الجزء ١ — ص ٩٢–١٠١
وأما قوله تعالى ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم فمناسبة الجزاء للشرط أنه لما أقدم المؤمنون وهم ثلاثمائة وبضعة عشر على قتال المشركين وهم زهاء ألف متوكلين على الله تعالى وقال المنافقون غر هؤلاء دينهم حتى أقدموا على ثلاثة أمثالهم عددا أو أكثرهم قال الله تعالى ردا على المنافقين وتثبيتا للمؤمنين ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم فى جميع أفعاله
وأما قوله تعالى وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا فإن قيل ما وجه الختام بالحلم والمغفرة عقيب تسابيح الأشياء وتنزيهها أجاب صاحب الفنون بثلاثة أوجه
أحدها إن فسرنا التسبيح على ما درج فى الأشياء من العبر وأنها مسبحات بمعنى مودعات من دلائل العبر ودقائق الإنعامات والحكم ما يوجب تسبيح المعتبر المتأمل فكأنه سبحانه يقول إنه كان من كبير إغفالكم النظر فى دلائل العبر مع امتلاء الأشياء بذلك وموضع العتب قوله وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون كذلك موضع المعتبة قوله ولكن لا تفقهون تسبيحهم وقد كان ينبغى أن يعرفوا بالتأمل ما يوجب القربة لله مما أودع مخلوقاته بما يوجب تنزيهه فهذا موضع حلم وغفران عما جرى فى ذلك من الإفراط والإهمال
الثانى إن جعلنا التسبيح حقيقة فى الحيوانات بلغاتها فمعناه الأشياء كلها تسبحه
وتحمده ولا عصيان فى حقها وأنتم تعصون فالحلم والغفران للتقدير فى الآية وهو العصيان
وفى الحديث لولا بهائم رتع وشيوخ ركع وأطفال رضع لصب عليكم العذاب صبا
الثالث أنه سبحانه قال فى أولها تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده أى أنه كان لتسابيح المسبحين حليما عن تفريطهم غفورا لذنوبهم ألا تراه قال فى موضع آخر والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم وكأنها اشتتملت على ثلاثة معان إما العفو عن ترك البحث المؤدى إلى الفهم لما فى الأشياء من العبر وأنتم على العصيان أو يريد بها الأشياء كلها تسبحه ومنها ما يعصيه ويخالفه فيغفر عصيانهم بتسابيحهم
تنبيه
قد تكون الفاصلة لا نظير لها فى القرآن كقوله تعالى عقب الأمر بالغض فى سورة النور إن الله خبير بما يصنعون وقوله عقب الأمر بطلب الدعاء والإجابة لعلهم يرشدون وقيل فيه تعريض بليلة القدر أى لعلهم يرشدون إلى معرفتها
وإنما يحتاجون للإرشاد إلى ما لا يعلمون فإن هذه الآية الكريمة ذكرت عقب الأمر بالصوم وتعظيم رمضان وتعليمهم الدعاء فيه وأن أرحى أوقات الإجابة فيه ليلة القدر
الثانى التصدير كقوله تعالى لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى
وقوله فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا
وقوله خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون
وقوله فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه وقوله فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون
وقوله وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون
وقوله وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون فجعل لفاصلة يزرون لجناس أوزارهم وإنما قال على ظهورهم ولم يقل على رءوسهم لأن الظهر أقوى للحمل فأشار إلى ثقل الأوزار
وقوله فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا
وقوله وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه
وقوله أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا
وقوله رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين
الثالث التوشيح ويسمى به لكون نفس الكلام يدل على آخره نزل المعنى منزلة الوشاح ونزل أول الكلام وآخره منزلة العاتق والكشح اللذين يجول عليهما الوشاح ولهذا قيل فيه إن الفاصلة تعلم قبل ذكرها
وسماه ابن وكيع المطمع لأن صدره مطمع فى عجزه كقوله تعالى ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين
وقوله إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين فإن معنى اصطفاء المذكورين يعلم منه الفاصلة إذ المذكورون نوع من جنس العالمين
وقوله وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون فإنه من كان حافظا لهذه السورة متيقظا إلى أن مقاطع فواصلها النون المردفة وسمع فى صدر هذه الآية وآية لهم الليل نسلخ منه النهار علم أن الفاصلة مظلمون فإن من انسلخ النهار عن ليلة أظلم ما دامت تلك الحال
وقوله يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره فإن قوله ليروا أعمالهم يدل على التقسيم
وقوله وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير
وقوله ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير
الرابع الإيغال وسمى به لأن المتكلم قد تجاوز المعنى الذى هو آخذ فيه وبلغ إلى زيادة على الحد يقال أوغل فى الأرض الفلانية إذا بلغ تمنهاها فهكذا المتكلم إذا تم معناه ثم تعداه بزيادة فيه فقد أوغل كقوله تعالى أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون فإن الكلام تم بقوله ومن أحسن من الله حكما ثم احتاج إلى فاصلة تناسب القرينة الأولى فلما أتى بها أفاد معنى زائدا
وكقوله تعالى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين فإن المعنى قد تم بقوله ولا تسمع الصم الدعاء ثم أراد أن يعلم تمام الكلام بالفاصلة فقال إذا ولوا مدبرين
فإن قيل ما معنى مدبرين وقد أغنى عنها ولوا قلت لا يغنى عنها ولوا فإن التولى قد يكون بجانب دون جانب بدليل قوله أعرض ونأى بجانبه وإن كان ذكر الجانب هنا مجازا ولا شك أنه سبحانه لما أخبر عنهم أنهم صم لا يسمعون أراد تتميم المعنى بذكر توليهم فى حال الخطاب لينفى عنهم الفهم الذى يحصل من الإشارة فإن الأصم يفهم بالإشارة ما يفهم السميع بالعبارة ثم إن التولى قد يكون بجانب مع لحاظه بالجانب الآخر فيحصل له إدراك بعض الإشارة فجعل الفاصلة مدبرين ليعلم أن التولى كان بجميع الجوانب بحيث صار ما كان مستقبلا مستدبرا فاحتجب المخاطب عن المخاطب أو صار من وراثه فخفيت عن عينه الإشارة كما صم أذناه عن العبارة فحصلت المبالغة من عدم الإسماع بالكلية وهذا الكلام وإن بولغ فيه بنفى الإسماع البتة فهو من إيغال الاحتياط الذى أدمجت فيه المبالغة فى نفى الاسماع
وقد يأتى الاحتياط فى غير المقاطع من مجموع جمل متفرقة فى ضروب من الكلام شتى يحملها معنى واحد كقوله تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله الآية
وقوله فأتوا بسورة من مثله
وقوله فأتوا بعشر سور مثله كما يقول الرجل لمن يجحد ما يستحق على درهما ولا دانقا ولا حبة ولا كثيرا ولا قليلا ولو قال ما يستحق على شيئا لأغنى فى الظاهر لكن التفصيل أدل على الاحتياط وعلى شدة الاستتبعاد فى الإنكار
ومنه قوله تعالى اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون فإن المعنى تم
بقوله أجرا ثم زاد الفاصلة لمناسبة رءوس الآى فأوغل بها كما ترى حتى أتى بها تفيد معنى زائدا على معنى الكلام
فصل
فى ضابط الفواصل
ذكره الجعبرى ولمعرفتها طريقان توقيفى وقياسى
الأول التوقيفى روى أبو داود عن أم سلمة لما سئلت عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت كان يقطع قراءته آية آية وقرأت بسم الله الرحمن الرحيم إلى الذين تقف على كل آية فمعنى يقطع قراءته آية آية أى يقف على كل آية وإنما كانت قراءته صلى الله عليه وسلم كذلك ليعلم رءوس الآى
قال ووهم فيه من سماه وقف السنة لأن فعله عليه السلام إن كان تعبدا فهو مشورع لنا وإن كان لغيره فلا فما وقف عليه السلام عليه دائما تحققنا أنه فاصلة وما وصله دائما تحققنا أنه ليس بفاصلة وما وقف عليه مرة ووصله أخرى احتمل الوقف أن يكون لتعريفهما أو لتعريف الوقف التام أو للاستراحة والوصل أن يكون غير فاصلة أو فاصلة وصلها لتقدم تعريفها
الثانى القياسى وهو ما ألحق من المحتمل غير المنصوص بالمنصوص لمناسب ولا محذور فى ذلك لأنه لا زيادة فيه ولا نقصان وإنما غايته أنه محل فصل أو وصل والوقف على كل كلمة جائز ووصل القرآن كله جائز فاحتاج القياسى إلى طريق تعرفه فأقول فاصلة الآية كقرينة السجعة فى النثر وقافية البيت فى النظم وما يذكر من عيوب القافية من
اختلاف الحذو والإشباع والتوجيه فليس بعيب فى الفاصلة وجاز الانتقال فى الفاصلة والقرينة وقافية الأرجوزة من نوع إلى آخر بخلاف قافية القصيد
ومن ثم ترى يرجعون مع عليم و الميعاد مع الثواب و الطارق مع الثاقب
والأصل فى الفاصلة والقرينة المتجردة فى الآية والسجعة المساواة ومن ثم أجمع العادون على ترك عد ويأت بآخرين و ولا الملائكة المقربون بالنساء و كذب بها الأولون بسبحان و لتبشر به المتقين بمريم و لعلهم يتقون بطه من الظلمات إلى النور
و إن الله على كل شيء قدير بالطلاق لم يشاكل طرفيه
وعلى ترك عد أفغير دين الله يبغون بآل عمران أفحكم الجاهلية يبغون بالمائدة وعدوا نظائرها للمناسبة نحو لأولي الألباب بآل عمران و على الله كذبا بالكهف و والسلوى بطه
وقد يتوجه الأمران فى كلمة فيختلف فيها فمنها البسملة وقد نزلت بعض آية فى النمل وبعضها فى أثناء الفاتحة فى بعض الأحرف السبعة
فمن قرأ بحرف نزلت فيه عدها آية ولم يحتج إلى إثباتها بالقياس للنص المتقدم خلافا للدانى ومن قرأ بحرف لم تنزل معه لم يعدها ولزمه من الإجماع على أنها سبع آيات أن يعد عوضها وهو بعد اهدنا
لقوله صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين
أى قراءة الصلاة تعد منها ولا للعبد إلا هاتان و المستقيم محقق فقسمتا بعدها قسمين فكانت عليهم الأولى وهى مماثلة فى الروى لما قبلها
ومنها حروف الفواتح فوجه عدها استقلالها على الرفع والنصب ومناسبة الروى والردف ووجه عدمه الاختلاف فى الكمية والتعلق على الجزء
ومنها بالبقرة عذاب أليم و إنما نحن مصلحون فوجه عده مناسبة الروى ووجه عدمه تعلقه بتاليه
ومنها إلى بني إسرائيل بآل عمران حملا على ما فى الأعراف والشعراء والسجدة والزخرف
ومنها فبشر عباد بالزمر لتقدير تاليه مفعولا ومبتدأ
ومنها والطور و الرحمن و الحاقة و القارعة و والعصر حملا على والفجر و والضحى للمناسبة لكن تفاوتت فى الكمية
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر