الجزء ٢ — ص ٣٢٩–٣٣٨
أفغير الله أبتغي حكما 1
وكقوله تعالى قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون 2
فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون 3 أي لانؤمن
وقوله أم له البنات ولكم البنون 4 أي لايكون هذا
وقوله تعالى أأنزل عليه الذكر من بيننا 5 أي ما انزل
وقوله تعالى أشهدوا خلقهم 6 أي ما شهدوا ذلك
وقوله تعالى أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي 7 أي ليس ذلك اليك كما قال تعالى إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء 8
وقوله تعالى أفعيينا بالخلق الأول 9 أي لم نعي به & وهنا أمران
احدهما ان الانكار قد يجيء لتعريف المخاطب ان ذلك المدعي ممتنع عليه وليس من قدرته كقوله تعالى أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي 10 لان اسماع الصم لا يدعيه أحد بل المعنى ان اسماعهم لايمكن لانهم بمنزلة الصم والعمي وانما قدم الاسم في الاية ولم يقل اتسمع الصم اشارة إلى انكار موجه عن تقدير ظن منه عليه السلام انه يختص باسماع من به صمم وانه ادعى القدرة على ذلك وهذا ابلغ من انكار الفعل
وفيه دخول الاستفهام على المضارع فاذا قلت اتفعل أو اانت تفعل احتمل وجهين
احدهما انكار وجود الفعل كقوله تعالى أنلزمكموها وأنتم لها كارهون 1 والمعنى لسنا بمثابة من يقع منه هذا الالزام وان عبرنا بفعل ذلك جل الله تعالى عن ذلك بل المعنى انكار اصل الالزام
والثاني قولك لمن يركب الخطر اتذهب في غير طريق انظر لنفسك واستبصر فاذا قدمت المفعول توجه الانكار إلى كونه بمثابة ان يوقع به مثل ذلك الفعل كقوله قل أغير الله أتخذ وليا ( 2 ) وقوله أغير الله تدعون 3 المعنى اغير الله بمثابة من يتخذ وليا
ومنه أبشرا منا واحدا نتبعه 4 لانهم بنوا كفرهم على انه ليس بمثابة من يتبع صيغة المستقبل اما ان يكون للحال نحو أفأنت تكره الناس حتى يكونوا 5 أو للاستقبال نحو أهم يقسمون رحمة ربك 6
الثاني قد يصحب الانكار التكذيب للتعريض بان المخاطب ادعاه وقصد تكذيبه كقوله تعالى أصطفى البنات على البنين 7 ألكم الذكر وله الأنثى 8 أإله مع الله 9
وسواء كان زعمهم له صريحا مثل أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون 1 أو التزاما مثل أشهدوا خلقهم 2 فانهم لما جزموا بذلك جزم من يشاهد خلق الملائكة كانوا كمن زعم انه شهد خلقهم
وتسمية هذا استفهام انكار من انكر اذا جحد وهو اما بمعنى لم يكن كقوله تعالى أفأصفاكم 2 أو بمعنى لايكون نحو أنلزمكموها 3
والحاصل ان الانكار قسمان ابطالي وحقيقي
فالابطالي ان يكون ما بعدها غير واقع ومدعيه كاذب كما ذكرنا والحقيقي يكون ما بعدها واقع وان فاعله ملوم نحو أتعبدون ما تنحتون 4 أغير الله تدعون 5 أئفكا آلهة 6 أتأتون الذكران 7 أتأخذونه بهتانا 8 & استفهام التقرير
واما الثاني فهو استفهام التقرير والتقرير حملك المخاطب على الاقرار والاعتراف بأمر قد استقر عنده قال أبو الفتح في الخاطريات ( 9 ) ولايستعمل ذلك بهل وقال في قوله
% % جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط ( 1 % % وهل لا تقع تقريرا كما يقع غيرها مما هو للإستفهام
وقال الكندي ( 2 ) ذهب كثير من العلماء في قوله تعالى هل يسمعونكم 3 إلى ان هل تشارك الهمزة في معنى التقرير والتوبيخ الا اني رايت أبا علي أبي ذلك وهو معذور فان ذلك من قبيل الانكار
ونقل الشيخ أبو حيان عن سيبويه ان استفهام التقرير لايكون بهل انما تستعمل فيه الهمزة ثم نقل عن بعضهم ان هل تاتي تقريرا في قوله تعالى هل في ذلك قسم لذي حجر 4
والكلام مع التقرير موجب ولذلك يعطف عليه صريح الموجب ويعطف على صريح الموجب
فالاول كقوله ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى 5 وقوله ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك 6 ألم يجعل كيدهم في تضليل 7
والثاني كقوله أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما 1 على ماقرره الجرجاني في النظم حيث جعلها مثل قوله وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم 2
ويجب ان يلي الاداة الشئ الذي تقرربها فتقول في تقرير الفعل اضربت زيدا والفاعل نحو اانت ضربت أو المفعول ازيدا ضربت كما يجب في الاستفهام الحقيقي
وقوله تعالى أأنت فعلت هذا بآلهتنا 3 يحتمل الاستفهام الحقيقي بان يكونوا لم يعلموا انه الفاعل والتقرير بان يكونوا علموا ولا يكون استفهاما عن الفعل ولا تقريرا له لانه لم يله ولانه اجاب بالفاعل بقوله بل فعله كبيرهم 4
وجعل الزمخشري منه ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير 5
وقيل اراد التقرير بما بعد النفي لا التقرير بالنفي والاولى ان يجعل على الانكار أي الم تعلم ايها المنكر للنسخ ( 6 ) وحقيقة استفهام التقرير انه استفهام انكار والانكار نفي وقد دخل على المنفي ونفي المنفي اثبات والذي يقرر عندك ان معنى التقرير الاثبات قول ابن السراج فاذا ادخلت على ليس الف الاستفهام كانت تقريرا ودخلها معنى الايجاب فلم يحسن معها احد
لأن احدا انما يجوز مع حقيقة النفي لاتقول اليس أحد في الدار لان المعنى يؤول إلى قولك أحد في الدار واحد لا تستعمل في الواجب
وأمثلته كثيرة كقوله تعالى ألست بربكم 1 أي أنا ربكم
وقوله أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى 2
أو ليس الذي خلق السماوات والأرض 3
أليس الله بكاف عبده 4
أليس الله بعزيز ذي انتقام 4
أليس في جهنم مثوى للكافرين 5
أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم 6 ومنه قوله صلى الله عليه وسلم اينقص الرطب اذا جف وقوله جرير % % الستم خير من ركب المطايا ( 7 %
واعلم ان في جعلهم الآية الاولى من هذا النوع اشكالا لانه لو خرج الكلام عن النفي لجاز ان يجاب بنعم وقد قيل انهم لو قالوا نعم كفروا ولما حسن دخول الباء في الخبر ولو لم تفد لفظة الهمزة استفهاما لما استحق الجواب اذ لا سؤال حينئذ
والجواب يتوقف على مقدمه وهي أن الاستفهام اذا دخل على النفي يدخل باحد وجهين
اما ان يكون الاستفهام عن النفي هل وجد أم لا فيبقى النفي على ما كان عليه أو للتقرير كقوله الم احسن اليك وقوله تعالى ألم نشرح لك صدرك 1 ألم يجدك يتيما 2
فان كان بالمعنى الاول لم يجز دخول نعم في جوابه اذا اردت ايجابه بل تدخل عليه بلى وان كان بالمعنى الثاني وهو التقرير فللكلام حينئذ لفظ ومعنى فلفظه نفي داخل عليه الاستفهام ومعناه الاثبات فبالنظر إلى لفظه تجيبه ببلى وبالنظر إلى معناه وهو كونه اثباتا تجيبه بنعم
وقد انكر عبد القاهر كون ( 3 ) الهمزة للايجاب لان الاستفهام يخالف الواجب وقال انها ادا دخلت على ما أو ليس يكون تقريرا وتحقيقا فالتقرير كقوله تعالى أأنت قلت للناس 4 أأنت فعلت هذا 5
واعلم ان هذا النوع ياتي على وجوه
الاول مجرد الاثبات كما ذكرنا
الثاني الاثبات مع الافتخار كقوله تعالى عن فرعون أليس لي ملك مصر 6
الثالث الاثبات مع التوبيخ كقوله تعالى ألم تكن أرض الله واسعة 1 أي هي واسعة فهلا هاجرتم فيها
الرابع مع العتاب كقوله تعالى ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله 2 قال ابن مسعود ما كان بين اسلامنا وبين ان عاتبنا الله بهذه الآية ( 3 ) الا اربع سنين وما الطف ما عاتب الله به خير خلقه بقوله تعالى عفا الله عنك لم أذنت لهم 4 ولم يتأدب الزمخشري بأدب الله تعالى في هذه الآية
الخامس التبكيت كقوله تعالى أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين 5 هو تبكيت للنصارى فيما ادعوه كذا جعل السكاكي وغيره هذه الآية من نوع التقرير ( 6 ) وفيه نظر لأن ذلك لم يقع منه
السادس التسوية ( 7 ) وهي الداخلة على جملة يصح حلول المصدر محلها كقوله تعالى وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم 8 أي سواء عليهم الانذار وعدمه مجردة للتسوية مضمحلا عنها معنى الاستفهام
ومعنى الاستواء فيه استواؤهما في علم المستفهم لانه قد علم انه أحد الامرين كائن
اما الانذار واما عدمه ولكن لا يعينه وكلاهما معلوم بعلم غير معين
فان قيل الاستواء يعلم من لفظه سواء لا من الهمزة مع انه لو علم منه لزم التكرار
قيل هذا الاستواء غير ذلك الاستواء المستفاد من لفظه سواء وحاصله انه كان الاستفهام عن مستويين فجرد عن الاستفهام وبقي الحديث عن المستويين ولا يكون ضرر في ادخال سواء عليه لتغايرهما لان المعنى ان المستويين في العلم يستويان في عدم الايمان وهذا اعنى حذف مقدر واستعماله فيما بقي كثير في كلام العرب كما في النداء فانه لتخصيص المنادى وطلب اقباله فيحذف قيد الطلب ويستعمل في مطلق الاختصاص نحو اللهم اغفر لنا ايتها العصابة فإنه ينسلخ عن معنى الكلمة لان معناه مخصوص من بين سائر العصائب
ومنه قوله تعالى سواء علينا أجزعنا أم صبرنا 1
وقوله تعالى سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم 2
أوعظت أم لم تكن من الواعظين 3
وتارة تكون التسوية مصرحا بها كما ذكرناه وتارة لا تكون كقوله تعالى وإن أدري أقريب أم بعيد 4
السابع التعظيم كقوله تعالى من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه 5
الثامن التهويل نحو الحاقة ما الحاقة ( 1 )
وقوله تعالى وما أدراك ما هيه 2
وقوله ماذا يستعجل منه المجرمون 3 تفخيم للعذاب الذي يستعجلونه
التاسع التسهيل والتخفيف كقوله تعالى وماذا عليهم لو آمنوا بالله 4
العاشر التفجع نحو ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها 5
الحادي عشر التكثير نحو وكم من قرية أهلكناها 6
الثاني عشر الاسترشاد نحو أتجعل فيها من يفسد فيها 7 والظاهر انهم استفهموا مسترشدين وانما فرق بين العبارتين ادبا وقيل هي هنا للتعجب & الاستفهام بمعنى الانشاء
القسم الثاني الاستفهام المراد به الانشاء وهو على ضروب
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر