علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٨١ من ١٩٤

الجزء ٢ — ص ٣٠٩–٣١٨

تاسعها قصد الاختصار ومنه الكناية عن افعال متعدده بلفظ فعل كقوله تعالى لبئس ما كانوا يفعلون 1 ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به 2 فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا 3 أي فان لم تأتوا بسورة من مثله ولن تاتوا

عاشرها ان يعمد إلى جملة ورد معناها على خلاف الظاهر فياخذ الخلاصة منها من غير اعتبار مفرداتها بالحقيقة أو المجاز فتعبربها عن مقصودك وهذه الكناية استنبطها الزمخشري وخرج عليها قوله تعالى الرحمن على العرش استوى 4 فانه كناية عن الملك لان الاستواءد على السرير لايحصل الا مع الملك فجعلوه كناية عنه

وكقوله تعالى والأرض جميعا قبضته يوم القيامة 5 الآية انه كناية عن عظمته وجلالته من غير ذهاب بالقبض واليمين إلى جهتين حقيقة ومجاز

وقد اعترض الامام فخر الدين على ذلك بانها تفتح باب تاويلات الباطنية فلهم ان يقولوا المراد من قوله فاخلع نعليك 6 الاستغراق في الخدمة من غير الذهاب إلى نعل وخلعه وكذا نظائره انتهى

وهذا مردود لأن الكناية انما يصار اليها عند عدم إجراء اللفظ على ظاهره كما سبق من الامثله بخلاف خلع النعلين ونحوه

& تنبيهان

الاول في انه هل يشترط في الكناية قرينة كالمجاز هذا ينبني على الخلاف السابق انها مجاز أم لا وقال الزمخشري في قوله تعالى ولا ينظر إليهم 1 في سورة آل عمران انه مجاز ( 2 ) عن الاستهانة بهم والسخط عليهم تقول فلان لاينظر إلى فلان تريد نفي اعتداده به واحسانه اليه قال ( 3 ) واصله فيمن يجوز عليه النظر ( 4 ) الكناية لان من اعتد بالانسان التفت اليه واعاره نظر عينيه ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداء والاحسان وان لم يكن ثم نظر ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجردا لمعنى الاحسان مجازا عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر انتهى

وهذا بناء منه على مذهبه الفاسد في نفي الرؤية وفيه تصريح بان الكناية مجاز وبه صرح في قوله تعالى ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء 5

وصرح الشيخ عبد القادر الجرجاني ( 6 ) في الدلائل بان الكناية لا بد لها من قرينة

الثاني قيل من عادة العرب أنها لا تكنى عن الشيء بغيره الا اذا كان يقبح

ذكره وذكروا احتمالين في قوله وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض 1

احدهما انه كنى بالافضاء عن الاصابة

والثاني انه كنى عن الخلوة

ورجحوا الأول لان العرب انما تكنى عما يقبح ذكره في اللفظ ولا يقبح ذكر الخلوة وهذا حسن لكنه يصلح للترجيح

واما دعوى كون العرب لاتكنى الا عما يقبح ذكره فغلط فكنوا عن القلب بالثوب كما في قوله تعالى وثيابك فطهر 2 وغير ذلك مما سبق & التعريض والتلويح

واما التعريض فقيل انه الدلالة على المعنى من طريق المفهوم وسمي تعويضا لان المعنى باعتباره يفهم من عرض اللفظ أي من جانبه ويسمى التلويح لان المتكلم يلوح منه للسامع ما يريده كقوله تعالى بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون 3 لان غرضه بقوله فاسألوهم على سبيل الاستهزاء واقامة الحجة عليهم بما عرض لهم به من عجز كبير الاصنام عن الفعل مستدلا على ذلك بعدم اجابتهم اذا سئلوا ولم يرد بقوله بل فعله كبيرهم هذا 3 نسبة الفعل الصادر عنه إلى الصنم فدلالة هذا الكلام عجز كبير الاصنام عن الفعل بطريق الحقيقة ومن اقسامة ان يخاطب الشخص والمراد غيره سواء كان الخطاب مع نفسه أو مع

غيره كقوله تعالى لئن أشركت ليحبطن عملك 1 ولئن اتبعت أهواءهم 2

فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات 3 تعريضا بان قومه اشركوا واتبعوا أهواءهم وزلوا فيما مضى من الزمان لان الرسول لم يقع منه ذلك فابرز غير الحاصل في معرض الحاصل ادعاء

وقوله فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فان الخطاب للمؤمنين والتعريض لاهل الكتاب لان الزلل لهم لا للمؤمنين

فاما الآية الاولى ففيها ثلاثة امور مخطابة النبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره واخراج المحال عليه في صورة المشكوك والمراد غيره واستعمال المستقبل بصيغة الماضي

وامر رابع وهو ان الشرطية قد لا يراد بها الا مجرد الملازمة التي هي لازمة الشرط والجزاء مع العلم باستحالة الشرط أو وجوبه أو وقوعه

وعلى هذا يحمل قول من لم ير من المفسرين حمل الخطاب على غيره اذ لا يلزم من فرض امر لابد منه صحة وقوعه بل يكون في الممكن والواجب والمحال

ومنه قوله تعالى قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين 5 اذا جعلت شرطية لا نافية

ومنه إن كنا فاعلين 6

ومنه قوله تعالى وما لي لا أعبد الذي فطرني 1 المراد ما لكم لا تعبدون بدليل قوله وإليه ترجعون 1 ولولا التعريض لكان المناسب واليه ارجع وكذا قوله أأتخذ من دونه آلهة 1 والمراد أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون إني إذا لفي ضلال مبين 2 ولذلك قيل آمنت بربكم فاسمعون 2 دون ربي و اتبعه فاسمعوه

ووجه حسنه ظاهر لانه يتضمن اعلام السامع على صورة لا تقتضي مواجهته بالخطاب المنكر كانك لم تعنه وهو اعلى في محاسن الاخلاق واقرب للقبول وادعى للتواضع والكلام ممن هو رب العالمين نزله بلغتهم وتعليما للذين يعقلون

قيل ومنه قوله تعالى قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون 03 ) فحصل المقصود في قالب التلطف وكان حق الحال من حيث الظاهر لولاه ان يقال لاتسالون عما عملنا ولا نسال عما تجرمون

وكذا مثله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين 4 حيث ردد الضلال بينهم وبين نفسهم والمراد انا على هدى وأنتم في ضلال وانما لم يصرح به لئلا تصير هنا نكته هو انه خولف في هذا الخطاب بين على وفي بدخول على على الحق وفي على الباطل لان صاحب الحق كأنه على فرس جواد يركض به حيث اراد وصاحب الباطل كانه سنغمس في ظلام لا يدري اين يتوجه قال

السكاكي ويسمى هذا النوع الخطاب المنصف أي لانه يوجب ان

ان ينصف المخاطب اذا رجع إلى نفسه استدراجا استدراجه الخصم إلى الاذعان والتسليم وهو شبيه بالجدل لانه تصرف في المغالطات الخطابية

ومنه قوله تعالى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب 1 المقصود التعريض بذم من ليست له هذه الخشية وان يعرف انه لفرط عناده كانه ليس له اذن تسمع ولا قلب يعقل وان الانذار له كلا انذار وانه قد انذر من له هذه الصفة وليست له وقوله إنما يتذكر أولوا الألباب 2 القصد التعريض وانهم لغلبه هواهم في حكم من ليس له عقل

وقوله تعالى ذق إنك أنت العزيز الكريم 2 نزلت في أبي جهل لانه قال ما بين أخشبيها أي جبليها يعني مكة اعز مني ولا اكرم وقيل بل حوطب بذلك استهزاء & التوجيه

وأما التوجيه وهو ما احتمل معنيين ويؤتى به عند فطنة المخاطب كقوله تعالى حكاية عن اخت موسى عليه السلام هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون 4 فان الضمير في له يحتمل ان يكون لموسى وان يكون لفرعون

قال ابن جريج وبهذا تخلصت اخت موسى من قولهم انك عرفته فقالت اردت ناصحون للملك واعترض عليه بان هذا في لغة العرب لا في كلامها المحكي

وهذا مردود فان الحكاية مطابقة لما قالته وان كانت بلغة اخرى

ونظيره جواب ابن الجوزي لمن قال له من كان افضل عند النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر أم علي فقال من كانت ابنته تحته ( 1 )

وجعل السكاكي من هذا القسم مشكلات القرآن

$ النوع الخامس والاربعون & في اقسام معنى الكلام

زعم قوم ان معاني القرآن لا تنحصر ولم ( 1 ) يتعرضوا لحصرها وحكاية ابن السيد عن اكثر البصريين في زمانه

وقيل قسمان ( 2 ) خبر وغير خبر

وقيل عشرة نداء ومسالة وامر وتشفع وتعجب وقسم وشرط ووضع وشك واستفهام

وقيل تسعة واسقطوا الاستفهام لدخوله في المسالة

وقيل ثمانية واسقطوا التشفع لدخوله في المسالة

وقيل سبعة واسقطوا الشك لانه في قسم الخبر

وكان أبو الحسن الاخفش يرى انها ستة ايضا وهي عنده الخبر والاستخبار والامر والنهي والنداء والتمني

وقيل خمسة الخبر والامر والتصريح والطلب والنداء وقيل غير ذلك ( 3 )

الاول الخبر ( 1 ) والقصد به افادة المخاطب وقد يشرب مع ذلك معاني اخر

منها التعجب قال ابن ( 2 ) فارس وهو تفضيل الشيء على أضرابه بوصف ( 3 )

وقال ابن الضائع استعظام صفة خرج بها المتعجب منه عن نظائره نحو ما احسن زيدا واحسن به استعظمت حسنة على حسن غيره

وقال الزمخشري في تفسير سورة الصف ( 4 ) معنى التعجب تعظيم الامر في قلوب السامعين لان التعجب لا يكون الا من شيء خارج عن نظائره واشكاله

وقال الرماني المطلوب في التعجب الابهام لان من شأن الناس ان يتعجبوا مما لا يعرف سببه وكلما ( 5 ) ( 5 ) استبهم السبب كان التعجب احسن قال واصل التعجب انما هو للمعنى الخفي سببه والصيغة الدالة عليه تسمى تعجبا يعني مجازا قال ومن اجل الابهام لم تعمل نعم الا في الجنس من أجل التفخيم ليقع التفسير على نحو التفخيم بالاضمار قبل الذكر

ثم قد وضعوا للتعجب صيغا من لفظه وهي ما افعله وافعل به وصيغا

من غير لفظه نحو كبر في نحو كبرت كلمة تخرج من أفواههم 1 كبر مقتا عند الله 2 كيف تكفرون بالله 3 واحتج الثمانيني ( 4 ) على انه خبر بقوله تعالى أسمع بهم وأبصر 5 تقديره ما اسمعهم وابصرهم والله سبحانه لم يتعجب بهم ولكن دل المكلفين على ان هؤلاء قد نزلوا منزلة من يتعجب منه وهنا مسالتان

الاولى قيل لايتعجب من فعل الله فلا يقال ما أعظم الله لانه يئول إلى شئ عظم الله كما في غيره من صيغ التعجب وصفات الله تعالى قديمة وقيل بجوازه باعتبار انه يحب تعظيم الله شيء من صفاته فهو يرجع لاعتقاد العباد عظمته وقدرته وقد قال الشاعر % % ما اقدر الله ان يدني على شحط % % من داره الحزن ممن داره صول %

والاولون قالوا هذا اعرابي جاهل بصفات الله وقال بعض المحققين التعحب انما يقال لتعظيم الامر المتعجب منه ولا يخطر بالبال ان شيئا صيره كذلك وخفي علينا فلا يمتنع حينئذ التعجب من فعل الله

والثانية هل يجوز اطلاق التعجب في حق الله تعالى فقيل بالمنع لان التعجب استعظام ويصحبه الجهل والله سبحانه منزه عن ذلك وبه جزم ابن عصفور ( 6 ) في المقرب

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر