علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٨٧ من ١٩٤

الجزء ٢ — ص ٣٦٩–٣٧٨

والنكته في ذلك كله تفخيم الجزاء والمعنى ان الجزاء هو الكامل البالغ النهاية يعني من يبخل في أداء ربع العشر فقد بالغ في البخل وكان هو البخيل في الحقيقة & ( 11 )

الحادية عشرة في اعتراض الشرط على الشرط وقد عدوا من ذلك آيات شريفة بعضها مستقيم وبعضها بخلافه

الآية الاولى قوله تعالى فأما إن كان من المقربين فروح وريحان الآية قال الفارسي قد اجتمع هنا شرطان وجواب واحد فليس يخلو اما ان يكون جوابا لاما أو لان ولا يجوز ان يكون جواب لهما لانا لم نر شرطين لهما جواب واحد ولو كان هذا الجاز شرط واحد له جوابان ولا يجوز ان يكون جوابا لان دون اما لان اما لم تستعمل بغير جواب فجعل جوابا لاما فتجعل اما وما بعدها جوابا لان

وتابعه ابن مالك في كون الجواب لاما

وقد سبقهما اليه امام الصناعة سيبويه ونازع بعض المتاخرين في عد هذه الآية من هذا قال وليس من الاعتراض ان يقرن الثاني بفاء الجواب لفظا نحو ان تكلم زيد فان اجاد فاحسن اليه لان الشرط الثاني وجوابه جواب الاول أو يقرن بفاء الجواب تقديرا كهذه الاية الشريفة لان الاصل عند النجاة مهما يكن من شئ فان كان المتوفي من المقربين فجزاؤه روح فحذف مهما وجملة شرطها وانيب عنها اما

فصار اما فان كان مفردا من ذلك لوجهين احدهما ان الجواب لايلي اداة الشرط بغير فاصل وثانيهما ان الفاء في الاصل للعطف فحقها ان تقع بين سببين وهما المتعاطفان فلما اخرجوها من باب العطف حفظوا عليها المعنى الاخر وهو التوسط فوجب ان يقدم شئ مما في حيزها عليها اصلاحا للفظ فقدمت جملة الشرط الثاني لانها كالجزاء الواحد كما قدم المفعول في قوله تعالى فأما اليتيم فلا تقهر فصار فأما إن كان من المقربين فروح فحذفت الفاء التي في جواب ان لئلا يلتقي فاءان

فتخلص ان جواب اما ليس محذوفا بل مقدما بعضه على الفاء فلا اعتراض

الآية الثانية قوله تعالى عن نوح ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم وانما يكون من هذا لو كان ولا ينفعكم نصحي مؤخرا بعد الشرطين أو لازما ان يقدر كذلك وكلا الامرين منتف

اما الاول فظاهر واما الثاني فلان ولا ينفعكم نصحي ان اردت ان انصح لكم جملة تامة اما على مذهب الكوفيين فمن شرط مؤخر وجزاء مقدم واما على مذهب البصريين فالمقدم دليل الجزاء والمدلول عليه محذوف فيقدر بعد شرطه فلم يقع الشرط الثاني معترضا لان المراد بالمعترض ما اعترض بين الشرط وجوابه وهنا ليس كذلك فان على مذهب الكوفيين لا حذف والجواب مقدم وعلى قول البصريين الحذف بين الشرطين

وهنا فائدة وهي انه لم عدل عن ان نصحت الي إن أردت أن أنصح وكانه والله أعلم أدب مع الله تعالى حيث اراد الاغواء وقد احسن الزمحشري فلم يات بلفظ الاعتراض في الاية بل سماه مرادفا هو صحيح وقال ان قوله تعالى إن كان الله يريد أن يغويكم جزاؤه ما دل عليه قوله ولا ينفعكم نصحي

وجعل ابن مالك تقدير الآية ان اردت انصح لكم مرادا ذلك منكم لاينفعكم نصحي وهو يجعله من باب الاعتراض وفيه ما ذكرنا

الآية الثالثة قوله تعالى وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي الاية وهي كالتي قبلها لتقدم الجزاء أو دليله على الشرطين فالاحتمال فيها كما قدمنا وقال الزمخشري شرط في الاحلال هبتها نفسها وفي الهبة إرادة الاستنكاح كانه قال احللناها لك ان وهبت نفسها لك وانت تريد ان تنكحها لان ارادته هي قبول الهبة وما به تم

وحاصله ان الشرط الثاني مقيد للأول

ويحتمل ان يكون من الاعتراض كانه قال ان وهبت نفسها ان اراد النبي احللناها فيكون جوابا للاول ويقدر جواب الثاني محذوفا

الآية الرابعة قوله تعالى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين

وغلط من جعلها من الإعتراض لأن الشرط الأول إقترن بجوابه ثم اتى بالثاني بعد ذلك وإذا ذكر جواب الثاني تاليا له فأي إعتراض هنا لهذا قال المجوزون لهذه المسألة إن الجواب المذكور للأول وجواب الثاني محذوف لدلالة الأول وجوابه عليه والتقدير في الآية إن كنتم مسلمين فإن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا فحذف الجواب لدلالة السابق عليه

الآية الخامسة قوله تعالى وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا وكلام ابن مالك يقتضي أنها من الإعتراض وليس كذلك بل عطف هل الشرط على فعل آخر

الآية السادسة قوله تعالى ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات إلى قوله لعذبنا وهذه الآية هي العمدة في هذا الباب فالشرطان وهما لولا و لو قد إعترضا وليس معهما إلا جوابا واحدا وهو متأخر عنهما وهو لعذبنا

الآية السابعة قوله تعالى إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية وهذه تاتي على مذهب الاخفش فانه يزعم ان قوله تعالى الوصية على تقدير الفاء أي فالوصية فعلى هذا يكون مما نحن فيه فاما اذا رفعت الوصية ب كتب فهي كالآيات السابقة في حذف الجوابين

& تنبيه في ضابط اعتراض الشرط على الشرط

ذكر بعضهم ضابطا في هذه المسألة فقال اذا دخل الشرط على الشرط فان كان الثاني بالفاء فالجواب المذكور جوابه وهو وجوابه جواب الشرط الاول كقوله تعالى فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم

وان كان بغير الفاء فان كان الثاني متاخرا في الوجود عن الاول كان مقدر بالفاء وتكون الفاء جواب الاول والجواب المذكور جواب الثاني نحو ان دخلت المسجد ان صليت فيه فلك اجر تقديره فان صليت فيه فحذفت الفاء لدلالة الكلام عليها

وان كان الثاني متقدما في الوجود على الاول فهو في نية التقديم وما قبله جوابه والفاء مقدرة فيه كقوله تعالى ولا ينفعكم نصحي تقديره ان اراد الله ان يغويكم فان اردت ان انصح لكم لا ينفعكم نصحي

واما ان لم يكن احدهما متقدما في الوجود وكان كل واحد منهما صالحا لان يكون هو المتقدم والآخر متاخرا كقوله تعالى وامرأة مؤمنة إن وهبت كان الحكم راجعا إلى التقدير والنية فايهما قدرته الشرط كان الاخر جوابا له

وان كان مقدرا بالفاء كان المتقدم في اللفظ أو المتاخر فان قدرنا الهبة شرطا كانت الارادة جوابا له

3 وان كان مقدرا بالفاء كان المتقدم في اللفظ أو المتاخر فان قدرنا الهبة شرطا كانت الارداة جوابا ويكون التقدير ان وهبت نفسها للنبي فان اراد النبي ان يستنكحها وان قدرنا الارادة شرطا كانت الهبة جزاء وكان التقدير ان اراد النبي ان يستنكحها فان وهبت نفسها للنبي

وعلى كلا التقديرين فجواب الشرط الذي هو الجواب محذوف والتقدير فهي حلال لك وقس عليه ما يرد عليك من هذا الباب & فائدة قد يسمى الشرط يمينا

قال ابن حني في كتاب القد يجوز ان يسمى الشرط يمينا لان كل واحد منهما مذكور لما بعده وهو جملة مضمومه إلى اخرى وقد جرت الجملتان مجرى الجملة الواحدة فمن هنا يجوز ان يسمى الشرط يمينا الا ترى ان كل واحد منهما مذكور لما بعده & القسم وجوابه

وهما جملتان بمنزلة الشرط وجوابه وسنتكلم عليه في الاساليب ان شاء الله تعالى في باب التاكيد والقسم لفظه لفظ الخبر ومعناه الانشاء والالتزام بفعل المحلوف عليه أو تركه وليس باخبار عن شيء وقع أو لا يقع وان كان لفظه المضي أو الاستقبال وفائدته تحقق الجواب عند السامع وتاكده ليزول عنه التردد فيه & الامر

الامر حيث وقع في القرآن كان بغير الحرف كقوله تعالى وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ادخلوا مساكنكم اخرجوا من دياركم كلوا من ثمره

وجاء بالحرف في مواضع يسيرة على قراءة بعضهم / < فبذلك فلتفرحوا > / ووجهه أنه من باب حمل المخاطب على الغائب إلى الخطاب فكانه لاغائب ولا حاضر وذلك لان قوله تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا فيه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين وخطاب الله تعالى مع النبي للمؤمنين كخطاب الله تعالى لهم فكانهما اتحدا في الحكم ووجود الاستماع والاتباع فصار المؤمنون كانهم مخاطبون في المعنى فاتى بالام كانه يأمر قوما غيبا وبالتاء للخطاب كانه يامر حضورا ويؤيد هذا قوله تعالى في أول الاية يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم الآية فصار المؤمنون مخاطبين ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم قل بفضل الله وبرحمته فبذلك ينبغي ان يكون فرحهم فصاروا مخاطبين من وجه دون وجه

ونظيره حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم الا ان ذلك جعل في كلمتين وحالتين وهذا في كلمة واحدة

ومنها قوله تعالى اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد

ومنها قوله تعالى ليقض علينا ربك & النفي

هو شطر الكلام كله لان الكلام اما اثبات أو نفي وفيه قواعد

الأولى في الفرق بينه وبين الجحد قال ابن الشجري ان كان النافي صادقا فيما قاله سمي كلامه نفيا وان كان يعلم كذب ما نفاه كان جحدا فالنفي اعم لان كل جحد نفي من غير عكس فيجوز ان يسمى الجحد نفيا لان النفي اعم ولا يجوز ان يسمى النفي جحدا

فمن النفي ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ومن الجحد نفي فرعون وقومه آيات موسى عليه السلام قال الله تعالى فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا اي وهم يعلمون انها من عند الله

وكذلك اخبار الله عمن كفر من اهل الكتاب ما جاءنا من بشير ولا نذير فاكذبهم الله بقوله انظر كيف كذبوا على أنفسهم

وقوله يحلفون بالله ما قالوا فأكذبهم الله بقوله ولقد قالوا كلمة الكفر

قال ومن العلماء من لايفرق بينهما والاصل ماذكرته & ( 2 )

الثانية زعم بعضهم ان من شرط صحة النفي عن الشيء صحة اتصاف المنفي عنه بذلك

الشيء ومن ثم قال بعض الحنفية ان النهي عن الشيء يقتضي الصحة وذلك باطل بقوله تعالى وما الله بغافل عما يعملون وما كان ربك نسيا لا تأخذه سنة ولا نوم وهو يطعم ولا يطعم ونظائره

والصواب ان انتفاء الشيء عن الشيء قد يكون لكونه لا يمكن منه عقلا وقد يكون لكونه لا يقع منه مع امكانه فنفى الشيء عن الشيء لايستلزم امكانه & ( 3 )

الثالثة المنفي ما ولى حرف النفي فاذا قلت ماضربت زيدا كنت نافيا للفعل الذي هو ضربك اياه واذا قلت ما انا ضربته كنت نافيا لفاعليتك للضرب فان قلت الصورتان دلتا على نفي الضرب فما الفرق بينهما قلت من وجهين

احدهما ان الاولى نفت ضربا خاص وهو ضرك اياه ولم تدل على وقوع ضرب غيرك ولا عدمه اذا نفي الاخص لايستلزم نفي الاعم ولا ثبوته والثانيه نفت كونك ضربته ودلت على ان غيرك ضربه بالمفهوم

الثاني ان الاولى دلت على نفي ضربك له بغير واسطة والثانية دلت على نفيه بواسطة واما قوله ما قلت لهم إلا ما أمرتني به

الرابعة اذا كان الكلام عاما ونفيته فان تقدم حرف النفي اداة العموم كان نفيا للعموم وهو لا ينافي الاثبات الخاص فاذا قلت لم افعل كذا بل بعضه استقام وان تقدم صيغه العموم على النفي قلت كل ذا لم افعله كان النفي عاما ويناقضه الاثبات الخاص وحكى الامام في نهاية الايجاز عن الشيخ عبد القاهر ان نفي العموم يقتضي خصوص الاثبات فقوله لم افعل كله يقتضي انه فعل بعضه قال وليس كذلك الا عند من يقول بدليل الخطاب بل الحق ان نفي العموم كما لا يقتضي عموم النفي لايقتضي خصوص الاثبات

الخامسة أدواته كثيرة قال الخوي واصلها لا وما لان النفي اما في الماضي واما في المستقبل والاستقبال اكثر من الماضي ابدا ولا اخف من ما فوضعوا الأخف للأكثر

ثم ان النفي في الماضي اما ان يكون نفيا واحدا مستمرا واما ان يكون نفيا فيه احكام متعدده وكذلك النفي في المستقبل فصار النفي على اربعة اقسام واختاروا له اربع كلمات ما لم لن لا

وأما ان ولما فليسا باصليين

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر