الجزء ٢ — ص ٣١٩–٣٢٨
قال فان ورد ما ظاهره ذلك صرف إلى المخاطب كقوله فما أصبرهم على النار 1 أي ( 2 ) هؤلاء يجب ان يتعجب منهم ( 2 )
وقيل بالجواز لقوله فما أصبرهم على النار 1 ان قلنا ما تعجبيه لا استفهامية وقوله بل عجبت 3 في قراءة بعضهم بالضم
والمختار الاول وما وقع منه اول بالنظر إلى المخاطب أي علمت اسباب ما يتعجب منه العباد فسمي العلم بالعجب عجبا
وأصل الخلاف في هذه المسالة يلتف على خلاف آخر وهو ان حقيقة التعجب هل يشترط فيه خفاء سببه فيتحيز فيه المتعجب منه اولا
ولم يقع في القرآن صيغة التعجب الا قوله فما أصبرهم على النار وقوله قتل الإنسان ما أكفره 4 و يا أيها الإنسان ما غرك 5 في قراءة من زاد الهمزة
ثم قال المحققون التعجب مصروف إلى المخاطب ولهذا تلطف الزمخشري فيعبر عنه بالتعجب ومجيء التعجب من الله كمجيء الدعاء منه والترجي وانما هذا بالنظر إلى ماتفهمه العرب أي هؤلاء عندكم ممن يجب ان تقولوا لهم هذه وكذلك تفسير سيبويه
قوله تعالى لعله يتذكر أو يخشى 1 قال المعنى اذهبا على رجائكما وطمعكما ( 2 ) قال ابن الضائع ( 3 ) وهو حسن جدا
قلت وذكر سيبويه ايضا قوله تعالى ويل يومئذ للمكذبين 4 ويل للمطففين 5 فقال لا ينبغي ( 6 ) ان تقول انه ( 6 ) دعاء ها هنا لان الكلام بذلك ( 7 ) واللفظ به ( 6 ) قبيح ولكن العباد انما كلموا ( 8 ) بكلامهم وجاء القرآن على لغتهم وعلى ما يعنون فكانه والله اعلم قيل لهم ويل للمطففين و ويل يومئذ للمكذبين أي هؤلاء ممن وجب هذا القول لهم لان هذا الكلام انما يقال لصاحب الشر والهلكة فقيل هؤلاء ممن دخل في الهلكة ووجب لهم هذا ( 9 ) انتهى
ومنها الامر كقوله تعالى والمطلقات يتربصن 10 والوالدات يرضعن 11 فان السياق يدل على ان الله تعالى أمر بذلك لا انه خبر والا لزم الخلف في الخبر وسبق في المجاز
ومنها النهي كقوله تعالى لا يمسه إلا المطهرون 1
ومنها الوعد كقوله سنريهم آياتنا في الآفاق 2
ومنها الوعيد كقوله تعالى وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون 3
ومنها الانكار والتبكيت نحو ذق إنك أنت العزيز الكريم 4
ومنها الدعاء كقوله تعالى إياك نعبد وإياك نستعين 5 أي اعنا على عبادتك
وربما كان اللفظ خبرا والمعنى شرطا وجزاء كقوله إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون 6 فظاهره خبر والمعنى ( 7 ) انا ان نكشف عنكم العذاب تعودوا
ومنه قوله الطلاق مرتان 8 من طلق امرأته مرتين فليمسكها بعدهما بمعروف أو يسرحها باحسان
ومنها التمني وكلمته الموضوعه له ليت وقد تستعمل ثلاثة احرف
احدها هل كقوله فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا 9 حملت هل على افادة التمني لعدم التصديق بوجود شفيع في ذلك المقام فيتولد ( 10 ) التمني بمعونة قرينة الحال
والثاني لو سواء كانت مع ود كقوله تعالى ودوا لو تدهن فيدهنون 1 بالنصب أو لم تكن كقوله تعالى لو أن لي بكم قوة 2 وقوله لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم 3 لو أن لي كرة فأكون 4
والثالث لعل كقوله تعالى لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع 5 في قراءة النصب
واختلف هل التمني خبر ومعناه النفي أو ليس بخبر ولهذا لا يدخله التصديق والتكذيب قولان عن اهل العربية حكاهما ابن فارس في كتاب فقه العربية ( 6 )
والزمخشري بنى كلامه على انه ليس بخبر واستشكل دخول التكذيب في جوابه وفي قوله تعالى يا ليتنا نرد ولا نكذب 7 إلى قوله وإنهم لكاذبون 8 واجاب بنضمنه معنى العدة فدخله التكذيب ( 9 )
وقال ابن الضائع التمني حقيقة لا يصح فيه الكذب وانما يرد الكذب في التمني الذي يترجح عند صاحبه وقوعه فهو اذن وارد على ذلك الإعتقاد الذي هو ظن وهو خبر صحيح
قال وليس المعنى في قوله وإنهم لكاذبون ان ما تمنوا ليس بواقع لانه ورد في معرض الذم لهم وليس في ذلك المعنى ذم بل التكذيب ورد على اخبارهم عن انفسهم انهم لايكذبون وانهم يؤمنون
ومنها الترجي والفرق بينه وبين التمني ان الترجي لايكون الا في الممكنات والتمني يدخل المستحيلات
ومنها النداء وهو طلب اقبال المدعو على الداعي بحرف مخصوص وانما يصحب في الاكثر الامر والنهي كقوله يا أيها الناس اعبدوا ربكم 1 يا أيها النبي اتق الله 2 يا عباد فاتقون 3 ويا قوم استغفروا ربكم 4 يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله 05 ) يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم 6
وربما تقدمت جملة الامر جملة النداء كقوله تعالى وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون 7
وإذا جاءت جملة الخبر بعد النداء ( 1 ) تتبعها جملة الامر كما في قوله تعالى يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له 2
وقد تجيء معه الجمل الاستفهامية والخبرية كقوله تعالى في الخبر يا عباد لا خوف عليكم 3 وفي الاستفهام يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر 4 ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ( 5 ) يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك 7
وهنا فائدتان احداهما قال الزمخشري رحمه الله كل نداء في كتاب الله يعقبه فهم في الدين اما من ناحية الاوامر والنواهي التي عقدت بها سعادة الدارين واما مواعظ وزواجر وقصص لهذا المعنى كل ذلك راجع إلى الدين الذي خلق الخلق لاجله وقامت السموات والأرض به فكان حق هذه ان تدرك بهذه الصيغة البليغة
الثانية النداء انما يكون للبعيد حقيقة أو حكما وفي قوله تعالى وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا 8 لطيفة فانه تعالى بين انه كما ناداه ناجاه ايضا والنداء مخاطبة الابعد والمناجاه مخاطبة الاقرب ولاجل هذه اللطيفة اخبر سبحانه عن مخاطبة لآدم وحواء بقوله وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة 9
وفي موضع ويا آدم اسكن 1 ثم لما حكى عنهما ملابسة المخالفة قال في وصف خطابه لهما وناداهما ربهما 2 فاشعر هذا اللفظ بالبعد لأجل المخالفة كما اشعر اللفظ الأول بالقرب عند السلامة منها
وقد يستعمل النداء في غير معناه مجازا في مواضع
الاول الاغراء والتحذير وقد اجتمعا في قوله تعالى ناقة الله وسقياها 3 والاغراء امر معناه الترغيب والتحريض ولهذا خصوا به المخاطب
الثاني الاختصاص وهو كالنداء الا انه لاحرف فيه
الثالث التنبيه نحو يا ليتني مت قبل هذا 4 لان حرف النداء يختص بالاسماء
وقال النحاس في قوله تعالى يا ويلتى 5 نداء مضاف والفائدة فيه ان معناه هذا وقت حضور الويل وقال الفارسي في قوله تعالى يا حسرة على العباد 6 معناه انه لو كانت الحسرة مما يصح نداه لكان هذا وقتها
وقد اختلف في ان النداء خبر أم لا قال أبو البقاء ( 7 ) في شرح الايضاح ذهب الجميع إلى ان قولك يا زيد ليس بخبر محتمل للتصديق والتكذيب انما هو بمنزلة الاشارة والتصويت
واختلفوا في قولك ( 8 ) يافاسق فالاكثرون على انه ليس بخبر ايضا قال أبو علي
الفارسي خبر لانه تضمن نسبته للفسق
ومنها الدعاء نحو تبت يدا أبي لهب 1 وقوله قاتلهم الله 2 حصرت صدورهم 3 ويل للمطففين 4
قال سيبويه ( 5 ) هذا دعاء وانكره ابن الطراوة ( 6 ) لاستحالته هنا وجوابه انه مصروف للخلق واعلامهم بانهم اهل لان يدعى عليهم كما في الرجاء وغيره مما سبق & فائدة
ذكر ( 7 ) الزمخشري ان الاستعطاف نحو تالله هل قام زيد قسم والصحيح انه ليس بقسم لكونه خبرا & الاستخبار وهو الاستفهام
الثاني الاستخبار وهو طلب خبر ما ليس عندك وهو بمعنى الاستفهام أي طلب الفهم ومنهم من فرق بينهما بان الاستخبار ما سبق اولا ولم يفهم حق الفهم فاذا سالت عنه ثانيا كان استفهاما حكاه ابن فارس في فقه العربية ( 8 )
ولكون الاستفهام طلب ما في الخارج أو تحصيله في الذهن لزم الا يكون حقيقة
الا اذا صدر من شاك مصدق بامكان الاعلام فان غير الشاك اذا استفهم يلزم تحصيل الحاصل واذا لم يصدق بامكان الاعلام انتفت فائدة الاستفهام
وفي الاستفهام فوائد الاولى قال بعض الائمة ما جاء على لفظ الاستفهام في القرآن فانما يقع في خطاب الله تعالى على معنى ان المخاطب عنده علم ذلك الاثبات أو النفي حاصل فيستفهم عنه نفسه تخبره به اذ قد وضعه الله عندها فالاثبات كقوله تعالى ومن أصدق من الله حديثا 1 والنفي كقوله تعالى هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا 2 فهل أنتم مسلمون 3 ومعنى ذلك انه قد حصل لكم العلم بذلك تجدونه عندكم اذا استفهمتم انفسكم عنه فان الرب تعالى لا يستفهم خلقه عن شيء وانما يستفهمهم ليقررهم ويذكرهم انهم قد علموا حق ذلك الشيء فهذا اسلوب بديع انفرد به خطاب القرآن وهو في كلام البشر مختلف
الثانية الاستفهام اذا بني عليه امر قبل ذكر الجواب فهم ترتب ذلك الامر على جوابه أي جواب كان لان سبقه على الجواب يشعر بان ذلك حال من يذكر في الجواب لئلا يكون ايراده قبله عبثا فيفيد حينئذ تعميما نحو من جاءك فاكرمه بالنصب فانه لما قال قبل ذكر جواب الاستفهام اكرمه علم انه يكرم من يقول المجيب انه جاء أي جاء كان وكذا حكم من ذا جاءك اكرمه بالجزم
الثالثة قد يخرج الاستفهام عن حقيقته بان يقع ممن يعلم ويستغني عن طلب الافهام & اقسام الاستفهام
وهو قسمان بمعنى الخبر وبمعنى الانشاء & الاستفهام بمعنى الخبر
الاول بمعنى الخبر وهو ضربان احدهما نفي والثاني اثبات فالوارد للنفي يسمى استفهام انكار والوارد للاثبات يسمى استفهام تقرير لانه يطلب بالاول انكار المخاطب وبالثاني اقراره به $ استفهام الانكار
فالأول المعنى فيه على ان ما بعد الاداة منفي ولذلك تصبحه الا كقوله تعالى فهل يهلك إلا القوم الفاسقون 1
وقوله تعالى وهل نجازي إلا الكفور 2 ويعطف عليه المنفي كقوله تعالى فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين 3 أي لايهدي وهو كثير
ومنه أفأنت تنقذ من في النار 4 أي لست تنقذ من في النار أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين 5
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر