علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٧ من ١٩٤

الجزء ١ — ص ٦٢–٧١

وقوله تعالى وطور سينين وهو طور سيناء لقوله وشجرة تخرج من طور سيناء

وقوله تعالى لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون كرر لعل مراعاة لفواصل الآى إذ لو جاء على الأصل لقال لعلى أرجع إلى الناس فيعلموا بحذف النون على الجواب

الثانى حذف همزة أو حرف اطرادا كقوله تعالى والليل إذا يسر

الثالث الجمع بين المجرورات وبذلك يجاب عن سؤال فى قوله تعالى ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا فإنه قد توالت المجرورات بالأحرف الثلاثة وهى اللام فى لكم والباء فى به وعلى فى علينا وكان الأحسن الفصل

وجوابه أن تأخر تبيعا وترك الفصل أرجح من أن يفصل به بين بعض الروابط وكذلك الآيات التى تتصل بقوله ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا فإن فواصلها كلها منصوبة منونة فلم يكن بد من تأخير قوله تبيعا لتكون نهاية هذه الآية مناسبة لنهايات ما قبلها حتى تتناسق على صورة واحدة

الرابع تأخير ما أصله أن يقدم كقوله تعالى فأوجس في نفسه خيفة موسى لأن أصل الكلام أن يتصل الفعل بفاعله ويؤخر المفعول لكن أخر الفاعل وهو موسى لأجل رعاية الفاصلة

قلت للتأخير حكمة أخرى وهى أن النفس تتشوق لفاعل أوجس فإذا جاء بعد أن أخر وقع بموقع

وكقوله تعالى ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى فإن قوله وأجل مسمى معطوف على كلمة ولهذا رفع والمعنى ولولا كلمة سبقت من ربك فى التأخير وأجل مسمى لكان العذاب لزاما لكنه قدم وأخر لتشتبك رءوس الآى قاله ابن عطية

وجوز الزمخشرى عطفه على الضمير فى لكان أى لكان الأجل العاجل وأجل مسمى لازمين له كما كانا لازمين لعاد وثمود ولم ينفرد الأجل المسمى دون الأجل العاجل

ومنه قوله تعالى ولقد جاء آل فرعون النذر فأخر الفاعل لأجل الفاصلة

وقوله ومما رزقناهم ينفقون أخر الفعل عن المفعول فيها وقدمه فيما قبلها فى قوله يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة لتوافق رءوس الآى قاله أبو البقاء وهو أجود من قول الزمخشرى قدم المفعول للاختصاص

ومنه تأخير الاستعانة عن العبادة فى قوله تعالى إياك نعبد وإياك نستعين وهى قبل العبادة وإنما أخرت لأجل فواصل السورة فى أحد الأجوبة

الخامس إفراد ما أصله أن يجمع كقوله تعالى إن المتقين في جنات ونهر قال الفراء الأصل الأنهار وإنما وحد لأنه رأس آية فقابل بالتوحيد رءوس

الآى ويقال النهر الضياء والسعة فيخرج من هذا البالب

وقوله وما كنت متخذ المضلين عضدا قال ابن سيده فى المحكم أى أعضادا وإنما أفرد ليعدل رءوس الآى بالإفراد والعضد المعين

السادس جمع ما أصله أن يفرد كقوله تعالى لا بيع فيه ولا خلال فإن المراد ولا خلة بدليل الآية الأخرى لكن جمعه لأجل مناسبة رءوس الآى

السابع تثنية ما أصله أن يفرد كقوله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان

قال الفراء هذا باب مذهب العرب فى تثنية البقعة الواحدة وجمعها كقوله ديار لها بلرقمتين وقوله بطن المكتين وأشير بذلك إلى نواحيها أو للإشعار بأن لها وجهين وأنك إذا أوصلتها ونظرت إليها يمينا وشمالا رأيت فى كلتا الناحيتين ما يملأ عينك قرة وصدرك مسرة

قال وإنما ثناهما لأجل الفاصلة رعاية للتى قبلها والتى بعدها على هذا الوزن والقوافى تحتمل فى الزيادة والنقصان مالا يحتمله سائر الكلام

وأنكر ذلك ابن قتيبة عليه وأغلظ وقال إنما يجوز فى رءوس الآى زيادة هاء السكت أو الألف أو حذف همزة أو حرف فأما أن يكون الله وعد جنتين فنجعلهما جنة واحدة من أجل رءوس الآى فمعاذ الله وكيف هذا وهو يصفها بصفات الاثنين قال ذواتا أفنان ثم قال فيها فيهما ولو أن قائلا قال فى خزنة النار إنهم عشرون وإنما جعلهم الله تسعة عشر لرأس الآية ما كان هذا القول إلا كقول الفراء

قلت وكأن الملجىء للفراء إلى ذلك قوله تعالى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى وعكس ذلك قوله تعالى فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى على أن هذا قابل للتأويل فإن الألف واللام للعموم خصوصا أنه يرد على الفراء قوله ذواتا أفنان

الثامن تأنيث ما أصله أن يذكر كقوله تعالى كلا إنه تذكرة وإنما عدل إليها للفاصلة

التاسع كقوله سبح اسم ربك الأعلى وقال فى العلق اقرأ باسم ربك الذي خلق

فزاد فى الأولى الأعلى وزاد فى الثانية خلق مراعاة للفواصل فى السورتين وهى فى سبح الذي خلق فسوى وفى العلق خلق الإنسان من علق

العاشر صرف ما أصله ألا ينصرف كقوله تعالى قواريرا قوارير صرف الأول لأنه آخر الآية وآخر الثانى بالألف فحسن جعله منونا ليقلب تنوينه ألفا فيتناسب مع بقية الآى كقوله تعالى سلاسل وأغلالا فإن سلاسل لما نظم إلى وأغلالا وسعيرا صرف ونون للتناسب وبقى قوارير الثانى فإنه وإن لم يكن آخر الآية جاز صرفه لأنه لما نون قواريرا الأول ناسب أن ينون قواريرا الثانى ليتناسبا ولاجل هذا لم ينون قواريرا الثاني إلا من ينون قواريرا الأول

وزعم إمام الحرمين فى البرهان أن من ذلك صرف ما كان جمعا فى القرآن ليناسب رءوس الآى كقوله تعالى سلاسل وأغلالا

وهذا مردود لأن سلاسلا ليس رأس آية ولا قواريرا الثانى وإنما صرف للتناسب واجتماعه مع غيره من المنصرفات فيرد إلى الأصل ليتناسب معها

ونظيره فى مراعاة المناسبة أن الأفصح أن يقال بدأ ثلاثى قال الله تعالى كما بدأكم تعودون وقال تعالى كيف بدأ الخلق ثم قال أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده فجاء به رباعيا فصيحا لما حسنه من التناسب بغيره وهو قوله يعيده

الحادى عشر إمالة ما أصله ألا يمال كإمالة ألف والضحى والليل إذا سجى ليشاكل التلفظ بهما التلفظ بما بعدهما

والإمالة أن تنجو بالألف نحو الياء والغرض الأصلى منها هو التناسب وعبر عنه بعضهم بقوله الإمالة للإمالة وقد يمال لكونها آخر مجاور ما أميل آخره كألف تلا فى قوله تعالى والقمر إذا تلاها فأميلت ألف تلاها ليشاكل اللفظ بها اللفظ الذى بعدها مما ألفه غير ياء نحو جلاها و يغشاها

فإن قيل هلا جعلت إمالة تلاها لمناسبة ما قبلها أعنى ضحاها قيل لأن ألف ضحاها عن واو وإنما أميل لمناسبة ما بعده

الثانى عشر العدول عن صيغة المضى إلى الاستقبال كقوله تعالى ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون حيث لم يقل وفريقا قتلتم كما سوى بينهما فى سورة الأحزاب فقال فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وذلك لأجل أنها هنا رأس آية

تفريعات

ختم مقاطع الفواصل بحروف المد واللين

ثم هنا تفريعات

الأول قد كثر فى القرآن الكريم ختم كلمة المقطع من الفاصلة بحروف المد واللين وإلحاق النون وحكمته وجود التمكن من التطريب بذلك

قال سيبويه رحمه الله أما إذا ترنموا فإنهم يلحقون الألف والواو والياء ما ينون وما لا ينون لأنهم أرادوا مد الصوت

وإذا أنشدوا ولم يترنموا فأهل الحجاز يدعون القوافى على حالها فى الترنم وناس من بنى تميم يبدلون مكان المدة النون انتهى

وجاء القرآن على أعذب مقطع وأسهل موقف

مبنى الفواصل على الوقف

الثانى إن مبنى الفواصل على الوقف ولهذا شاع مقابلة المرفوع بالمجرور وبالعكس وكذا المفتوح والمنصوب غير المنون ومنه قوله تعالى إنا خلقناهم من طين لازب

مع تقدم قوله عذاب واصب و شهاب ثاقب وكذا بماء منهمر وفجرنا قد قدر وكذا وما لهم من دونه من وال مع وينشئ السحاب الثقال

وعبارة السكاكى قد تعطى اشتراط كون السجع يشترط فيه الموافقة فى الإعراب لما قبله على تقدير عدم الوقوف عليه كما يشترط ذلك فى الشعر وبه صرح ابن الخشاب معترضا على قول الحريرى فى المقامة التاسعة والعشرين % % يا صارفا عنى المودة % % والزمان له صروف % % ومعنفى فى فضح من % % جاوزت تعنيف العسوف % % لا تلحنى فيما أتيت % % فإننى بهم عروف % % ولقد نزلت بهم فلم % % أرهم يراعون الضيوف % % وبلوتهم فوجدتهم % % لما سبكتهمو زيوف % $

ألا ترى أنها إذا أطلقت ظهر الأول والثالث مرفوعين والرابع والخامس منصوبين

والثانى مجرورا وكذا باقى القصيدة

والصواب أن ذلك ليس بشرط لما سبق ولا شك أن كلمة الأسجاع موضوعة على أن تكون ساكنة الأعجاز موقوفا عليها لأن الغرض المجانسة بين القرائن والمزاوجة ولا يتم ذلك إلا بالوقف ولو وصلت لم يكن بد من إجراء كل القرائن على ما يقتضيه حكم الإعراب فعطلت عمل الساجع وفوت غرضهم

وإذا رأيتهم يخرجون الكلم عن أوضاعها لغرض الازدواج فيقولون آتيك بالغدايا والعشايا مع أن فيه ارتكابا لما يخالف اللغة فما ظنك بهم فى ذلك

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر