علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٨٠ من ١٩٤

الجزء ٢ — ص ٢٩٩–٣٠٨

والاول من مجاز السببية لان توحيد اللسان مسبب عن توحيد الجنان

قلت وهذا يسميه ابن السيد مجاز المراتب وجعل منه قوله تعالى يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا فإن المنزل عليهم ليس هو نفس اللباس بل الماء المنبت للزرع المتخذ منه الغزل المنسوج منه اللباس

$ النوع الرابع والاربعون & في الكنايات والتعريض في القرآن

اعلم ان العرب تعد الكناية من البراعة والبلاغة وهي عندهم ابلغ من التصريح قال الطرطوسي واكثر امثالهم الفصيحة على مجاري الكنايات وقد الف أبو عبيد ( 1 ) وغيره كتبا في الامثال ( 2 ) ومنها قولهم فلان عفيف الإزار طاهر الذيل ولم يحصن فرجه وفي الحديث كان اذا دخل العشر ايقظ اهله وشد المئزر فكنوا عن ترك الوطء بشد المئزر وكنى عن الجماع بالعسيلة ( 3 ) وعن النساء بالقوارير ( 4 ) لضعف قلوب النساء ويكنون عن الزوجه بربة البيت وعن الاعمى بالمحجوب

والمكفوف وعن الابرص بالوضاح وبالابرش وغير ذلك وهو كثير في القرآن قال الله تعالى ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم 1

والكناية عن الشيء الدلالة عليه من غير تصريح باسمه

وهي عند أهل البيان ان يريد المتكلم اثبات معنى من المعاني فلا بذكره باللفظ الموضوع له من اللغة ولكن يجيء إلى المعنى هو تاليه ورديفه في الوجود فيومي به اليه ويجعله دليلا عليه فيدل على المراد من طريق اولى مثاله قولهم طويل النجاد وكثير الرماد يعنون طويل القامة وكثير الضيافة فلم يذكروا المراد بلفظ الخاص به ولكن توصلوا اليه بذكر معنى آخر هو رديفه في الوجود لان القامة اذا طالت طال النجاد واذا كثر القرى كثر الرماد

وقد اختلف في انها حقيقة أو مجاز فقال الطرطوسي ( 2 ) في العمدة قد اختلف في وجود الكناية في القرآن وهو كالخلاف في المجاز فمن اجاز وجود المجاز فيه اجاز الكناية وهو قول الجمهور ومن انكر ذلك انكر هذا

وقال الشيخ عز الدين الظاهر انها ليست بمجاز لانك استعملت اللفظ فيما وضع له واردت به الدلالة على غيره ولم تخرجه عن ان يكون مستعملا فيما وضع له وهذا شبيه بدليل الخطاب في مثل قوله تعالى فلا تقل لهما أف 3 & اسباب الكناية

ولها اسباب احدها التنبيه على عظم القدرة كقوله تعالى هو الذي خلقكم من نفس واحدة ( 4 ) كناية عن آدم

ثانيها فطنة المخاطب كقوله تعالى في قصة داود خصمان بغى بعضنا على بعض 1 فكنى داود يخصم على لسان ملكين تعريضا

وقوله في قصة النبي صلى الله عليه وسلم وزيد ما كان محمد أبا أحد من رجالكم 2 أي زيد ولكن رسول الله 2

وقوله تعالى فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة 3 فانه كناية عن الا تعاندوا عند ظهور المعجزة فتمسكم هذه النار العظيمة

وكذا قوله تعالى وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله 4

وقوله تعالى إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا 5 الآيات فان هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى لاتظن انك مقصر في انذارهم فانا نحن المانعون لهم من الايمان فقد جعلناهم حطبا للنار ليقوى التذاذ المؤمن بالنعيم كما لا تتبين لذة الصحيح الا عند رؤية المريض

ثالثها ترك اللفظ إلى ما هو اجمل منه كقوله تعالى إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة 6 فكنى بالمرأة عن النعجة كعادة العرب انها تكنى بها عن المرأة

وقوله إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة 7 كنى بالتحيز عن الهزيمة

وقوله تعالى إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم 1 كنى بنفي قبول التوبة عن الموت على الكفر لانه يرادفه

رابعها أن يفحش ذكره في السمع فيكنى عنه بما لا ينبو عن الطبع قال تعالى وإذا مروا باللغو مروا كراما 2 أي كنوا عن لفظه ولم يوردوه على صيفته

ومنه قوله تعالى في جواب قوم هود إنا لنراك في سفاهة 3 قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين 4 فكنى عن تكذيبهم بأحسن

ومنه قوله ولكن لا تواعدوهن سرا 5 فكنى عن الجماع بالسر

وفيه لطيفة أخرى لاأه يكون من الآدميين في السر غالبا ولا يسره ما عدا الآدميين الا الغراب فانه يسره ويحكى ان بعض الادباء اسر إلى أبي على الحاتمي كلاما فقال ليكن عندك اخفى من سفاد الغراب ومن الراء في كلام الالثغ فقال نعم ياسيدنا ومن ليلة القدر وعلم الغيب

ومن عادة القرآن العظيم الكناية عن الجماع باللمس والملامسة والرفث والدخول والنكاح ونحوهن قال تعالى فالآن باشروهن 6 فكنى بالمباشرة عن الجماع لما فيه من التقاء البشرتين

وقوله تعالى أو لامستم النساء 7 إذ لا يخلوا الجماع من الملامسة

وقوله في الكناية عنهن هن لباس لكم وأنتم لباس لهن 1 واللباس من الملابسة وهي الاختلاط والجماع

وكنى عنهن في موضع آخر بقوله نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم 2

وقوله تعالى وراودته التي هو في بيتها 3 كناية عما تطلب المرأة من الرجل

وقوله تعالى فلما تغشاها حملت حملا خفيفا 4

ومنه قوله تعالى في مريم وابنها كانا يأكلان الطعام 5 فكنى باكل الطعام عن البول والغائط لانهما منه مسببان اذ لابد للاكل منهما لكن استفبح في المخاطب ذكر الغائط فكنى به عنه

فان قيل فقد صرح به في قوله تعالى أو جاء أحد منكم من الغائط 5

قلنا لانه جاء على خطاب العرب وما يالفون والمراد تعريفهم الاحكام فكان لا بد من التصريح به على ان الغائط ايضا كناية عن النجو وانما هو في الاصل اسم للمكان المنخفض من الأرض وكانوا اذا ارادوا قضاء حاجتهم ابعدوا عن العيون إلى منخفض من الأرض فسمى منه لذلك ولكنه كثر استعماله في كلامهم فصار بمنزلة التصريح

وما ذكناه في قوله تعالى كانا يأكلان الطعام 6 هو المشهور وانكره الجاحظ وقال بل الكلام على ظاهره ويكفي في الدلالة على عدم الالهية نفس اكل

الطعام لان الاله هو الذي لا يحتاج إلى شيء ياكله ولانه كما يجوز ان يكون المعبود محدثا كذلك لا يجوز ان يكون طاعما قال الخفاجي وهذا صحيح ( 1 )

ويقال لهما الكناية عن الغائط في تشنيع وبشاعة على من اتخذها آلهة فاما قوله تعالى وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق 2 فهو على حقيقته

قال الوزير ابن هبيرة ( 3 ) وفي هذه الآية فضل العالم المتصدي للخلق على الزاهد المنقطع فان النبي كالطبيب والطبيب يكون عند المرضى فلو انقطع عنهم هلكوا

ومنه قوله تعالى فجعلهم كعصف مأكول 4 كنى به عن مصيرهم إلى العذرة فان الورق اذا اكل انتهى حاله إلى ذلك

وقوله تعالى وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا 5 أي لفروجهم فكنى عنها بالجلود على ما ذكره المفسرون

فإن قيل فقد قال الله تعالى والتي أحصنت فرجها 6 فصرح بالفرج قلنا اخطأ من توهم هنا الفرج الحقيقي وانما هو من لطيف الكنايات واحسنها وهي كناية عن فرج القميص أي لم يعلق ثوبها ريبة فهي طاهرة الاثواب وفروج القميص أربعة الكمان والاعلى والاسفل وليس المراد غير هذا فان القرآن انزه معنى

والطف اشارة واملح ( 1 ) عبارة من ان يريد ما ذهب اليه وهم الجاهل لاسيما والنفخ من روح القدس بأمر القدوس فاضيف القدس إلى القدوس ونزهت القانتة المطهرة عن الظن الكاذب والحدس ذكره صاحب التعريف والاعلام ( 2 )

ومنه وقوله تعالى الخبيثات للخبيثين 3 يريد الزناة

وقوله تعالى ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن 4 فانه كناية عن الزنا وقيل اراد طرح الولد على زوجها من غيرة لان بطنها بين يديها ورجليها وقت الحمل

وقوله تعالى يجعلون أصابعهم في آذانهم 5 وانما يوضع في الاذن السبابة فذكر الاصبع وهو الاسم العام ادبا لاشتقاقها من السب الا تراهم كنوا عنها بالمسبحة والدعاءة وانما يعبر بهما عنها لانها الفاظ مستحدثة قاله الزمخشري

وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرح الالمام ( 6 ) يمكن ان يقال ان ذكر الاصبع هنا جامع لامرين احدهما التنزه عن اللفظ المكروه والثاني حط منزلة الكفار عن التعبير باللفظ المحمود والاعم يفيد المقصودين معا فاتى به وهو لفظ الاصبع وقد جاء في الحديث الامر بالتعبير بالاحسن مكان القبيح كما في حديث من سبقه الحدث في الصلاة فلياخذ بانفه ويخرج امر بذلك ارشادا إلى ايهام سبب احسن من الحدث وهو الرعاف وهو ادب حسن من الشرع في ستر العورة واخفاء القبيح وقد صح نهية عليه السلام

ان يقال لشجر العنب ( 1 ) الكرم وقال انما الكرم الرجل المسلم كره الشارع تسميتها بالكرم لانها تعتصر منها أم الخبائت

وحديث كان يصيب من الراس وهو صائم قيل هو اشارة إلى القبلة وليس لفظ القبلة مستهجنا

وقوله اياكم وخصراء الدمن

خامسها تحسين اللفظ كقوله تعالى بيض مكنون 2 فان العرب كانت عادتهم الكناية عن حرائر النساء بالبيض قال امرؤ القيس % % وبيضة خدر لا يرام خباؤها % % تمتعت من لهو بها غير معجل ( 3 ) 0 $ ) وقوله تعالى وثيابك فطهر 5 ومثله قول عنترة % % فشككت بالرمح الطويل ثيابه % % ليس الكريم على القنا بمحرم

% 6 )

سادسها قصد البلاغة كقوله تعالى أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين 7 فانه سبحانه كنى عن النساء بأنهن ينشأن في الترفه والتزين والتشاغل

عن النظر في الامور ودقيق المعاني ولو اتى بلفظ النساء لم يشعر بذلك والمراد نفي ذلك اعني الانوثة عن الملائكة وكونهم بنات الله تعالى الله عن ذلك

وقوله فما أصبرهم على النار 1 أي هم في التمثيل بمنزلة المتعجب منه بهذا التعجب

سابعها قصد المبالغة في التشنيع كقوله تعالى حكاية عن اليهود لعنهم الله وقالت اليهود يد الله مغلولة 3 لان جماعة كانوا متمولين فكذبوا النبي صلى الله عليه وسلم فكف الله عنهم ما اعطاهم وهو سبب نزولها

واما قوله تعالى غلت أيديهم 2 فيحمل على المجاز على وجه الدعاء والمطابقة للفظ ولهذا قيل انهم ابخل خلق الله والحقيقة انهم تغل ايديهم في الدنيا بالاسار وفي الاخرة بالعذاب واغلال النار

وقوله بل يداه مبسوطتان 2 كناية عن كرمه وثنى اليد وان افردت في اول الآية ليكون ابلغ في السخاء والجود

ثامنها التنبيه على مصيره كقوله تعالى تبت يدا أبي لهب 4 أي جهنمي مصيره إلى اللهب

وكقوله حمالة الحطب 4 أي نمامة ومصيرها إلى ان تكون حطبا لجهنم

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر