها أنه أن كان تقدم لفظها بعينه فى أول الآية سمى تصديرا وإن كان فى
أثناء الصدر سمى توشحيا وإن أفادت معنى زائدا بعد تمام معنى الكلام سمى إيغالا وربما اختلط التوشيح بالتصدير لكون كل منهما صدره يدل على عجزه والفرق بينهما أن دلالة التصدير لفظية ودلالة التوشيح معنوية
الأول التمكين وهو أن تمهد قبلها تمهيدا تأتى به الفاصلة ممكنة فى مكانها مستقرة فى قرارها مطمئنة فى موضعها غير نافذة ولا قلقة متعلقا معناها بمعنى الكلام كله تعلقا تاما بحيث لو طرحت اختل المعنى واضطرب الفهم
وهذا الباب يطلعك على سر عظيم من أسرار القرآن فاشدد يديك به
ومن أمثلته قوله تعالى ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا فإن الكلام لو اقتصر فيه على قوله وكفى الله المؤمنين القتال لأوهم ذلك بعض الضعفاء موافقة الكفار فى اعتقادهم أن الريح التى حدثت كانت سبب رجوعهم ولم يبلغوا ما أرادوا وأن ذلك أمر اتفاقى فأخبر سبحانه فى فاصلة الآية عن نفسه بالقوة والعزة ليعلم المؤمنين ويزيدهم يقينا وإيمانا على أنه الغالب الممتنع وأن حزبه كذلك وأن تلك الريح التى هبت ليست اتفاقا بل هى من إرساله سبحانه على أعدائه كعادته وأنه ينوع النصر للمؤمنين ليزيدهم إيمانا وينصرهم مرة بالقتال كيوم بدر وتارة بالريح كيوم الأحزاب وتارة بالرعب كبنى النضير وطورا ينصر عليهم كيوم أحد تعريفا لهم أن الكثرة لا تغنى شيئا وأن النصر من عنده كيوم حنين
ومنه قوله تعالى أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون
فانظر إلى قوله فى صدر الآية التى الموعظة فيها سمعية أولم يهد لهم ولم يقل أولم يروا وقال بعد ذكر الموعظة أفلا يسمعون لأنه تقدم ذكر الكتاب وهو مسموع أو أخبار القرون وهو كما يسمع وكيف قال فى صدر الآية التى موعظتها مرئية أولم يروا وقال بعدها أفلا يبصرون لأن سوق الماء إلى الأرض الجرز مرئى
ومنه قوله تعالى قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد فإنه لما تقدم ذكر العبادة والتصرف فى الأموال كان ذلك تمهيدا تاما لذكر الحلم والرشد لأن الحلم الذى يصح به التكليف والرشد حسن التصرف فى الأموال فكان آخر الآية مناسبا لأولها مناسبة معنوية ويسميه بعضهم ملاءمة
ومنه قوله تعالى لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير فإنه سبحانه لما قدم نفى إدراك الأبصار له عطف على ذلك قوله وهو اللطيف خطابا للسامع بما يفهم إذ العادة أن كل لطيف لا تدركه الأبصار ألا ترى أن حاسة البصر إنما تدرك اللون من كل متلون والكون من كل متكون فإدراكها إنما هو للمركبات دون المفردات ولذلك لما قال وهو يدرك الأبصار عطف عليه قوله الخبير مخصصا لذاته سبحانه بصفة الكمال لأنه ليس كل من أدرك شيئا كان خبيرا بذلك الشىء لأن المدرك للشىء قد يدركه ليخبره ولما كان الأمر أخبر سبحانه وتعالى
أنه يدرك كل شىء مع الخبرة به وإنما خص الإبصار بإدراكه ليزيد فى الكلام ضربا من المحاسن يسمى التعطف ولو كان الكلام لا تبصره الأبصار وهو يبصر الأبصار لم تكن لفظتا اللطيف الخبير مناسبتين لما قبلهما
ومنه قوله تعالى ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد إلى قوله لرؤوف رحيم إنما فصل الأولى ب لطبف خبير لأن ذلك فى موضع الرحمة لخلقه بإنزال الغيث وإخراج النبات من الأرض ولأنه خبير بنفعهم وإنما فصل الثانية ب غنى حميد لأنه قال له ما في السماوات وما في الأرض أى لا لحاجة بل هو غنى عنهما جواد بهما لأنه ليس غنى نافعا غناه إلا إذا جاد به وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليه واستحق عليه الحمد فذكر الحمد على أنه الغنى النافع بغناه خلقه وإنما فصل الثالثة برؤوف رحيم لأنه لما عدد للناس ما أنعم به عليهم من تسخير ما فى الأرض لهم وإجراء الفلك فى البحر لهم وتسييرهم فى ذلك الهول العظيم وجعله السماء فوقهم وإمساكه إياها عن الوقوع حسن ختامه بالرأفة والرحمة
ونظير هذه الثلاث فواصل مع اختلافها قوله تعالى فى سورة الأنعام وهو الذي جعل لكم النجوم الآيات
وقوله تعالى له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد فقال الغنى الحميد لينبه على أن ما له ليس لحاجة بل هو غنى عنه جواد به وإذا جاد به حمده المنعم عليه إذ حميد كثير المحاميد الموجبة تنزيهه عن الحاجة والبخل وسائر النقائض فيكون غنيا مفسرا بالغنى المطلق لا يحتاج فيه لتقدير غنى عنه
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر