الجزء ٢ — ص ٢٢٢–٢٣١
الآية فهذا عام في المقاتل كثيرا أو قليلا ثم قال إن يكن منكم عشرون صابرون الآية
ونظيره قوله حرمت عليكم الميتة وهذا عام في جميع الميتات ثم خصة بقوله فكلوا مما أمسكن عليكم فأباح الصيد الذي يموت في فم الجارح المعلم
وخصص ايضا عمومه في آية اخرى قال أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم تقديره وإن كانت ميتة فخص بهذه الاية عموم تلك
ومثله قوله تعالى أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم
ونظيره قوله والدم وقال في آية اخرى إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا يعني إلا الكبد والطحال فهو حلال
ثم هذه الآية خاصة في سورة الآنعام وهي مكية والآية العامة في سورة المائدة وهي مدينة وقد تقدم الخاص على العام في هذا الموضع كما تقدم في النزول آية الوضوء على أنه التيمم وهذا ماش على مذهب الشافعي في أن العبرة بالخاص سواء تقدم أم تأخر
ومثله قوله تعالى وآتيتم إحداهن قنطارا والآية وهذا عام سواء رضيت المرأة أم لا ثم خصها بقوله فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه وخصها بقوله فلا جناح عليهما فيما افتدت به
ومثله قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن الآية فهذا عام في المدخول بها وغيرها ثم خصها فقال يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن الآية فخص الآيسة والصغيرة والحامل فالآيسة والصغيرة بالأشهر والحامل بالوضع
ونظيره قوله والذين يتوفون منكم الآية وهذا عام في الحامل والحائل ثم خص بقوله وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن
ونظيره قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء الآية وهذا عام في ذوات المحارم والأجنبيات ثم خص بقوله حرمت عليكم أمهاتكم الآية وقوله الزانية والزاني عام في الحرائر والإماء ثم خصه بقوله فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب
وقوله لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة فإن الخلة عامة ثم خصها بقوله الآخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين
وكذلك قوله ولا شفاعة بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم
& فائدة في العموم والخصوص
قد يكون الكلامان متصلين وقد يكون احدهما خاصا والآخر عاما وذلك نحو قولهم لمن اعطى زيدا درهما اعط عمرا فإن لم تفعل فما اعطيت يريد ان لم تعط عمرا فأنت لم تعط زيدا ايضا وذاك غير محسوب لك
ذكره ابن فارس وخرج عليه قوله تعالى بلغ ما أنزل إليك من ربك قال فهذا خاص به يريد هذا الأمر المحدد بلغه وإن لم تفعل ولم تبلغ هذا فما بلغت رسالته يريد جميع ما ارسلت به
قلت وهو وجه حسن وفي الآية وجوه آخر
احدها أن المعنى انك ان تركت منها شيئا كنت كمن لا يبلغ شيئا منها فيكون ترك البعض محبطا للباقي قال الراغب وكذلك ان حكم الأنبياء عليهم السلام في تكليفاتهم اشد وليس حكمهم كحكم سائر الناس الذين يتجاوز عنهم اذا خلطوا عملا صالحا وآخر شيئا وروى هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما
والثاني قال الإمام فخر الدين إنه من باب قوله * أنا أبو النجم وشعري شعري * معناه أن شعري قد بلغ في المتانة والفصاحة إلى حد شئ قيل في نظم انه شعري فقد
انتهى مدحه إلى الغاية فيفيد تكرير المبالغة التامة في المدح من هذا الوجه وكذا جواب الشرط ها هنا يعني به انه لايمكن أي يوصف ترك بعض المبلغ تهديدا اعظم من انه ترك التبليغ فكان ذلك تنبيها على غاية التهديد والوعيد وضعف الوجه الذي قبله بأن من اتى بالبعض وترك البعض لو قيل إنه ترك الكل كان كذبا ولو قيل إن الخلل في ترك البعض كالخلل في ترك الكل فإنه ايضا محال
وفي هذا التضعيف الذي ذكره الإمام نظر لأنه اذا كان متى اتى به غير معتد به فوجده كالعدم كقول الشاعر % % سئلت فلم تمنع ولم تعط نائلا % % فسيان لاذم عليك ولا حمد % % أي ولم تعط ما يعد نائلا وإلا يتكاذب البيت
الثالث انه لتعظيم حرمة كتمان البعض جعله ككتمان الكل كما في قوله تعالى فكأنما قتل الناس جميعا
الرابع انه وضع السبب موضع المسبب ومعناه ان لم تفعل ذلك فلك ما يوجبه كتمان الوحي كله من العذاب
ذكر هذا والذي قبله صاحب الكشاف
تنبيه قال الإمام أبو بكر الرازي وفي هذه الآية دلالة على ان كل ما كان من الأحكام للناس اليه حاجة عامة ان النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغه الكافة وإنما وروده ينبغي ان يكون من طريق التواتر نحو الوضوء من مس الفرج ومن مس المرأة ومما مست النار ونحوها لعموم البلوى بها فإذا لم نجد ما كان فيها بهذه المنزلة واردا من طريق التواتر علمنا ان الخبر غير ثابت في الأصل انتهى
وهذه الدلالة ممنوعة لأن التبليغ مطلق غير مقيد بصورة التواتر فيما تعم به البلوى فلا تثبت زيادة ذلك إلا بدليل ومن المعلوم أن الله سبحانه لم يكلف رسوله صلى الله عليه وسلم إشاعة شيء إلى جمع يتحصل بهم القطع غير القرآن لأنه المعجز الأكبر وطريق معرفته القطع فأما باقي الاحكام فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل بها إلى الآحاد والقبائل وهي مشتملة على ما تعم به البلوى قطعا & الخامس خطاب الجنس
نحو يا أيها الناس فإن المراد جنس الناس لاكل فرد والا فمعلوم ان غير المكلف لم يدخل تحت هذا الخطاب وهذا يغلب في خطاب أهل مكة كما سبق ورجح الأصوليون دخول النبي صلى الله عليه وسلم في الخطاب ب يأيها الناس وفي القرآن سورتان أولهما يا أيها الناس احداهما في النصف الأول وهي السورة الرابعة منه
وهي سورة النساء والثانية في النصف الثاني منه وهي سورة الحج والأولى تشتمل على شرح المبدأ والثانية تشتمل على شرح المعاد فتأمل هذا الترتيب ما أوقعه في البلاغة قال الراغب والناس قد يذكر ويراد به الفضلاء دون من يتناوله اسم الناس تجوزا وذلك إذا اعتبر معنى الإنسانية وهو وجود العقل والذكر وسائر القوى المختصة به فإن كل شيء عدم فعله المختص به لايكاد يستحق اسمه كاليد فإنها إذا عدمت فعلها الخاص بها فإطلاق اليد عليها كإطلاق على يد السرير ومثله بقوله تعالى آمنوا كما آمن الناس أي كما يفعل من يوجد فيه معنى الإنسانية ولم يقصد بالإنسان عينا واحدا بل قصد المعنى وكذلك قوله أم يحسدون الناس أي من وجد فيهم معنى الإنسانية أي إنسان كان
قال وربما قصد به النوع من حيث هو كقوله تعالى ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض & السادس خطاب النوع
نحو يا بني إسرائيل والمراد بنو يعقوب وإنما صرح به للطيفة سبقت في النوع السادس وهو علم المبهمات
& السابع خطاب العين
نحو يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة
يا نوح اهبط بسلام
يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا
يا موسى
يا عيسى
ولم يقع في القرآن النداء ب يا محمد بل ب يأيها النبي ويأيها الرسول تعظيما له وتبجيلا وتخصيصا بذلك عن سواه & الثامن خطاب المدح
نحو يا أيها الذين آمنوا وهذا وقع خطابا لأهل المدينة الذين آمنوا وهاجروا تمييزا لهم عن أهل مكة وقد سبق أن كل آية فيها يا أيها الناس
لأهل مكة وحكمه ذلك أنه يأتي بعد يا أيها الناس الأمر بأصل الإيمان ويأتي بعد يا أيها الذين آمنوا الأمر بتفاصيل الشريعة وإن جاء بعدها الأمر بالإيمان كان من قبيل الأمر بالاستصحاب
وقوله تعالى وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون قيل يرد الخطاب بذلك باعتبار الظاهر عند المخاطب وهم المنافقون فإنهم كانوا يتظاهرون بالإيمان كما قال سبحانه قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم وقد جوز الزمخشري في تفسير سرة المجادلة في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول أن يكون خطابا للمنافقين الذين آمنوا بالسنتهم وأن يكون للمؤمنين
ومن هذا النوع الخطاب ب يأيها النبي يأيها الرسول ولهذا تجد الخطاب بالنبي في محل لايليق به الرسول وكذا عكسه كقوله في مقام الأمر بالتشريع العام يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وفي مقام الخاص يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ومثله إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين
وتأمل قوله لا تقدموا بين يدي الله ورسوله في مقام الإقتداء بالكتاب والسنة ثم قال لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي فكأنه جمع له المقامين معنى النبوة والرسالة تعديدا للنعم في الحالين
وقريب منه في المضاف إلى الخاص يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ولم يقل يانساء الرسول لما قصد اختصاصهن عن بقية الامة
وقد يعبر بالنبي في مقام التشريع العام لكن مع قرينة أرادة التعميم كقوله يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ولم يقل طلقت & التاسع خطاب الذم
نحو يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم
قل يا أيها الكافرون
ولتضمنه الإهانة لم يقع في القرآن في غير هذين الموضعين
وكثر الخطاب ب يأيها الذين آمنوا على المواجهة وفي جانب الكفار على الغيبة إعراضا عنهم كقوله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين ثم قال وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة فواجه بالخطاب المؤمنين وأعرض بالخطاب عن الكافرين ولهذا كان صلى الله عليه وسلم إذا عتب على قوم قال ما بال رجال يفعلون كذا فكنى عنه تكرما وعبر عنهم بلفظ الغيبة إعراضا
& العاشر خطاب الكرامة
نحو ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وقوله ادخلوها بسلام آمنين & الحادي عشر خطاب الإهانة
نحو قوله لإبليس فإنك رجيم وإن عليك اللعنة
وقوله قال اخسؤوا فيها ولا تكلمون
وقوله وأجلب عليهم بخيلك ورجلك
قالوا ليس هذا إباحة لإبليس وإنما معناه أن ما يكون منك لايضر عباده كقوله إن عبادي ليس لك عليهم سلطان & الثاني عشر خطاب التهكم
وهو الاستهزاء بالمخاطب مأخوذ من تهكم البئر إذا تهدمت كقوله تعالى ذق إنك أنت العزيز الكريم وهو خطاب لآبي جهل لأنه قال ما بين
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر