علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٧٥ من ١٩٤

الجزء ٢ — ص ٢٤٢–٢٥١

لهما ولقومهما باتخاذ المساجد والصلاة فيها لأنه واجب عليهم ثم خص موسى بالبشارة تعظيما له & الثامن عشر خطاب عين والمراد غيره

كقوله يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين الخطاب له والمراد المؤمنون لانه صلى الله عليه وسلم كان تقيا وحاشاه من طاعة الكافرين والمنافقين والدليل على ذلك قوله في سياق الآية واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا

وقوله تعالى فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك بدليل قوله في صدر الآية بعدها قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني

ومنهم من أجراه على حقيقته وأوله قال أبو عمر الزاهري في الياقوته سمعت الأمامين ثعلب والمبرد يقولان معنى فإن كنت في شك أي قل يا محمد إن كنت في شك من القرآن فاسأل من أسلم من اليهود إنهم أعلم به من أجل أنهم أصحاب كتاب

وقوله عفا الله عنك لم أذنت لهم قال فورك معناه وسع الله عنك على وجه الدعاء و لم أذنت لهم تغليظ على المنافقين وهو في الحقيقة عتاب راجع إليهم وإن كان في الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم كقوله فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك

وقوله عبس وتولى قيل إنه امية وهو الذي تولى دون الني صلى الله عليه وسلم الا ترى انه لم يقل عبست

وقوله ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين

وقوله ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين

وبهذا يزول الإشكال المشهور في انه كيف يصح خطابه صلى الله عليه وسلم مع ثبوت عصمته عن ذلك كله ويجاب أيضا بأن ذلك على سبيل الفرض والمحال يصح فرضه لغرض

والتحقيق ان هذا ونحوه من باب خطاب العام من غير قصد شخص معين والمعنى

اتفاق جميع الشرائع على ذلك ويستراح حينئذ من إيراد هذا السؤال من اصله

وعكس هذا ان يكون المراد عاما والمراد الرسول قوله لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم بدليل قوله في سياقها أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين

وأما قوله في سورة الأنعام ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين فليس من هذا الباب

قال ابن عطية ويحتمل أن يكون التقدير فلا تكونن من الجاهلين في ألا تعلم ان الله لو شاء لجمعهم ويحتمل ان يهتم بوجود كفرهم الذي قدره الله وأراده

ثم قال ويظهر تباين ما بين قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم فلا تكونن من الجاهلين وبين قوله عز وجل لنوح عليه السلام إني أعظك أن تكون من الجاهلين وقد تقرر أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء

وقال مكي والمهدوي الخطاب بقوله فلا تكونن من الجاهلين للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته وهذا ضعيف ولا يقتضيه اللفظ

وقال قوم وقر نوح عليه السلام لسنه وشبيه

وقال قوم جاء الحمل على النبي صلى الله عليه وسلم لقربه من الله ومكانته كما يحمل العاتب على قريبة اكثر من حمله على الاجانب

قال والوجه القوي عندي في الآية هو أن ذلك لم يجيء بحسب النبيين وإنما جاء بحسب الأمر من الله ووقع النبي عنهما والعقاب فيهما

& التاسع عشر خطاب الاعتبار

كقوله تعالى حاكيا عن صالح لما هلك قومه فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين خاطبهم بعد هلاكهم اما لانهم يسمعون ذلك كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بأهل بدر وقال والله ماانتم باسمع منهم وإما للاعتبار كقوله قل سيروا في الأرض فانظروا

وقوله انظروا إلى ثمره إذا أثمر & العشرون خطاب الشخص ثم العدول إلى غيره

كقوله فإن لم يستجيبوا لكم الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ثم قال للكفار فاعلموا أنما أنزل بعلم الله بدليل قوله فهل أنتم مسلمون

وقوله ذلك أدنى ألا تعولوا قال ابن خالوية في كتاب المبتدأ

& الحادي والعشرون خطاب التلوين

وسماه الثعلبي المتلون كقوله تعالى يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فمن ربكما يا موسى وتسميه اهل المعاني الالتفات وسنتكلم عليه ان شاء الله تعالى باقسامه & الثاني والعشرون خطاب الجمادات خطاب من يعقل

كقوله تعالى فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين تقديره طائعة

وقيل لما كانت ممن يقول وهي حالة عقل جرى الضمير في طائعين عليه كقولهم رأيتهم لي ساجدين

وقد اختلف أن هذه المقالة حقيقة بان جعل لها حياة وادراكا يقتضي نطقها أو مجازا بمعنى ظهر فيها من اختيار الطاعة والخضوع بمنزلة هذا القول على قولين قال ابن عطية والآول أحسن لأنه لاشيء يدفعه والعبرة فيه أتم والقدرة فيه أظهر

ومنه قوله تعالى يا جبال أوبي معه فامرها كما تؤمر الواحدة المخاطبة المؤنثة لأن جميع مالا يعقل كذلك يؤمر

الثالث والعشرون خطاب التهييج

كقوله وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ولايدل على ان من لم يتوكل ينتفي عنهم الايمان بل حث لهم على التوكل

وقوله فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

وقوله يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإنه سبحانه وصفهم بالإيمان عند الخطاب ثم قال إن كنتم مؤمنين فقصد حثهم على ترك الربا وان المؤمنين حقهم ان يفعلوا ذلك

وقوله وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين

وقوله إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين

وقوله إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان

وهذا احسن من قول من قال إن هاهنا بمعنى إذ

& الرابع والعشرون خطاب الإغضاب

كقوله تعالى إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون

وقوله أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا

وقوله تعالى ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله & الخامس والعشرون خطاب التشجيع والتحريض

وهو الحث على الاتصاف بالصفات الجميلة كقوله تعالى إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص وكفى بحث الله سبحانه تشجيعا على منازلة الأقران ومباشرة الطعان

وقوله تعالى بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين

وقوله تعالى ومن يولهم يومئذ دبره وكيف لايكون للقوم صبر والملك

الحق جل جلاله قد وعدهم بالمدد الكريم فقال وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم وقوله تعالى فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون

وقد جاء في مقابلة هذا القسم ما يراد منه الآخذ بالحزم والتأني بالحرب والاستظهار عليها بالعدة كقوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وقوله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة

ونحو ذلك في الترغيب والترهيب ما جاء في قصص الاشقياء تحذيرا لما نزل من العذاب واخبارا للسعداء فيما صاروا إليه من الثواب & السادس والعشرون خطاب التنفير

كقوله تعالى ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم فقد جمعت هذه الاية اوصافا وتصويرا لما يناله المغتاب من عرض من يغتابه على افظع وجه وفي ذلك محاسن كالاستفهام الذي معناه التقريع والتوبيخ وجعل ماهو الغاية في الكراهة موصولا بالمحبة وإسناد الفعل إلى أحدكم وفيه اشعار بأن احدا لايحب ذلك ولم يقتصر على تمثيل الاعتبار باكل لحم الإنسان حتى جعله أخا ولم يقتصر على لحم الأخ حتى

جعله ميتا وهذه مبالغات عظيمة ومنها ان المغتاب غائب وهو لايقدر على الدفع لما قيل فيه فهو كالميت & السابع والعشرون خطاب التحنن والاستعطاف

كقوله تعالى قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله & الثامن والعشرون خطاب التحبيب

نحو يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر

يا بني إنها إن تك مثقال حبة

يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي

ومنه قوله صلى الله عليه وسلم يا عباس ياعم رسول الله & التاسع والعشرون خطاب التعجيز نحو فأتوا بسورة من مثله فليأتوا بحديث مثله

قل فأتوا بعشر سور مثله

فادرؤوا عن أنفسكم الموت

وجعل منه بعضهم قل كونوا حجارة أو حديدا ورد ابن عطية بان التعجيز يكون حيث يقتضي بالامر فعل مالايقدر عليه المخاطب وإنما معنى الاية كونوا بالتوهم والتقدير كذا & الثلاثون التحسير والتلهف كقوله تعالى قل موتوا بغيظكم & الحادي والثلاثون التكذيب

نحو قوله قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين قل هلم شهداءكم الذين يشهدون & الثاني والثلاثون خطاب التشريف وهو كل ما في القرآن العزيز مخاطبة بقل كالقلاقل

وكقوله قل آمنا وهو تشريف منه سبحانه لهذه الأمة بأن يخاطبها

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر