الجزء ٢ — ص ٣٥٩–٣٦٨
& ( 4 )
الرابعة جواب الشرط اصله الفعل المستقبل وقد يقع ماضيا لا على انه جواب في الحقيقة نحو ان اكرمتك فقد اكرمتني اكتفاء بالموجود عن المعدوم
ومثله قوله تعالى إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ( 1 ) ومس القرح قد وقع بهم والمعنى ان يؤلمكم ما نزل بكم فيؤلمهم ما وقع فالمقصود ذكر الالم الواقع لجميعهم فوقع الشرط والجزاء على الالم
واما قوله تعالى إن كنت قلته فقد علمته 2 فعلى وقوع الماضي موقع المستقبل فيهما دليله قوله تعالى ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق 2 أي 6 إن كنت قلته 2 تكن قد علمته وهو عدول إلى الجواب إلى ماهو ابدع منه كما سبق
واما قوله تعالى وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين 3 فالمعنى والله اعلم ما انت بمصدق لنا ولو ظهرت لك براءتنا بتفضيلك اياه علينا وقد اتوه بدلائل كاذبة ولم يصدقهم وقرعوه بقولهم إنك لفي ضلالك القديم 4 واجماعهم على إرادة قتله ثم رميهم له في الجب اكبر من قولهم ولو كنا صادقين 3 عندك & ( 5 )
الخامسة ادوات الشرط حروف وهي ان واسماء مضمنه معناها ثم منها ماليس بظرف كمن وما واي ومهما واسماء هي ظروف اين واينما ومتى وحيثما واذ ما
واقواها دلالة على الشطر دلالة ان لبسطتها ولهذا كانت أم الباب
وما سواها فمركب من معنى ان وزيادة معه فمن معناه كل في حكم ان وما معناه كل شيء ان واينما وحيثما يدلان على المكان وعلى ان واذ ما ومتى يدلان على الشرط والزمان
وقد تدخل ما على ان وهي ابلغ في الشرط من ان ولذلك تتلقى بالنون المبني عليها المضارع نحو وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ 1 وقوله تعالى إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما 2
ومما ضمن معنى الشرط اذا وهي إن وهي أن ويفترقان في ان ان تستعمل في المحتمل المشكوك فيه ولهذا يقبح ان احمر البسر كان كذا وان انتصف النهار آتك وتكون اذا للجزم فوقوعه اما تحقيقا نحو اذا أطلعت الشمس كان كذا أو اعتبارا كنا سنذكره
قال ابن الضائع ولذلك إذا قيل اذا احمر البسر فانت طالق وقع الطلاق في الحال عند مالك لانه شيء لابد منه وانما يتوقف على السبب الذي قد يكون وقد لا يكون وهذا هو الاصل فيهما
وقد تستعمل ان في مقام الجزم لاسباب منها ان تاتي على طريقة وضع الشرطي المتصل الذي يوضع شرطه تقديرا لتبيين
مشروطة تحقيقا كقوله تعالى قل إن كان للرحمن ولد 1 وقوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله 2 وقوله تعالى قل لو كان معه آلهة 3
ومنها ان تاتي على طريق تبيين الحال على وجه يانس به المخاطب واظهارا للتناصف في الكلام كقوله تعالى قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي ( 4 ) ومنها تصوير ان المقام لا يصلح الا بمجرد فرض الشرط كفرض الشيء المستحيل كقوله تعالى ولو سمعوا ما استجابوا لكم 5 والضمير للاصنام ويحتمل منه ما سبق فيه قوله تعالى إن كان للرحمن ولد 1
ومنها لقصد التوبيخ والتجهيل في ارتكاب مدلول الشرط وانه واجب الانتفاء حقيق الا يكون كقوله تعالى أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين 6 فيمن يكسر ان فاستعملت ان في مقام الجزم بكونهم مسرفين لتصور ان الاسراف ينبغي ان يكون منتفيا فاجراه لذلك مجرى المحتمل المشكوك
ومنها تنبيه المخاطب وتهييجه كقوله تعالى كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون 7 والمعنى عبادتكم لله تستلزم شكركم له فان كنتم ملتزمين عبادته فكلوا من رزقه واشكروه وهذا كثيرا ما يورد في الحجاج والالزام تقول ان كان لقاء الله حقا فاستعد له
وكذا قوله تعالى إن كنتم بآياته مؤمنين 8
ومنها التغليب كقوله تعالى إن كنتم في ريب من البعث 1 وقوله تعالى وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا 2 فاستعمل ان مع تحقق الارتياب منهم لان الكل لم يكونوا مرتابين فغلب غير المرتابين منهم على المرتابين لان صدور الارتياب من غير الارتياب مشكوك في كونه فلذلك استعمل إن على حد قوله إن عدنا في ملتكم 3
واعلم ان ان لاجل انها لاتستعمل الا في المعاني المحتملة كان جوابها معلقا على ما يحتمل ان يكون وألا يكون فيختار فيه ان يكون بلفظ المضارع المحتمل للوقوع وعدمه ليطابق اللفظ والمعنى فان عدل عن المضارع إلى الماضي لم يعدل الا لنكتة كقوله تعالى إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون 4 فاتى الجواب مضارعا وهو يكونوا وما عطف عليه وهو يبسطوا مضارعا ايضا وانه قد عطف عليه ودوا بلفظ الماضي وكان قياسه المضارع لان المعطوف على الجواب جواب ولكنه لما لم يحتمل ودادتهم لكفرهم من الشك فيها ما يحتمله انهم اذا ثقفوهم صاروا لهم اعداء وبسطوا ايديهم اليهم بالقتل والسنتهم بالشتم اتى فيه يلفظ الماضي لان ودادتهم في ذلك مقطوع بها وكونهم اعداء وباسطي الايدي والالسن بالسوء مشكوك لاحتمال ان يعرض ما يصدهم عنه فلم يتحقق وقوعه
وأما اذا فلما كانت في المعاني المحققه غلب لفظ الماضي معها لكونه ادل على الوقوع باعتبار لفظه في المضارع قال تعالى فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه 1
بلفظ الماضي مع اذا في جواب الحسنة حيث اريد مطلق الحسنة لا نوع منها ولهذا عرفت تعريف العهد ولم تنكر كما نكر المراد به نوع منها في قوله تعالى وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله 2 وكما نكر الفعل حيث اريد به نوع في قوله تعالى ولئن أصابكم فضل من الله 3 وبلفظ المضارع مع إن في جانب السيئة وتنكيرها بقصد النوع
وقال تعالى وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون 4 لفظ الماضي مع اذا والمضارع مع إن الا انه نكرت الرحمة ليطابق معنى الاذاقه بقصد نوع منها والسيئة بقصد النوع ايضا
ومن ذلك قوله تعالى وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه 5 اتى باذا لما كان مس الضر لهم في البحر محققا بخلاف قوله تعالى لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤوس قنوط 6 فانه لم يقيد مس الشر ها هنا بل اطلقه
وكذلك قوله تعالى وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤوسا 7 فان الياس انما حصل عند تحقق مس الضر له فكان الاتيان باذا ادل على المقصود من ان بخلاف قوله تعالى وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض 8 فانه لقلة صبره وضعف احتماله في موقع الشر أعرض والحال في الدعاء فاذا تحقق وقوعه كان يئوسا واما قوله إن امرؤ هلك 9 مع ان الهلاك محقق لكن جهل وقته فلذلك جيء بإن
ومثله قوله تعالى أفإن مات أو قتل 1 فاتى بان المقتضية للشك والموت أمر محقق ولكن وقته معلوم فاورد مورد المشكوك فيه المتردد بين الموت والقتل
واما قوله تعالى لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين 2 مع ان مشيئة الله محققه فجاء على تعليم الناس كيف يقولون وهم يقولون في كل شيء على جهة الاتباع لقوله تعالى ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله 3 فيقول الرجل في كل شيء ان شاء الله على مخبر به مقطوعا أو غير مقطوع وذلك سنة متبعة
ومثله قوله صلى الله عليه وسلم وانا ان شاء الله بكم لاحقون ويحتمل ان تكون للابهام في وقت اللحوق متى يكون
تنبيه سكت البيانيون عما عدا اذا وان والحق صاحب البسيط ( 4 ) وابن الحاجب متى بان قال لاتقول متى طلعت الشمس مما علم انه كائن بل بقول متى تخرج اخرج وقال الزمخشري في الفصل بين متى واذ ان متى للوقت المهم وإذا للمعين لأنهما ظرفا زمان ولابهام متى جزم بها دون اذا
& ( 6 )
السادسة قد يعلق الشرط بفعل محال يستلزمه محال آخر وتصدق الشرطية دون
مغرديها اما صدقها فلاستلزام المحال واما كذب مفرديها فلاستحالتهما
وعليه قوله تعالى قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين 1
وقوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا 2
وقوله تعالى قل لو كان معه آلهة كما يقولون 3 الآية
وفائدة الربط بالشرط في مثل هذا امران احدهما بيان استلزام احدى القضيتين للأخرى والثاني ان اللازم منتف فالملزوم كذلك
وقد تبين بهذا ان الشرط يعلق به المحقق الثبوت والممتنع الثبوت والممكن الثبوت
& ( 7 )
السابعة الاستفهام اذا دخل على الشرط كقوله تعالى أفإن مات أو قتل انقلبتم 4 وقوله تعالى أفإن مت فهم الخالدون 5 ونظائره فالهمزة في موضعها ودخولها على اداة الشرط والفعل الثاني الذي هو جزاء الشرط ليس جزاء للشرط وانما هو المستفهم عنه والهمزة داخله عليه تقديرا فينوي به التقديم وحينئذ فلا يكون جوابا بل الجواب محذوف والتقدير عنده أأنقلبتم على اعقابكم ان مات محمد لان الغرض انكار انقلابهم على اعقابهم بعد موته
ويقول يونس قال كثير من النحويين انهم يقولون الف الاستفهام دخلت في غير موضعها لان الغرض انما هو اتنقلبون ان مات محمد
وقال أبو البقاء قال يونس الهمزة في مثل هذا احقها ان تدخل على جواب
الشرط تقديره اتنقلبون على اعقابكم ( 1 ) ان مات محمد لان الغرض التنبيه أو التوبيخ على هذا الفعل المشروط ومذهب سيبويه الحق لوجهين احدهما انك لو قدمت الجواب لم يكن للفاء وجه اذ لايصح ان تقول اتزورني فان زرتك ومنه قوله أفإن مت فهم الخالدون 2 والثاني ان الهمزة لها صدر الكلام وان لها صدر الكلام فقد وقعا في موضعهما والمعنى يتم بدخول الهمزة على جملة الشرط والجواب لانهما كالشئ الواحد ( 3 ) انتهى
وقد رد النحويون على يونس بقوله أفإن مت فهم الخالدون 2 لايجوز في فهم ان ينوي به التقديم لانه يصير التقدير افهم الخالدون فان مت وذلك لايجوز لئلا يبقى الشرط بلا جواب اذ لايتصور ان يكون الجواب محذوفا يدل عليه ما قبله لان الفاء المتصله بان تمنعه من ذلك ولهذا يقولون انت ظالم ان فعلت ولا يقولون انت ظالم فان فعلت فدل ذلك على ان ادوات الاستفهام انما دخلت لفظا وتقديرا على جملة الشرط والجواب & ( 8 )
الثامنة اذا تقدم اداة الشرط جملة تصلح ان تكون جزاء ثم ذكر فعل الشرط ولم يذكر له جواب نحو اقوم ان قمت وانت طالق ان دخلت الدار فلا تقدير عند الكوفيين بل المقدم هو جواب وعند البصريين دليل الجواب
والصحيح هو الاول لان الفاء لاتدخل عليه ولو كان جوابا لدخلت ولانه لو كان مقدما من تاخير لما افترق المعنيان وهما مفترقان ففي التقدم بني الكلام على الخبر
ثم طرأ التوقف وفي التاخير بني الكلام من اوله على الشرط كذا قاله ابن السراج وتابعه ابن مالك وغيره
ونوزعا في ذلك بل مع التقديم الكلام مبني على الشرط كما لو قال له على عشرة الا درهما فانه لم يقر بالعشرة ثم أنكر منها درهما ولو كان كذلك لم ينفعه الاستثناء ثم زعم ابن السراج ان ذلك لا يقع الا في الضرورة وهو مردود بوقوعه في القرآن كقوله واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون & ( 9 )
التاسعة اذا دخل على اداة الشرط واو الحال لم يحتج إلى جواب نحو احسن إلى زيد وان كفرك واشكره وان اساء اليك أي أحسن اليه كافرا لك واشكره مسيئا اليك
فان اجيب الشرط كانت الواو عاطفة لا للحال نحو احسن اليه وان كفرك فلا تدع الاحسان اليه واشكره وان اساء اليك فاقم على شكره ولو كانت الواو هنا للحال لم يكن هناك جواب
قال ابن جني وانما كان كذلك لان الحال فضله واصل وضع الفضلة ان تكون مفردا كالظرف والمصدر والمفعول به فلما كان كذلك لم يجب الشرط اذا وقع موقع الحال لانه لو اجيب لصار جملة والحال انما هي فضله فالمفرد اولى بها من الجملة والشرط وان كان جملة فانه يجري عندهم مجرى الآحاد من حيث كان محتاجا إلى جوابه احتياج المبتدأ إلى الخبر
& ( 10 )
العاشرة الشرط والجزاء لابد ان يتغاير لفظا وقد يتحدان فيحتاج إلى التاويل كقوله إلا من تاب وآمن والاية التي تليها ومن تاب وعمل صالحا ثم قال فإنه يتوب إلى الله متابا فقيل على حذف الفعل أي من اراد التوبة فان التوبة معرضة له لايحول بينه بينها حائل ومثله فإذا قرأت القرآن أي اردت ويدل لهذا تاكيد التوبة بالمصدر
واما قوله تعالى جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه فقال الزمخشري يجوز ان يكون جزاؤه مبتدأ والجملة الشرطية كما هي خبره على اقامة الظاهر مقام المضمر والاصل جزاؤه من وجد في رحلة فهو هو فوضع الجزاء موضع هو
وقوله من يهد الله فهو المهتدي قدره ابن عباس من يرد الله هدايته فلا يتحد الشرط والجزاء
ومثله قوله تعالى وإن لم تفعل فما بلغت رسالته وقد سبق فيها اقوال كثيرة
وقد يتقاربان في المعنى كقوله تعالى ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وقوله فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وقوله ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر