الجزء ٢ — ص ٢٧٩–٢٨٨
على قوله أعصر خمرا اي عنبا فعبر عنه لأنه آيل إلى الخمرية وقيل لا مجاز فيه فان الخمر العنب بعينه لغة لازد عمان نقله الفارسي في التذكرة عن غريب القرآن لابن دريد
وقيل اكتفى بالمسبب الذي هو الخمر عن السبب الذي هو العنب قاله ابن جني في الخصائص
وقيل ولا مجاز في الاسم بل في الفعل وهو أعصر فانه اطلق واريد به استخرج واليه ذهب ابن عزيز في غريبه
وقوله حتى تنكح زوجا غيره سماه زوجا لان العقد يئول إلى زوجية لانها لاتنكح في حال كونه زوجا
وقوله فبشرناه بغلام حليم وبشروه بغلام عليم وصفة في حال البشارة بما يئول اليه من العلم والحلم
تنبيه ليس هذا من الحال المقدرة كما يتبادر إلى الذهن لان الذي يقترن بالفاعل أو المفعول انما هو تقدير ذلك وارادته فيكون المعنى في قوله فتبسم ضاحكا مقدار ضحكه
وكذا قوله وخروا له سجدا على قول أبي علي وهذا حمل منه للخرور على ابتدائه وان حمله على انتهائة كانت الحال الملفوظ بها ناجزة غير مقدرة
وكذلك قوله فادخلوها خالدين اي ادخلوها مقدرين الخلود فيها فان من دخل مدخلا كريما مقدرا الا يخرج منه ابدا كان ذلك اتم لسروره ونعيمه ولو توهم انقطاعه لتنغص عليه النعيم الناجز مما يتوهمه من الانقطاع اللاحق & الخامس عشر تسمية الشيء بما كان عليه
كقوله تعالى وآتوا اليتامى أموالهم أي الذين كانوا يتامى اذ لايتم بعد البلوغ وقيل بل هم يتامى حقيقة واما حديث لايتم بعد احتلام فهو من تعليم الشرع لا اللغة وهو غريب
وقوله ولكم نصف ما ترك أزواجكم واذا متن لم يكن ازواجا فسماهن بذلك لانهن كن ازواجا
وقوله فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن اي الذين كانوا ازواجهن
وكذلك ويذرون أزواجا لانقطاع الزوجية بالموت
وقوله من يأت ربه مجرما سماه مجرما باعتبار ما كان عليه في الدنيا من الاجرام
وقوله هذه بضاعتنا ردت إلينا ولكن ما رد عليهم مالهم وإنما كانوا قد اشتروا بها الميرة فجعلها يوسف في متاعهم وهي له دونهم فنسبها الله اليهم بمعنى انها كانت لهم & السادس عشر إطلاق اسم المحل على الحال
كقوله فليدع ناديه
وقوله تعالى وفرش مرفوعة اي نساؤه بدليل قوله إنا أنشأناهن إنشاء
وكالتعبير باليد عن القدرة كقوله بيده الملك ونحوه
والتعبير بالقلب عن الفعل كقوله لهم قلوب لا يفقهون بها اي عقول
وبالآفواه عن الالسن كقوله الذين قالوا آمنا بأفواههم يقولون بأفواههم
وإطلاق الألسن على اللغات كقوله بلسان عربي مبين
والتعبير بالقرية عن ساكنها نحو واسأل القرية
& السابع عشر اطلاق اسم الحال على المحل
كقوله تعالى وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون أي في الجنة لانها محل الرحمة ز
وقوله بل مكر الليل والنهار اي في الليل
وقال الحسن في قوله إذ يريكهم الله في منامك اي في عينك واستبعده الزمخشري وقدر يعني في رؤياك
وقوله رب اجعل هذا البلد آمنا وصف البلد بالامن وهو صفة لاهله ومثله وهذا البلد الأمين إن المتقين في مقام أمين
وقوله بلدة طيبة وصفها بالطيب وهو صفة لهوائها
وقد اجتمع هذا والذي قبله في قوله تعالى يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وذلك لأن اخذ الزينة غير ممكن لانها مصدر فيكون المراد محل الزينة ولا يجب اخذ الزينة للمسجد نفسه فيكون المراد بالمسجد الصلاة فاطلق اسم المحل على الحال وفي الزينة بالعكس & الثامن عشر إطلاق اسم آلة الشيء عليه
كقوله تعالى واجعل لي لسان صدق في الآخرين أي ذكرا حسنا
أطلق اللسان وعبر به عن الذكر لأن اللسان آية للذكر
وقال تعالى تجري بأعيننا أي بمرأى منا لما كانت العين آلة الرؤية
وقوله وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه اي بلغة قومه & التاسع عشر إطلاق اسم الضدين على الاخر
كقوله تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها وهي من المبتدىء سيئة ومن الله حسنة فحمل اللفظ على اللفظ
وعكسه هل جزاء الإحسان إلا الإحسان سمي الأول احسانا لانه مقابل لجزائه وهو الإحسان والاول طاعة كانه قال هل جزاء الطاعة الا الثواب
وكذلك ومكروا ومكر الله حمل اللفظ على اللفظ فخرج الانتقام بلفظ الذنب لأن الله لايمكر
واما قوله تعالى أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون فهو وان لم يتقدم ذكر مكرهم في اللفظ لكن تقدم في سياق الآية قبله ما يصير إلى مكر والمقابلة لايشترط فيها ذكر المقابل لفظا بل هو اوما في معناه
وكذلك قوله فبشرهم بعذاب أليم لما قال بشر هؤلاء بالجنة قال بشر هؤلاء بالعذاب والبشارة إنما تكون في الخير لا في الشر
وقوله إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم والفعل الثاني ليس بسخرية
& العشرون تسمية الداعي إلى الشيء باسم الصارف عنه
لما بينهما من التعلق ذكره السكاكي وخرج عليه قوله تعالى ما منعك ألا تسجد يعني ما دعاك الا تسجد واعتصم بذلك في عدم زيادة لا وقيل معناه ما حماك في ألا تسجد اي من العقوبة اي ما جعلك في منعه من عقوبة ترك السجود
وهذا لايصح أما الأول فلم يثبت في اللغة وأما الثاني فكأن تركيبه ما يمنعك سؤالا عما يمنعه لابلفظ الماضي لانه لاتخويف بماض
ويجاب بأن المخالفة تقتضي الأمنه كانه قيل ما امنك حتى خالفت بيانا لاغتراره وعدم رشده وانه انما خالف وحاله حال من امتنع بقوته من عذاب ربه فكني عنه بما منعك تهكما لا انه امتنع حقيقة وانما جسر جسارة من هو في منعه
ورد ايضا بانه أجاب أنا خير وهو لايصلح جوابا الا لترك السجود واجيب بانه لم يجب ولكن عدل بذلك جواب مالا يمكن جوابه
& الحادي والعشرون إقامة صيغة مقام اخرى وله صور
فمنه فاعل بمعنى مفعول كقوله لا عاصم اليوم من أمر الله اي لامعصوم
وقوله تعالى من ماء دافق اي مدفوق
و في عيشة اي مرضية بها وقيل على النسب اي ذات رضا وهو مجاز إفراد لاتركيب
وقوله أنا جعلنا حرما آمنا اي مأمونا
وعكسه إنه كان وعده مأتيا اي آتيا وجعل منه بعضهم قوله تعالى حجابا مستورا اي ساترا وحكى الهوري في الغريب عن اصل اللغة وتاويل الحجاب الطبع وقال السهيلي الصحيح انه على بابه اي مستورا عن العيون ولا يحس به أحد
والمعنى مستور عنك وعنهم كما قال تعالى وما يعلم جنود ربك إلا هو وقال الجوهري أي حجابا على حجاب والأول مستور بالثاني يراد بذلك كثافة الحجاب لانه جعل على قلوبهم اكنة وفي آذانهم وقرا
قال أبو الفتح في كتابه هذا الفد وسألته يعني الفارسي اذا جعلت فاعلا بمعنى مفعول فعلام ترفع الضمير الذي فيه اعلى حد ارتفاع الضمير في اسم الفاعل أم اسم المفعول فقال ان كان بمعنى مفعول ارتفع الضمير فيه ارتفاع الضمير في اسم الفاعل وان جاء على لفظ اسم الفاعل
ومنه فعيل بمعنى مفعول كقوله وكان الكافر على ربه ظهيرا أي مظهورا فيه ومنه ظهرت به فلم التفت اليه أما نحو فله عذاب أليم فقال بعض النحويين انه بمعنى مؤلم ورده النحاس بان مؤلما يجوز ان يكون قدآلم ثم زال وأليم ابلغ لانه يدل على الملازمة قال ولهذا منع النحويون الا سيبويه ان يعدي فعيل
ومنه مجيء المصدر على فعول كقوله تعالى لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا وقوله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا فانه ليس المراد
الجمع هنا بل المراد لانريد منكم شكرا اصلا وهذا ابلغ في قصد الإخلاص في نفي الانواع
وزعم السهيلي انه جمع شكر وليس كذلك لفوات هذا المعنى
ومنها اقامة الفاعل مقام المصدر نحو ليس لوقعتها كاذبة اي تكذيب واقامة المفعول مقام المصدر نحو بأيكم المفتون اي الفتنة 3 ومنه وصف الشيء بالمصدر كقوله تعالى فإنهم عدو لي قالوا انما وحده لانه في معنى المصدر كانه قال فانهم عداوة
ومجئ المصدر بمعنى المفعول كقوله تعالى ولا يحيطون بشيء من علمه أي من معلومة
وقوله ذلك مبلغهم من العلم أي من العلوم وقوله صنع الله أي مصنوعة
وقوله هذا رحمة من ربي اي مترحم قاله الفارسي
وكذا قوله فأعينوني بقوة أي مقوى به ألا ترى أنه اراد منهم زبر الحديد والنفخ عليها
وقوله وقد خاب من حمل ظلما اي مظلوما فيه
وقوله تعالى وجاؤوا على قميصه بدم كذب اي مكذوب فيه والا لو كان على ظاهره لاشكل لان الكذب من صفات الاقوال لا الأجسام وقال الفراء يجوز في النحو بدم كذبا بالنصب على المصدر لان جاؤوا فيه معنى كذبوا كذبا كما قال تعالى والعاديات ضبحا لان العاديات بمعنى الضابحات
وعكسه وإنه لذو علم لما علمناه
ومنه فعيل بمعنى الجمع كقوله تعالى والملائكة بعد ذلك ظهير
وقوله خلصوا نجيا
وقوله وحسن أولئك رفيقا
وشرط بعضهم أن يكون المخبر عنه جمعا وانه لايجيء ذلك في المثنى ويرده قوله تعالى عن اليمين وعن الشمال قعيد فانه نقل الواحدي عن المبرد وابن عطية عن الفراء ان قعيد أسند لهما
وقد يقع الإخبار بلفظ الفرد عن لفظ الجمع وان اريد معناه لنكته كقوله تعالى أم يقولون نحن جميع منتصر فإن سبب النزول وهو قول أبي جهل نحن ننتصر اليوم يقضي بإعراب منتصر خبرا
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر