علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٨٤ من ١٩٤

الجزء ٢ — ص ٣٣٩–٣٤٨

الاول مجرد الطلب وهو الامر كقوله تعالى أفلا تذكرون 1 أي اذكروا

وقوله وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم 2 أي اسلموا

وقوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم 3 أي احبوا

وقوله وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله 4 أي قاتلوا

وقوله تعالى أفلا يتدبرون القرآن 5 وقوله فهل أنتم منتهون 6 انتهوا ولهذا قال عمر رضي الله عنه انتهينا وجعل بعضهم منه قوله تعالى ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير 7 )

وقوله تعالى أتصبرون 8 وقال ابن عطية والزمخشري المعنى اتصبرون أم لا تصبرون والجرجاني في النظم على حذف مضاف أي لنعلم اتصبرون

الثاني النهي كقوله تعالى ما غرك بربك الكريم 9 أي لايغرك

وقوله في سورة التوبة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه 10 بدليل قوله فلا تخشوا الناس 11

الثالث التحذير كقوله ألم نهلك الأولين 12 أي قدرنا عليهم فنقدر عليكم

الرابع التذكير كقوله تعالى قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه 1 وجعل بعضهم منه ألم يجدك يتيما فآوى ألم نشرح لك صدرك 3

الخامس التنبيه وهو من أقسام الأمر كقوله تعالى ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه 4

ألم تر إلى ربك كيف مد الظل 5

ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم 6 ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل 07 ) والمعنى في كل ذلك انظر بفكرك في هذه الأمور وتنبه

وقوله تعالى ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة 8 حكاه صاحب الكافي ( 9 ) عن الخليل ولذلك رفع الفعل ولم ينصبه

وجعل منه بعضهم فأين تذهبون 10 للتنبيه على الضلال

وقوله تعالى ومن يرغب عن ملة إبراهيم 11

السادس الترغيب كقوله تعالى من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا 1 هل أدلكم على تجارة تنجيكم 2

السابع التمني كقوله فهل لنا من شفعاء 3 أنى يحيي هذه الله بعد موتها 4 قال العزيزي ( 5 ) في تفسيره أي كيف وما اعجب معاينة الاحياء

الثامن الدعاء وهو كالنهي الا انه من الادنى إلى الاعلى كقوله تعالى أتهلكنا بما فعل السفهاء ( 6 )

وقوله أتجعل فيها من يفسد فيها 7 وهم لم يستفهموا لان الله قال إني جاعل في الأرض خليفة ( 7 )

وقيل المعنى انك ستجعل وشبهة أبو عبيدة ( 8 ) بقوله الرجل لغلامه وهو يضربه الست الفاعل كذا

وقيل بل هو تعجب وضعف 3 وقال النحاس الأولى ما قاله ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما ولا مخالف لهما

أن الله تعالى لما قال إني جاعل في الأرض خليفة 1 قالوا وما ذاك الخليفة يكون له ذرية يفسدون ويقتل بعضهم بعضا

وقيل المعنى اتجعلهم فيها أم تجعلنا وقيل المعنى تجعلهم وحالنا هذه أم يتغير

التاسع والعاشر العرض والتحضيض والفرق بينهما الاول طلب برفق والثاني بشق فالاول كقوله تعالى ألا تحبون أن يغفر الله لكم 2

والثاني ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم 3

ومن الثاني أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون 4 المعنى ائتهم وأمرهم بالاتقاء

الحادي عشر الاستبطاء كقوله متى هذا الوعد إن كنتم صادقين 5 بدليل ويستعجلونك بالعذاب 6 ومنه ما قال صاحب الايضاح ( 7 ) البياني حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله 8

وقال الجرجاني في الآية تقديم وتأخير أي حتى يقول الرسول ألا ان

نصر الله قريب والذين آمنوا متى نصر الله وهو حسن

الثاني عشر الاياس فأين تذهبون 1

الثالث عشر الإيناس نحو وما تلك بيمينك يا موسى 2

وقال ابن فارس المراد به ( 3 ) الإفهام فان الله تعالى قد علم ان لها امرا قد خفي على موسى عليه السلام فاعلم من حالها مالم يعلم 04 )

وقيل هو للتقرير فيعرف مافي يده حتى لاينفر إذا انقلبت حية

الرابع عشر التهكم والاستهزاء أصلاتك تأمرك 5 ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون 6

الخامس عشر التحقير كقوله تعالى وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا 7 ومنه ما حكى صاحب الكتاب من أنت زيدا على معنى من أنت تذكر زيدا

السادس عشر التعجب نحو ما لي لا أرى الهدهد 1

كيف تكفرون بالله 2 ومنهم من جعله للتنبيه

السابع عشر الاستبعاد كقوله أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين 3 أي يستبعد ذلك منهم بعد ان جاءهم الرسول ثم تولوا

الثامن عشر التوبيخ كقوله تعالى أفغير دين الله يبغون 4 لم تقولون ما لا تفعلون 5 أفتتخذونه وذريته أولياء 6 ولا تدخل همزة التوبيخ الا على فعل قبيح أو ما يترتب عليه فعل قبيح

الفائدة الرابعة قد يجتمع الاستفهام الواحد للانكار والتقرير كقوله فأي الفريقين أحق بالأمن 7 أي ليس الكفار أمنين والذين آمنوا أحق بالآمن ولما كان أكثر مواقع التقرير دون الإنكار قال الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم 7

وقد يحتملهما كقوله أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا 1

ويحتمل أنه استفهام تقرير وأنه طلب منهم ان يقروا بما عندهم تقرير ذلك ولهذا قال مجاهد التقدير لا فانهم لما استفهموا استفهام تقرير بما لا جواب له الا ان يقولوا لا جعلوا كأنهم قالوا وهو قول الفارسي والزمخشري

ويحتمل أن يكون استفهام إنكار بمعنى التوبيخ على محبتهم لاكل لحم أخيهم فيكون ميتة والمراد محبتهم له غيبته على سبيل المجاز وفكرهمتوه بمعنى الأمر أي اكرهوه

ويحتمل أن يكون استفهام إنكار بمعنى التكذيب أنهم لما كانت حالهم حال من يدعي محبة أكل لحم اخيه نسب ذلك اليهم وكذبوا فيه فيكون فكرهتموه

الخامسة إذا خرج الاستفهام عن حقيقته فإن اريد التقرير ونحوه لم يحتج إلى معادل كما في قوله تعالى ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ( 2 ) فان معناه التقرير

وقال ابن عطية ظاهره الاستفهام المحض والمعادل على قول جماعة أم يريدون وقيل أم منقطعة فالمعادل عندهم محذوف أي أم علمتم وهذا كله على ان القصد مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبة امته وأما ان كان هو المخاطب وحده فالمعادل محذوف لاغير وكلا القولين مروي انتهى

وما قاله غير ظاهر والاستفهام هنا للتقرير فيستغنى عن المعادل اما اذا كان على حقيقته فلا بد من تقدير المعادل كقوله تعالى أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة 3 أي كمن ينعم في الجنة

وقوله تعالى أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا 1 أي كمن هذاه الله بدليل قوله تعالى فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء 1 التقدير ذهبت نفسك عليهم حسرات بدليل فلا تذهب نفسك عليهم حسرات 2

وقد جاء في التنزيل موضع صرح فيه بهذا الخبر وحذف المبتدأ على العكس مما نحن فيه وهو قوله تعالى كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم 3 أي أكمن هو خالد في الجنة يسقى من هذه الانهار كمن هو خالد في النار على أحد الاوجه

وجاء مصرحا بهما على الاصل في قوله تعالى أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات 4

أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله 5

السادسة استفهام الانكار لايكون إلا على ماض وخالف في ذلك صاحب ( 6 ) الأقصى القريب وقال قد يكون عن مستقبل كقوله تعالى أفحكم الجاهلية يبغون 7 وقوله تعالى أليس الله بعزيز ذي انتقام 8 قال انكر ان حكم الجاهلية مما يبغي لحقارته وانكر عليهم سلب العزة عن الله تعالى وهو منكر في الماضي والحال والاستقبال

وهذا الذي قاله مخالف لاجماع البيانيين ولادليل فيما ذكره بل الاستفهام في الآيتين عن ماض ودخله الاستقبال تغليبا لعدم اختصاص المنكر بزمان ولايشهد له قوله

تعالى أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير 1 لان الاستبدال وهو طلب البدل وقع ماضيا ولا أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله 2 وإن كانت ان تخلص المضارع للاستقبال لانه كلام ملموح به جانب المعنى وقد ذكر ابن جني في التنبيه ( 3 ) أن الإعراب قد يرد خلاف ما عليه المعنى

التابعة هذه الانواع من خروج الاستفهام عن حقيقته في النفي هل تقول ان معنى الاستفهام فيه موجود وانضم اليه معنى أخر أو تجرد عن الاستفهام بالكلية لاينبغي ان يطلق أحد الامرين بل منه ما تجرد كما في التسوية ومنه ما يبقى ومنه ما يحتمل ويحتمل ويعرف ذلك بالتأمل وكذلك الأنواع المذكورة في الإثبات وهل المراد بالتقرير الحكم بثبوته فيكون خبرا محضا أو ان المراد طلب اقرار المخاطب به مع كون السائل يعلم فهو استفهام تقرير المخاطب أي يطلب ان يكون مقررا به وفي كلام النحاة والبيانيين كل من القولين وقد سبق الاشارة اليه

الثامنة الحورف الموضوعة للاستفهام ثلاثة الهمزة وهل وام وأما غيرها مما يستفهم به كمن وما ومتى وأين وأنى وكيف وكم وأيان فأسماء استفهام استفهم بها نيابة عن الهمزة وهي تنقسم إلى ما يختص بطلب التصديق باعتبار الواقع كهل وام المنقطعة وما يختص بطلب التصور كأم المتصلة وما لا يختص كالهمزة & احكام اختصت بها همزة الاستفهام

ولكون الهمزة أم الباب اختصت بأحكام لفظية ومعنوية

فمنها كون الهمزة لا يتسفهم بها حتى يهجس في النفس اثبات ما يستفهم عنه بخلاف هل فانه لا ترجح عنده بنفي ولا إثبات حكاه الشيخ أبو حيان عن بعضهم

ومنها اختصاصها باستفهام التقرير وقد سبق عن سيبوية وغيره ان التقرير لايكون بهل والخلاف فيه

وقال الشيخ أبو حيان إن طلب بالاستفهام تقرير أو توبيخ أو انكار أو تعجب كان بالهمزة دون هل إ ن اريد الجحد كان بهل ولا يكون بالهمزة ومنها أنها تستعمل لإنكار أثبات ما يقع بعدها كقولك أتضرب زيدا وهو أخوك قال تعالى أتقولون على الله ما لا تعلمون 1 ولا تقع هل هذا الموقع وأما قوله تعالى هل جزاء الإحسان إلا الإحسان 2 فليس منه لان هذا نفي له من اصله والممنوع من انكار اثبات ما وقع بعدها قاله ابن الحاجب

ومنها انها يقع الاسم منصوبا بعدها بتقدير ناصب اومرفوعا بتقدير رافع يفسره ما بعده كقولك ازيدا ضرب وازيد قام ولا تقول هل زيدا ضربت ولا هل زيد قام الا على ضعف

وان شئت فقل ليس في ادوات الاستفهام ما إذا اجتمع بعده الاسم والفعل بليه الاسم في فصيح الكلام الا الهمزة فتقول ازيد قام ولا تقول هل زيد قام الا في ضرورة بل الفصيح هل قام زيد

ومنها انها تقع مع أم المتصلة ولا تقع مع هل واما المنقطعة فتقع فيهما

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر