الجزء ٢ — ص ٢٥٢–٢٦٤
بغير واسطة لتفوز بشرف المخاطبة اذ ليس من الفصيح ان يقول الرسول للمرسل إليه قال لي المرسل قل كذا وكذا ولانه لايمكن اسقاطها فدل على ان المراد بقاؤها ولابدلها من فائدة فتكون أمرا من المتكلم للمتكلم بما يتكلم به امره شفاها بلا واسطة كقولك لمن تخاطبه افعل كذا & الثالث والثلاثون خطاب المعدوم
ويصح ذلك تبعا لموجود كقوله تعالى يا بني آدم فإنه خطاب لأهل ذلك الزمان ولكل من بعدهم وهو على نحو ما يجري من الوصايا في خطاب الإنسان لولده وولد ولده ما تناسلوا بتقوى الله وإتيان طاعته
قال الرماني في تفسيره وإنما جاز خطاب المعدوم لأن الخطاب يكون بالإرادة للمخاطب دون غيره وأما قوله تعالى كن فيكون فعند الأشاعرة أن وجود العالم حصل بخطاب كن
وقالت الحنفية التكوين ازلي قائم بذات الباري سبحانه وهو تكوين لكل جزء من أجزاء العالم عند وجوده لا أنه يوجد عند كاف ونون
وذهب فخر الإسلام شمس الأئمة منهم إلى ان خطاب كن موجود عند إيجاد كل شيء فالحاصل عندهم في ايجاد الشيء شيئان الإيجاد وخطاب كن
واحتج الأشاعرة بظاهر قوله تعالى إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون وقوله إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون وقوله بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون
ولو حصل وجود العلم بالتكوين لم يكن في خطاب كن فائدة عند الايجاد
وأجاب الحنفية بأنا نقول لموجها ولا تستقل بالفائدة كالمتشابه فيقول بوجود خطاب كن عند الإيجاد في غير تشبيه ولا تعطيل
& النوع الثالث والأربعون في بيان حقيقته ومجازه
لا خلاف ان كتاب الله يشتمل على الحقائق وهي كل كلام بقي على موضوعه كالآيات التي لم يتجوز فهيا والآيات الناطقة ظواهرها بوجود الله تعالى وتوحيده وتنزيهه والداعية إلى اسمائه وصفاته كقوله تعالى هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الآية
وقوله أم من خلق السماوات والأرض أم من جعل الأرض قرارا أم من يجيب المضطر إذا دعاه أم من يهديكم في ظلمات البر والبحر أم من يبدأ الخلق ثم يعيده
وقوله تعالى من يحيي العظام وهي رميم
وقوله تعالى أفرأيتم ما تمنون أفرأيتم ما تحرثون أفرأيتم الماء الذي تشربون أفرأيتم النار التي تورون
قيل ومنه الآيات التي لم تنسخ وهي كالآيات المحكمات والايات المشتملة
ولا تقديم فيه ولا تأخير كقول القائل أحمد الله على نعمائه واحسانه وهذا اكثر الكلام قال الله تعالى والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون وأكثر ما يأتي من الآي على هذا
وأما المجاز فاختلف في وقوعه في القرآن والجمهور على الوقوع وانكره جماعه منهم ابن القاص من الشافعية وابن خويز منداد من المالكية وحكى عن داود الظاهري وابنه وابي مسلم الأصبهاني
وشبهتهم أن المتكلم لايعدل عن الحقيقة إلى المجاز الا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير وهو مستحيل على الله سبحانه وهذا باطل ولو وجب خلو القرآن من المجاز لوجب خلوه من التوكيد والحذف وتثنية القصص وغيره ولو سقط المجاز من القرآن سقط شطر الحسن
وقد افرده بالصنيف الإمام أبو محمد بن عبد السلام وجمع فأوعى
وأما معناه فقال الحاتمي معناه طريق القول ومأخذه مصدر جزت مجازا كما يقال قمت مقاما
قال الأصمعي كلام العرب إنما هو مثال شبه الوحي & نوعا المجاز
وله سببان أحدهما الشبه ويسمى المجاز اللغوي وهو الذي يتكلم فيه الأصولي
والثاني الملابسة وهذا هو الذي يتكلم فيه اهل اللسان ويسمى المجاز العقلي وهو ان تسند الكلمة إلى غير ماهي له اصالة بضرب من التأويل كسب زيد اباه اذا كان سببا فيه & المجاز في المركب واقسامه
والأول مجاز في المفرد وهذا مجاز في المركب
ومنه قوله تعالى وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ونسبت الزيادة التي هي فعل الله إلى الآيات لكونها سببا فيها
وكذا قوله تعالى وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم
وقوله يذبح أبناءهم والفاعل غيره ونسب الفعل اليه لكونه الآمر به 3 وكقوله ينزع عنهما لباسهما نسب النزع الذي هو فعل الله إلى ابليس
لعنه الله لأن سببه أكل الشجرة وسبب اكلها وسوسته ومقاسمته إياهما انه لهما لمن الناصحين
وقوله تعالى فما ربحت تجارتهم جعل التجارة الرابحة وقوله فإذا عزم الأمر لآن الأمر هو المعزوم عليه بدليل فإذا عزمت فتوكل على الله
وقوله ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار فنسب الإحلال الذي هو فعل الله إلى اكابرهم لان سببه كفرهم وسبب كفرهم امر اكابرهم اياهم بالكفر
وقوله تعالى يوما يجعل الولدان شيبا نسب الفعل إلى الظرف لوقوعه فيه
وقوله تعالى وأخرجت الأرض أثقالها
وقوله فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى
وقد يقال ان النزع والإحلال يعبر بهما عن فعل ما اوجبهما فالمجاز افرادي لا اسنادي
وقوله يوما يجعل الولدان شيبا يحتمل معناه يجعل هوله فهو من مجاز الحذف
وقوله تعالى ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار وهم لم يدعوه إلى النار إنما دعوه إلى الكفر بدليل قوله تدعونني لأكفر بالله لكن لما كانت النار مسببة عنه اطلقها عليه
وقوله تعالى فاتقوا النار أي العناد المستلزم للنار
وقوله إنما يأكلون في بطونهم نارا لاستلزام اموال اليتاما إياها
وقوله تعالى وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا انما ارد والله اعلم الشيء الذي ينكح به من مهر ونفقة ومالا بد للمتزوج منه
وقوله تعالى ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل أي لاتاكلوها بالسبب الباطل الذي هو القمار
وقوله والرجز فاهجر أي عبادة الاصنام لان العذاب مسبب عنها
وقوله وليجدوا فيكم غلظة أي واغلظوا عليهم ليجدوا ذلك وانما عدل إلى الامر بالوجدان تنبيها على انه المقصود لذاته وأما الإغلاظ فلم يقصد لذاته بل لتجدوه & الثاني عكسه وهو ايقاع السبب موقع المسبب
كقوله تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها
وقوله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم
سمي الجزاء الذي هو السبب سيئة واعتداء فسمي الشيء باسم سببه وإن عبرت السيئة عما ساء أي أحزن لم يكن من هذا الباب لأن الإساءة تحزن في الحقيقة كالجناية ومنه ومكروا ومكر الله تجوز بلفظ المكر عن عقوبته لأن سبب لها
ومنه قوله أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى إنما جعلت المرأتان للتذكير إذا وقع الضلال لا ليقع الضلال فلما كان الضلال سببا للتذكير أقيم مقامه
ومنه إطلاق اسم الكتاب على الحفظ اي المكتوب فإن الكتابة سبب له كقوله تعالى سنكتب ما قالوا أي سنحفظه حتى يجازيهم عليه
ومنه إطلاق اسم السمع على القبول كقوله تعالى ما كانوا يستطيعون السمع أي ما كانوا يستطيعون قبول ذلك والعمل به لأن قبول الشيء مرتب على سماعه ومسبب عنه ويجوز أن يكون في نفي السمع لا بتغاء فائدته
ومنه قول الشاعر
( وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها % % فليس لمخضوب البنان يمين )
أي وفاء يمين
ومنه إطلاق الإيمان على ما نشأ عنه من الطاعة كقوله تعالى وما كان الله ليضيع إيمانكم
( أفتومنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) أي أفتعلمون ببعض التوارة وهو فداء الأسارى وتتركون العمل ببعض وهو قتل إخوانهم وإخراجهم من ديارهم
وقوله وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره
وقوله وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة يريد الأجساد لأن العمل والنصب من صفاتها وأما قوله وجوه يومئذ ناعمة يريد الاجساد لأن العمل والنصب من صفاتها واما قوله وجوه يومئذ ناعمة فيجوز ان يكون من هذا عبر بالوجوه عن الرجال ويجوز ان يكون من وصف البعض بصفة الكل لان التنعم منسوب إلى جميع الجسد
ومنه وجوه يومئذ ناضرة فالوجه المراد به جميع ما تقع به المواجهة لا الوجه وحده
وقد اختلف في تأويل الوجه الذي جاء مضافا إلى الله في مواضع من القرآن فنقل ابن عطية عن الحذاق انه راجع إلى الوجود والعبارة عنه بالوجه مجاز اذ هو اظهر الأعضاء في المشاهدة وأجلها قدرا وقيل وهو الصواب هي صفة ثابتة بالسمع زائدة على ما توجبه العقول من صفات الله تعالى وضعفه امام الحرمين واما قوله تعالى فثم وجه الله فالمراد الجهة التي وجهنا اليها في القبلة وقيل المراد به الجاه أي فثم جلال الله وعظمته
وقوله فبما كسبت أيديكم ولا تلقوا بأيديكم تجوز بذلك عن الجملة
وقوله واضربوا منهم كل بنان البنان الإصبع تجوز بها عن الأيدي
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر