الجزء ٢ — ص ٣٧٩–٣٨٨
فما ولا في الماضي والمستقبل متقابلان ولم ولن في الماضي والمستقبل متقابلان ولم كأنه مأخوذ من لا وما لأن لم نفي للإستقبال لفظا فأخذ اللام من لا التي هي لنفي الأمر في المستقبل والميم من ما التي هي لنفي الأمر في الماضي وجمع بينهما إشارة إلى أن في لم المستقبل والماضي وقدم اللام على الميم إشارة إلى أن لا هو أصل النفي ولهذا ينفى بها في أثناء الكلام فيقال لم يفعل زيد ولا عمرو ولن أضرب زيدا ولا عمرا
أما لما فتركيب بعد تركيب كأنه قال لم وما لتوكيد معنى النفي في الماضي وتفيد الاستقبال أيضا ولهذا تفيد لما الاستمرار كما قال الزمخشري إذا قلت ندم زيد ولم ينفعه الندم أي حال الندم لم ينفعه وإذا قلت ندم زيد ولما ينفعه الندم أي حال الندم واستمر عدم نفعه
قلت وقال الفارسي إذا نفي بها الفعل اختصت بنفي الحال ويجوز أن يتسع فيها فينفي بها الحاضر نحو ما قام وما قعد
قال الخويى والفرق بين النفي بلم وما أن النفي بما كقولك ما قام زيد معناه أن وقت الإخبار هذا الوقت وهو إلى الآن ما فعل فيكون النفي في الماضي وأن النفي بلم كقولك لم يقم تجعل المخبر نفسه بالعرض متكلما في الأزمنة الماضية ولأنه يقول في كل زمان في تلك الأزمنة أنا أخبرك بأنه لم يقم
وعلى هذا فتأمل السر في قوله تعالى لم يتخذ ولدا وفي موضع آخر ما اتخذ الله من ولد لأن الأول في مقام طلب الذكر والتشريف به للثواب والثاني في مقام التعليم وهو لا يفيد إلا بالنفي عن جميع الأزمنة
وكذلك قوله ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا وقوله ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا فان مريم كانها قالت اني تفكرت في ازمنة وجودي ومثلتها في عيني لم اك بغيا فهو ابلغ في التنزيه فلا يظن ظان انها تنفي نفيا كليا مع انها نسيت بعض ازمنة وجودها واما هم لما قالوا وما كانت أمك بغيا ما كان يمكنهم ان يقولوا نحن تصورنا كل زمان من ازمنة وجود امك وتنفي عن كل واحد منها كونها بغيا لان أحد لا يلازم غيره فيعلم كل زمان من ازمنة وجوده وانما قالوا لها ان امك اشتهرت عند الكل حتى حكموا عليها حكما واحدا عاما انها مابغت في شيء من ازمنة وجودها
وكذلك قوله تعالى ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون وقوله وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا فانه سبحانه لما قال بظلم كان سبب حسن الهلاك قائما واما الظلم فكان يتوقع في كل زمن الهلاك سواء كانوا غافلين أم لا لكن الله برحمته يمسك عنهم في كل زمان وافقته غفلتهم واما قوله وأهلها غافلون وان جد الظلم لكن لم يبق سببا مع الاصلاح فبقي النفي العام بعدم تحقيق المقتضى في كل زمان
وكذلك قوله وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون لانه لما لم يذكر الظلم لم يتوقع الهلاك فلم يبق متكررا في كل زمان
وكذلك قوله ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وقوله وما كان الله معذبهم ذكر عند ذكر النعمة لم يكن اشارة
الى الحكم في كل زمان تذكيرا بالنعمة قال تعالى وما كان الله معذبهم نفيا واحدا عاما عند ذكر العذاب لئلا يتكرر ذكر العذاب ويتكرر ذكر النعمة لا للمنة بل للتنبيه على سعة الرحمة
وكذلك قال تعالى ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وقال وما جعل عليكم في الدين من حرج ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة وقوله تعالى لم نجعل له من قبل سميا وقال تعالى ولم يجعلني جبارا شقيا وقال تعالى لم نجعل لهم من دونها سترا في جميع مواضع ما حصل المذكور امورا لا يتوقع تجددها وفي جميع المواضع لم يحصل توقع تجدد المذكور
فاستمسك بما ذكرنا واجعله اصلا فانه من المواهب الربانية
$ النوع السادس والاربعون & في اساليب القرآن وفنونه البليغة
وهو المقصود الاعظم من هذا الكتاب وهو بيت القصيدة واول الجريدة وغرة الكتيبة وواسطة القلادة ودرة التاج وانسان الحدقة على انه قد تقدمت الاشارة للكثير من ذلك
اعلم ان هذا علم شريف المحل عظيم المكان قليل الطلاب ضعيف الاصحاب ليست له عشيرة تحميه ولا ذوو بصيرة تستقصيه وهو ارق من الشعر واهول من البحر واعجب من السحر وكيف لايكون وهو المطلع على اسرار القرآن العظيم الكافل بابراز اعجاز النظم المبين ما اودع من حسن التاليف وبراعة التركيب وما تضمنه في الحلاوة وجلله في رونق الطلاوة مع سهولة كلمة وجزالتها وعذوبتها وسلاستها ولا فرق بين ما يرجع الحسن إلى اللفظ أو المعنى
وشذ بعضهم فزعم ان موضع صناعة البلاغة فيه انما هو المعاني فلم يعد الاساليب البليغة والمحاسن اللفظية
والصحيح ان الموضزع مجموع المعاني والالفاظ اذ اللفظ مادة الكلام الذي منه يتالف ومتى اخرجتا الألفاظ عن ان تكون موضوعا خرجت عن جملة الاقسام المعتبرة اذ لايمكن ان توجد الا بها
وها انا القي اليك منه ما يقضي له البليغ عجبا ويهتز به الكاتب طربا فمنه التوكيد باقسامه والحذف باقسامه الايجاز التقديم والتاخير القلب المدرج الاقتصاص الترقي التغليب الالتفات التضمين وضع الخبر موضع الطلب وضع الطلب موضع الخبر وضع النداء موضع التعجب وضع جملة القلة موضع الكثرة تذكير المؤنث تانيث المذكر التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي عكسه مشاكله اللفظ للمعنى النحت الابدال المحاذاة قواعد في النفي والصفات إخراج الكلام مخرج الشك في اللفظ دون الحقيقة الاعراض عن صريح الحكم الهدم التوسع الاستدراج التشبيه الاستعارة التورية التجريد التجنيس الطباق المقابلة الجام الخصم بالحجة التقسيم التعديد مقابلة الجمع بالجمع قاعدة فيما ورد في القرآن مجموعا تارة ومفردا أخرى وحكمه ذلك قاعدة اخرى في الضمائر قاعدة في السؤال والجواب الخطاب بالشئ عن اعتقاد المخاطب التادب في الخطاب تقديم ذكر الرحمة على العذاب الخطاب بالاسم الخطاب بالفعل قاعدة في ذكر الموصولات والظرف تارة وحذفها اخرى قاعدة في النهي ودفع التناقض عما يوهم ذلك وملاك ذلك الايجاز والاطناب قال صاحب الكشاف كما انه يجب على البليغ في مظان الاجمال والايجاز ان يجمل ويوجز فكذلك الواجب عليه في موارد التفصيل ان يفصل ويشبع وانشد الجاحظ % % يرمون بالخطب الطوال وتارة % % وحي الملاحظ خيفة الرقباء % %
$ الاسلوب الاول & التاكيد
والقصد منه الحمل على مالم يقع ليصير واقعا ولهذا لايجوز تأكيد الماضي ولا الحاضر لئلا يلزم تحصيل الحاصل وانما يؤكد المستقبل وفيه مسائل
الاولى جمهور الامة على وقوعه في القرآن والسنة وقال قوم ليس فيهما تاكيد ولا في اللغة بل لابد ان يفيد معنى زائدا على الاول واعترض الملحدون على القرآن والسنة بما فيهما من التاكيدات وانه لافائدة في ذكرها وان من حق البلاغة في النظم ايجاز اللفظ واستيفاء المعنى وخير الكلام ما قل ودل ولا يمل والافادة خير من الاعادة وظنوا انه انما يجئ لقصور النفس عن تادية المراد بغير تاكيد ولهذا انكروا وقوعه في القرآن
واجاب الاصحاب بان القرآن نزل على لسان القوم وفي لسانهم التأكيد والتكرار وخطابه اكثر بل هو عندهم معدود في الفصاحة والبراعة ومن انكر وجوده في اللغة فهو مكابر اذ لولا وجوده لم يكن لتسميته تاكيدا فائدة فان الاسم لايوضع الا لمسمى معلوم لافائدة فيه بل فوائد كثيرة كما سنبينه
الثانية حيث وقع فهو حقيقة وزعم قوم انه نجاز لأنه لايفيد الا ما افاده المذكور الاول حكاه الطرطوسي في العمدة ثم قال ومن سمى التاكيد مجازا فيقال له اذا كان
التاكيد بلفظ الاول نحو عجل عجل ونحوه فان جاز ان يكون الثاني مجازا جاز في الاول لانهما في لفظ واحد واذا بطل حمل الاول على المجاز بطل حمل الثاني عليه لانه قبل الاول
الثالثة انه خلاف الاصل فلا يحمل اللفظ على التاكيد الا عند تعذر حمله على مدة محددة
الرابعة يكتفي في تلك باي معنى كان وشرط وما قاله ضعيف لان المفهوم من دلالة اللفظ ليس من باب الألفاظ حتى يحذو به حذو الالفاظ
الخامسة في تقسيمه وهو صناعي يتعلق باصطلاح النحاة ومعنوي واقسامه كثيرة فلنذكر ما تيسر منها & القسم الاول التوكيد الصناعي
وهو قسمان لفظي ومعنوي فاللفظي تقرير معنى الاول بلفظ أو مرادفه فمن المرادف فجاجا سبلا ضيقا حرجا في قراءة كسر الراء وغرابيب سود
وجعل الصفار منه قوله تعالى فيما إن مكناكم فيه على القول بان كلاهما للنفي
واللفظي يكون في الاسم النكرة بالاجماع نحو قواريرا قوارير وجعل ابن مالك وابن عصفور منه دكا دكا و صفا صفا وهو مردود لانه جاء في التفسير أن معنى دكا دكا دكا بعد دك وان الدك كرر عليها حتى صار هباء منثورا وان معنى صفا صفا انه تنزل ملائكة كل سماء يصطفون صنفا بعد صف محدقين بالانس والجن وعلى هذا فليس الثاني منهما تكرارا للاول بل المراد به التكثير نحو جاء القوم رجلا رجلا وعلمته الحساب بابا بابا
وقد ذكر ابن جني في قوله تعالى إذا وقعت الواقعة إذا رجت إن رجت بدل من وقعت وكررت إذا تاكيدا لشدة امتزاج المضاف بالمضاف اليه
ويكون في اسم الفعل كقوله تعالى هيهات هيهات لما توعدون وفي الجملة نحو فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ولكون
الله تبارك وتعالى رضي الله عنهن الرب عز وجل الجملة الثانية للتوكيد سقطت من مصحف ابن مسعود ومن قراءته
والاكثر فصل الجملتين بثم كقوله وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون
يكون في المجرور كقوله وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها 6 والأكثر فيه اتصاله بالمذكور
وزعم الكوفيون انه لا يجوز الفصل بين التوكيد المؤكد قال الصفار في شرح سيبويه والسماع يرده قال تعالى وهم بالآخرة هم كافرون فان هم الثانية تاكيد للاولى وقوله وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها وقوله فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به الا ترى ان قبله ولما جاءهم كتاب فاكد لما وبينهما كلام واصله يستفتحون على الذين كفروا فكرر للطول الذي بين لما وجوابها وقوله أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون في أحد القولين لانه اكد ان بعد مافصل
وقوله تعالى إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين ريب انهم اجتمعوا في الهلاك وان قوم موسى اجتمعوا في النجا
ومنه قوله تعالى حكاية عن يوسف وأتوني بأهلكم أجمعين فلم يرد بهذا ان يجتمعوا عنده وان جاءوا واحدا بعد واحد وانما اراد اجتماعهم في المعنى اليه والا
يتخلف منهم أحد وهذا يعلم من السياق والقرينة
ومن القرينة الدالة على ذلك في قصة الملائكة لفظا ان قوله كلهم يفيد الشمول والاحاطة فلا بد ان يفيد أجمعون قدرا زائدا على ذلك وهو اجتماعهم في السجود هذا في اللفظ واما المعنى فلان الملائكة لم تكن ليتخلف أحد منهم عن امتثال الامر ولا يتاخر عنده ولا سيما وقد وقت لهم بوقت وحد لهم بحد وهو التسوية ونفخ الروح فلما حصل ذلك سجدوا كلهم عن آخرهم في آن واحد ولم يتخلف منهم أحد فعلى هذا يخرج كلام المبرد الزمخشري ز
وما نقل عن بعض المتكلمين ان السجود لم يستعمل على الكل بدليل قوله أستكبرت أم كنت من العالين مردود بل العالون المتكبرون وفي رسائل اخوان الصفاء ان العالين هم العقول العاقة التي لم تسجد وهذا تحريف ولم يقم دليل على اثبات العقول التي تدعيها الفلاسفة ز
ووقع خلاف في ان ابليس من الملائكة أم لا والتحقيق انه ليس منهم عنصرا ففي صحيح مسلم خلقت الملائكة من نور وخلقت الجان من النار وخلق آدم مما وصف لكم وهو منهم حكما لدخوله في الخطاب بالامر بالسجود معهم ولو كان من غيرهم لم يدخل معهم
واما قوله إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين فلم يذكر قبله كلهم لما
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر