علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٨٥ من ١٩٤

الجزء ٢ — ص ٣٤٩–٣٥٨

جميعا فاذا قلت أزيد عندك أم عمرو فهذا الموضع لا تقع فيه هل مالم تقصد إلى المنقطعة ذكره ابن الحاجب

ومنها انها تدخل على الشطر تقول أإن اكرمتني اكرمتك وان تخرج اخرج معك ان تضرب اضرب ولا تقول هل إن تخرج اخرج معك

ومنها جواز حذفها كقوله تعالى وتلك نعمة تمنها علي 1 وقوله تعالى هذا ربي 2 في أحد الاقوال وقراءة ابن محيصن / < سواء عليهم ءأنذرتهم > / 3

ومنها زعم ابن الطراوة انها لاتكون ابدا الا معادلة أو في حكمها بخلاف غيرها فتقول اقام زيد أم قعد ويجوز الا يذكر المعادل لانه معلوم من ذكر الضد

ورد عليه الصفار وقال لا فرق بينها وبين غيرها فإنك اذا قلت هل قام زيد فالمعنى هل قام أم لم يقم لان السائل انما يطلب اليقين وذلك مطرد في جميع ادوات الاستفهام قال وأما قوله انه عزيز في كلامهم لا يأتون لها بمعادل فخطأ بل هو اكثر من ان يحصر قال تعالى أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا 4 أفرأيت الذي تولى 5 أفرأيتم اللات والعزى 6 أفرأيت الذي كفر بآياتنا 7 وهو كثير جدا

ومنها تقديمها على الواو وغيرها من حروف العطف فتقول افلم اكرمك أو لم احسن اليك قال الله تعالى أفتطمعون أن يؤمنوا لكم 1 وقال تعالى أو كلما عاهدوا عهدا 1 وقال تعالى أثم إذا ما وقع آمنتم به 2 فتقدم الهمزة على حروف العطف الواو والفاء ثم وكان القاس تاخيرها عن العاطف فيقال فألم أكرمك وألم احسن اليك كما تقدم على سائر ادوات الاستفهام نحو قوله تعالى وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله 3 وقوله تعالى أم هل تستوي الظلمات والنور 4 وقوله تعالى فأين تذهبون 5 فلا يجوز ان يؤخر العاطف عن شيء من هذه الادوات لان ادوات الاستفهام جزء من جملة الاستفهام والعاطف لا يقدم عليه جزء من المعطوف وانما خولف هذا في الهمزة لانها اصل ادوات الاستفهام فارادوا تقديمها تنبيها على انها الاصل في الاستفهام لان الاستفهام له صدر الكلام

والزمخشري اضطرب كلامه فتارة يجعل الهمزة في مثل هذا داخله على محذوف عطف عليه الجملة التي بعدها فيقدر بينهما فعلا محذوفا تعطف الفاء عليه ما بعدها وتارة يجعلها متقدمة على العاطف كما ذكرناه وهو الآولى

وقد رد عليه في الاول بان ثم مواضع لا يمكن فيها تقدير فعل قبلها كقوله تعالى أو من ينشأ في الحلية 6 أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق 7 أفمن هو قائم 7

وقال ابن خطيب زملكا ( 1 ) الاوجه ان يقدر محذوف بعد الهمزة قبل الفاء تكون الفاء عاطفة عليه ففي مثل قوله تعالى أفإن مات 2 لو صرح به لقيل اتؤمنون به مدة حياته فان مات ارتددتم فتخالفوا سنن اتباع الانبياء قبلكم في ثباتهم على ملك انبيائهم بعد موتهم وهذا مذهب الزمخشري & فائدة

زعم ابن سيدة ( 3 ) في كلامه على اثبات الجمل ان كل فعل يستفهم عنه ولا يكون الا مستقبلا ورد عليه الاعلم ( 4 ) وقال هذا باطل ولم يمنع أحد هل قام زيد امس وهل انت قائم امس وقد قال تعالى فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا 5 فهذا كله ماض غير آت

الشرط الثالث الشرط ويتعلق به قواعد & ( 1 )

القاعدة الاولى المجازاة انما تنعقد بين جملتين

اولاهما فعلية لتلائم الشرط مثل قوله تعالى يرد الله أن يهديه 1 كنت جئت بآية 2 استقر مكانه 3 نرينك بعض الذي نعدهم 4 يأتينكم مني هدى 5

وثانيهما قد تكون اسمية وقد تكون فعلية جازمة وغير جازمة أو ظرفية أو شرطية كما يقال فأولئك يدخلون الجنة 6 شرح الله صدره للإسلام 7 فأت بآية 8 فسوف تراني 9 إلينا مرجعهم 10 فمن تبع هداي 11 3 فاذا جمع بينهما وبين الشرط اتحدتا جملة واحدة نحو قوله ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة 12 وقوله سبحانه فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام 13 وقوله إن كنت جئت بآية فأت بها ( 14 ) وقوله فإن استقر مكانه فسوف تراني 15 وقوله وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم 16 وقوله فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى 17 فالاولى من جملة المجازاة تسمى شرطا والثانية تسمى جزاء 3 ويسمى المناطقة الأول مقدما والثاني تاليا

فاذا انحل الرباط الواصل بين طرفي المجازاة عادة الكلام جملتين كما كان

فان قيل فمن أي انواع الكلام تكون هذه الجملة المنتظمة من الجملتين قلنا قال صاحب المستوفى ( 1 ) العبرة في هذا بالتالي ان كان التالي قبل الانتظام جازما كان هذه الشرطية جازمة اعني خبرا محضا ولذلك جاز ان توصل بها الموصولات كما في قوله تعالى الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وإن لم يكن جازما لم تكن جازمه بل إن كان التالي أمرا فهي في عداد الامر كقوله تعالى إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين 3 وان كانت رجاء فهي في عداد الرجاء كقوله تعالى فإن استقر مكانه فسوف تراني 4 أي فهي في عداد الرجاء كقوله تعالى فإن استقر مكانه فسوف تراني 4 أي فهذا التسويف بالنسبة إلى المخاطب فان جعلت سوف بمعنى امكن كان الكلام خبرا صرفا فاما الفاء التي تلحق التالي معقبة فللا حتياج اليها حيث لايمكن ان يرتبط التالي بذاته ارتباطا وذلك ان كان افتتح بغير الفعل كقوله فأينما تولوا فثم وجه الله 5 وقوله سبحانه من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها 6 لان الاسم لا يدل على الزمان فيجازي به

وكذلك الحرف ان كان مفتتحا بالامر كقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا 7 لان الامر لايناسب معناه الشرط فان كان مفتحا بفعل ماض أو مستقبل ارتبط بذاته نحو قولك ان جئتني اكرمتك ونحو قوله تعالى إن تنصروا الله ينصركم 8 وكذا قوله وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها 9 لان

هذه كالجزء من الفعل وتخطاها العامل وليست ك ان في قوله تعالى وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا 1

فان قيل فما الوجه في قوله تعالى إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما 2 وقوله ومن عاد فينتقم الله منه 3 قلنا الاظهر ان يكون كل واحد منهما محمولا على الاسم كما ان التقدير فانتما قد صغت قلوبكما وفهو ينتقم الله منه يدللك على هذا ان ضغت لوجعل نفسه الجزاء للزم أن يكتسب من الشرط معنى الاستقبال وهذا غير مسوغ هنا ولو جاز لجاز ان تقول انما أن تتوبا إلى الله صغت أو فصغت قلوبكما لكن المعنى ان تتوبا فبعد صغو من قلوبكما ليتصور فيه معنى الاستقبال مع بقاء دلالة الفعل على الممكن وان ينتقم لو جعل وحده جزاء لم يدل على تكرار الفعل كما هو الان والله اعلم بما اراد

الثانية اصل الشرط والجزاء ان يتوفق الثاني على الاول بمعنى ان الشرط انما يستحق جوابه بوقوعه هو في نفسه كقولك ان زرتني احسنت اليك فالاحسان انما استحق بالزيارة وقولك ان شكرتني زرتك فالزيارة انما استحقت بالشكر هذا هو القاعدة

وقد اورد على هذا آيات كريمات

ومنها قوله تعالى إن تعذبهم فإنهم عبادك 4 وهم عبادة عذبهم أو رحمهم

وقوله وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم 1 وهو العزيز الحكيم غفر لهم أو لم يغفر لهم

وقوله إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما 2 وصغوا القلوب هنا لأمر قد وقع فليس بمتوقف على ثبوته

والجواب ان هذه في الحقيقة ليست اجوبة وانما جاءت عن الاجوبة المحذوفة لكونها اسبابا لها

فقوله فإنهم عبادك 1 الجواب في الحقيقة فتحكم فيمن يحق لك التحكم فيه وذكر العبودية التي هي سبب القدرة

وقوله وإن تغفر 1 فالجواب فانت متفضل عليهم بالا تجازيهم بذنوبهم فكمالك غي مفتقر إلى شيء فانك انت العزيز الحكيم

وقال صاحب المستوفى اعلم ان المجازاة لا يجب فيها ان يكون الجزاء موقوفا على الشرط ابدا ولا ان يكون الشرط موقوفا على الجزاء ابدا بحيث يمكن وجوده ولا ان تكون نسبة الشرط دائما إلى الجزاء نسبة السبب إلى المسبب بل الواجب فيها ان يكون الشرط بحيث اذا فرض حاصلا لزم مع حصوله حصول الجزاء سواء كان الجزاء قد يقع لامن جهة وقوع الشرط كقول الطبيب من استحم بالماء البارد احتقنت الحرارة باطن حسده لان احتقان الحرارة قد يكون لا عن ذلك أو لم يكن كذلك كقولك ان كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا

وسواء كان الشرط ممكنا في نفسه كالامثلة السابقة أو مستحيلا كما في قوله تعالى

قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين 1

وسواء كان الشرط سببا في الجزاء ووصله اليه كقوله تعالى وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم 2 أو كان الامر بالعكس كقوله ما أصابك من حسنة فمن الله 3 أو كان لا هذا ولا ذاك فلا يقع الا مجرد الدلالة على اقتران احدهما بالاخر كقوله تعالى وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا 4 اذ لايجوز أن تكون الدعوة سببا للضلال ومفضية اليه ولا ان يكون الضلال مفضيا إلى الدعوة

وقد يمكن ان يحمل على هذا قوله تعالى إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء 5 وعلى هذا ما يكون من باب قوله تعالى إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله 6 فان التأويل ان يمسسكم قرح فمع اعتبار قرح قد مسهم قبل والله اعلم بمراده & ( 3 )

الثالثة انه لايتعلق إلا بمستقبل فان كان ماضي اللفظ كان مستقبل المعنى كقولك ان مت على الاسلام دخلت الجنة ثم للنجاة فيه تقديران

احدهما ان الفعل يغير لفظا لا معنى فكان الاصل ان تمت مسلما تدخل الجنة فغير لفظ المضارع إلى الماضي تنزيلا له منزلة المحقق

والثاني انه تغير معنى وان حرف الشرط لما دخل عليه قلب معناه إلى الاستقبال وبقي لفظه على حاله

والاول اسهل لان تغيير اللفظ اسهل من تغيير المعنى

وذهب المبرد إلى ان فعل الشطر اذا كان لفظ كان بقي على حاله من المضي لان كان جردت عنده للدلالة على الزمن الماضي فلم تغيرها ادوات الشرط وقال ان كان مخالفة في هذا الحكم لسائر الافعال وجعل منه قوله تعالى إن كنت قلته 1 وإن كان قميصه 2 والجمهور على المنع وتاولوا ذلك ثم اختلفوا

فقال ابن عصفور والشلوبين وغيرهما ان حرف الشرط دخل على فعل مستقبل محذوف أي ان اكن كنت قلته أي ان اكن فيما يستقبل موصوفا باني كنت قلته فقد علمته ففقعل الشرط محذوف مع هذا وليست كان المذكورة بعدها هي فعل الشرط

قال ابن الضائع وهذا تكلف لايحتاج اليه بل كنت بعد إن مقلوبة المعنى إلى الاستقبال ومعنى إن كنت ان اكن فهذه التي بعدها هي التي يراد بها الاستقبال لا اخرى محذوفة وابطلوا مذهب الميرد بان كان بعد اداة الشرط في غير هذا الموضع قد جاءت مرادا بها الاستقبال كقوله تعالى وإن كنتم جنبا فاطهروا 3

وقد نبه في التسهيل ( 4 ) في باب الجوازم على ان فعل الشرط لا يكون الا مستقبل المعنى واختار في كان مذهب الجمهور اذ قال ولا يكون الشرط غير مستقبل المعنى بلفظ كان أو غيرها الا مؤولا

واستدرك عليه لو ولما الشرطيتين فان الفعل بعدهما لايكون الا ماضيا فتعين استثناؤه من قوله لايكون الا مستقبل المعنى

واما قوله تعالى إنا أحللنا لك أزواجك 1 إلى إن وهبت 1 فوقع فيها احللنا المنطوق به أو المقدر على القولين جواب الشرط مع كون الاحلال قديما فهو ماض وجوابه أن المراد إن وهبت فقد حلت فجواب الشرط حقيقة الحل المفهوم من الاحلال لا الاحلال نفسه وهذا كما ان الظرف من قولك قم غدا ليس هو لفعل الامر بل للقيام المفهوم منه

وقال البيانيون يجئ فعل الشرط ماضي اللفظ لاسباب

منها إيهام جعل غير الحاصل كالحاصل كقوله تعالى وإذا رأيت ثم رأيت نعيما 2

ومنها اظهار الرغبة من المتكلم في وقوعه كقولهم ان ظفرت بحسن العاقبة فذاك وعليه قوله تعالى إن أردن تحصنا 3 أي امتناعا من الزنا جيء بلفظ الماضي ولم يقل يردن اظهارا لتوفير رضا الله ورغبة في ارداتهن التحصين

ومنها التعريض بأن يخاطب واحدا ومراده غيره كقوله تعالى لئن أشركت ليحبطن عملك 4

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر