علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٧٩ من ١٩٤

الجزء ٢ — ص ٢٨٩–٢٩٨

ومنه اطلاق الخبر وارادة الامر كقوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن اي ليرضع الوالدات اولادهن

وقوله يتربصن بأنفسهن اي تتربص المتوفى عنها

وقوله تزرعون سبع سنين دأبا والمعنى ازرعوا سبع سنين بدليل قوله فذروه في سنبله

وقوله تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون معناه آمنوا وجاهدوا ولذلك أجيب بالجزم في قوله يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات ولا يصح ان يكون جوابا للاستفهام في قوله هل أدلكم لان المغفرة وادخال الجنان لا يترتبان على مجرد الدلالة قاله أبو البقاء والشيخ عزالدين

والتحقيق ما قاله النبالي انه جعل الدلالة على التجارة سببا لوجودها والتجارة هي الإيمان ولذلك فسرها بقوله تؤمنون فعلم ان التجارة من جهة الدلالة هي الايمان فالدلالة سبب الايمان والايمان سبب الغفران وسبب السبب سبب وهذا النوع فيه تأكيد وهو من مجاز التشبيه شبه الطلب في تأكده بخبر الصادق الذي لابد

من وقوعه واذا شبهة بالخبر الماضي كان آكد

ومنه عكسه كقوله تعالى فليمدد له الرحمن مدا والتقدير مده الرحمن مدا

وقوله اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم أي نحمل

قال الكواشي والامر بمعنى الخبر ابلغ من الخبر لتضمنه اللزوم نحو ان زرتنا فلنكرمك يريدون تأكيد ايجاب الإكرام عليهم كذا قال الشيخ عز الدين مقصودة تأكيد الخبر لان الامر للإيجاب يشبه الخبر في ايجابه

وجعل الفارسي منه قوله تعالى إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون قال كن لفظه امر والمراد الخبر والتقدير يكون فيكون أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أي فهو يكون قال ولهذا أجمع القراء على رفع فيكون ورفضوا فيه النصب الا ما روي عن ابن عامر وسوغ النصب لكونه بصيغة الامر قال ولا يجوز ان يكون معطوفا على نقول فيجيء النصب على الفعل المنصوب لان ذلك لايطرد بدليل قوله إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون اذ لايستقيم هنا العطف المذكور لان قال ماض

ويكون مضارعا فلا يحسن عطفه عليه لاختلافهما

قلت وهذا الذي قاله الفارسي ضعيف مخالف لقواعد اهل السنة

ومنه اطلاق الخبر وارادة النهي كقوله لا تعبدون إلا الله ومعناه لاتعبدوا

وقوله لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم أي لا تسفكوا ولا تخرجوا

وقوله وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله أي ولا تنفقوا & الثاني والعشرون إطلاق الأمر وإرادة التهديد والتلوين

وغير ذلك من المعاني الستة عشر وما زيد عليها من انواع المجاز ولم يذكروه هنا في اقسامه & الثالث والعشرون لإضافة الفعل إلى ماليس بفاعل له في الحقيقة

إما على التشبيه كقوله تعالى جدارا يريد أن ينقض فإنه شبه ميله للوقوع بشبه المريد له

وإما لأنه وقع فيه ذلك الفعل كقوله تعالى الم غلبت الروم فالغلبة واقعة بهم من غيرهم ثم قال وهم من بعد غلبهم سيغلبون فأضاف الغب اليهم وإنما كان كذلك لان الغلب وإن كان لغيرهم فهو متصل بهم لوقوعه بهم

ومثله وآتى المال على حبه ويطعمون الطعام على حبه فالحب في الظاهر مضاف إلى الطعام والمال وهو في الحقيقة لصاحبهما

ومثله ولمن خاف مقام ربه جنتان ذلك لمن خاف مقامي أي مقامه بين يدي

وإما لوقوعه فيه كقوله تعالى يوما يجعل الولدان شيبا

وإما لانه سببه كقوله تعالى فزادتهم إيمانا وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم ينزع عنهما لباسهما وأحلوا قومهم دار البوار كما تقدم في امثلة المجاز العقلي

وقد يقال ان النزع والإحلال يعبر بهما عن فعل ما اوجبهما فالمجاز افرادي لا اسنادي

وقوله تعالى يوما يجعل الولدان شيبا أي يجعل هو له فهو من مجاز الحذف & الرابع والعشرون إطلاق الفعل والمراد مقاربته ومشارفته لا حقيقته

كقوله تعالى فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن أي قاربن بلوغ الأجل أي انقضاء العدة لان الامساك لايكون بعد انقضاء العدة فيكون بلوغ الأجل تمامه

كقوله تعالى فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أي اتمن العدة واردن مراجعة الازواج ولو كانت مقاربته لم يكن للولي حكم في إزالة الرجعة لانها بيد الزوج ولو كان الطلاق غير رجعي لم يكن للولي ايضا عليها حكم قبل تمام العدة ولا تسمى عاضلا حتى يمنعها تمام العدة من المراجعة

ومثله قوله تعالى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون المعنى قارب وبه يندفع المسؤال المشهور فيها إن عند مجيء الاجل لا يتصور تقديم ولا تأخير

وقوله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت أي قارب حضور الموت

وقوله تعالى كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم فيأتيهم بغتة أي حتى يشارفوا الرؤية ويقاربوها

ويحمتمل أن تحمل الرؤية على حقيقتها وذلك على ان يكون يرونه فلا يظنونه عذابا وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم ولا يظنونه واقعا بهم وحينئذ فيكون أخذه لهم بغته بعد رؤيته

ومن دقيق هذا النوع قوله تعالى ونادى نوح ربه المراد قارب النداء لا أوقع النداء لدخول الفاء في فقال فإنه لو وقع النداء لسقطت وكان ما ذكر

تفسيرا للنداء كقوله تعالى هنالك دعا زكريا ربه قال وقوله إذ نادى ربه نداء خفيا قال رب لما فسر النداء سقطت الفاء

وذكر النجاة ان هذه الفاء تفسيريه لانها عطفت مفسرا على مجمل كقوله توضأ فغسل وجهه وفائدته ذلك ان نوحا عليه السلام اراد ذلك فرد القصد اليه ولم يقع لا عن قصد

ومنه قوله تعالى وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم أي وليخش الذين ان شارفوا ان يتركوا وإنما اول الترك بمشارفة الترك لان الخطاب للأوصياء انما يتوجه اليهم قبل الترك لانهم بعد أموات

وقريب منه إطلاق الفعل وإرادة إرادته كقوله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ أي اذا اردت

وقوله إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا أي اذا اردتم لآن الإرادة سبب القيام

إذا قضى أمرا أي اراد

وإن حكمت فاحكم بينهم أي اردت الحكم

ومثله وإذا حكمتم بين الناس

إذا ناجيتم الرسول أي اردتم مناجاته

إذا طلقتم النساء وقوله من يهد الله فهو المهتدي قال ابن عباس من يرد الله هدايته ولقد أحسن رضي الله عنه لئلا يتحد الشرط والجزاء

وقوله وإذا قلتم فاعدلوا أي اردتم القول

والذين إذا أنفقوا أي ارادوا الإنفاق

وقوله تعالى وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا لان الإهلاك انما هو بعد مجئ البأس وانما خص هذين الوقتين اعني البيات والقيلولة لانها وقعت الغفلة والدعة فيكون نزول العذاب فيهما اشد وافظع

وقوله تعالى ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أي اردنا إهلاكها

فانتقمنا منهم فأغرقناهم أي فأردنا الانتقام منهم وحكمته انا اذا اردنا امرا نقدر فيه ارادتنا وان كان خارقا للعادة

وقال الزمخشري في قوله تعالى قالوا يا نوح قد جادلتنا أي اردت حدا لنا وشعرت فيه وكان الموجب لهذا التقدير خوف التكرار لان جادلت فاعلت وهو يعطي التكرار أو ان المعنى لم ترد منا غير الجدال له لا النصيحة

قلت وإنما عبروا عن إرادة الفعل بالفعل لأن الفعل يوجد بقدرة الفاعل وإرادته وقصده إليه كما عبر بالفعل من القدرة على الفعل في قولهم الانسان لايطير والأعمى

لايبصر أي لايقدر على الطيران والابصار وانما حمل على ذلك دون الحمل على ظاهره للدلالة على جواز الصلاة بوضوء واحد والحمل على الظاهر يوجب أن من جلس يتوضأ ثم قام إلى الصلاة يلزمه وضوء آخر فلا يزال مشغولا بالوضوء ولا يتفرغ للصلاة وفساده بين & الخامس والعشرون إطلاق الامر بالشيء للتلبس به والمراد دوامه

كقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا آمنوا هكذا اجاب به الزمخشري وغيره واصل السؤال غير وارد لان الامر لايتعلق بالماضي ولا بالحال وانما يتعلق بالمستقبل المعدوم حالة توجه الخطاب فليس ذلك تحصيلا للحاصل بل تحصيلا للمعدوم فلا فرق بين ان يكون المخاطب حالة الخطاب على ذلك الفعل أم لا لان الذي هو عليه عند الخطاب مثل المامور به لانفس المامور به والحاصل ان الكل مامور بالانشاء فالمؤمن بشئ ما سبق له امثاله والكافر ينشيء مالم يسبق منه أمثاله & السادس والعشرون إظلاق اسم البشرى على المبشر به

كقوله تعالى بشراكم اليوم جنات قال أبو علي الفارسي التقدير بشراكم دخول جنات أو خلود جنات لان البشرى مصدر والجنات ذات فلا يخبر بالذات عن المعنى

ونحوه اطلاق اسم المقول على القول كقوله تعالى قل لو كان معه آلهة كما يقولون

ومنه سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا أي عن مدلول قولهم ومنه فبرأه الله مما قالوا أي من مقولهم وهو الادرة وإطلاق الاسم على المسمى كقوله تعالى ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أي مسميات

سبح اسم ربك الأعلى أي ربك

وإطلاق اسم الكلمة على المتكلم كقوله تعالى لا تبديل لكلمات الله أي لمقتضى عذاب الله و إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم تجوز بالكلمة عن المسيح لكونه تكون بها من غير أب بدليل قوله وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ولا تتصف الكلمة بذلك

وأما قوله تعالى اسمه المسيح عيسى فإن الضمير فيه عائد إلى مدلول الكلمة والمراد بالاسم المسمى فالمعنى المسمى المبشر به المسيح بن مريم

وإطلاق اسم اليمين على المحلوف به كقوله تعالى ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أي لاتجعلوا يمين الله أو قسم الله مانعا لما تحلفون عليه من البر والتقوى بين الناس

إطلاق الهوى عن المهوي ومنه ونهى النفس عن الهوى أي عما تهواه من المعاصي ولا يصح نهيها عن هواها وهو ميلها لانه تكليف لما لايطاق الا على حذف مضاف أي نهي النفس عن اتباع الهوى & التجوز عن المجاز بالمجاز

وهو ان تجعل المجاز المأخوذ عن الحقيقة بمثابة الحقيقة بالنسبة إلى مجاز آخر فتتجوز بالمجاز الاول عن الثاني لعلاقة بينهما

مثاله قوله تعالى ولكن لا تواعدوهن سرا فانه مجاز عن مجاز فان الوطء تجوز عنه بالسر لانه لايقع غالبا الا في السر وتجوز بالسر عن العقد لانه مسبب عنه فالفصحيح للمجاز الاول الملازمه والثاني السببية والمعنى لا تواعجوهن عقد نكاح

وكذلك قوله تعالى ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ان حمل على ظهره كان من مجاز المجاز لان قوله لا اله الا الله مجاز عن تصديق القلب بمدلول هذا اللفظ والتعبير بلا اله الا الله عن الوحدانية من مجاز التعبير بالمقول عن المقول فيه

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر