الجزء ٢ — ص ٢١٢–٢٢١
وقوله تعالى فأثرن به نقعا فوسطن به جمعا فالهاء الأولى كناية عن الحوافر وهي موريات أي اثرن بالحوافر نقعا والثانية كناية عن الإغارة أي المغيرات صبحا فوسطن به جمعا جمع المشركين فأغاروا بجمهم
وقد صنف ابن الأنباري كتابا في تعيين الضمائر الواقعه في القرآن في مجلدين
الرابع من مواقع الوقف والابتداء كقوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم فقوله الراسخون يحتمل ان يكون معطوفا على اسم الله تعالى ويحتمل ان يكون ابتداء كلام وهذا الثاني هو الظاهر ويكون حذف اما المقابلة كقوله فأما الذين في قلوبهم زيغ ويؤيده آية البقرة فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا
الخامس من جهة غرابة اللفظ كقوله تعالى فلا تعضلوهن
ومن الناس من يعبد الله على حرف
وسيدا وحصورا وغير ذلك مما صنف فيه العلماء من كتب غريب القرآن
السادس من جهة كثرة استعماله الآن كقوله تعالى أو ألقى السمع وهو شهيد
و يلقون السمع وأكثرهم كاذبون بمعنى يسمعون ولا يقول أحد الآن القيت سمعي
وكذا قوله ثاني عطفه أي متكبرا
وقوله ألا إنهم يثنون صدورهم أي يسرون مافي ضمائرهم
وكذا فأصبح يقلب كفيه أي نادما
وكذا فردوا أيديهم في أفواههم أي لم يتلقوا النعم بشكر
السابع من جهة التقديم والتأخير كقوله تعالى ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى تقديره ولو كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما ولولا هذا التقدير لكان منصوبا كالإلزام
وقوله تعالى يسألونك كأنك حفي عنها أي يسألونك عنها كأنك
وقوله لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم كما أخرجك ربك فهذا غير متصل وإنما هو عائد على قوله قل الأنفال لله والرسول كما أخرجك ربك من بيتك فصارت انفال الغنائم لك إذا انت راض بخروجك وهم كارهون فاعترض بين الكلام الأمر بالتقوى وغيره
وقوله حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه معناه قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم
الثامن من جهة المنقول المنقلب كقوله تعالى وطور سينين أي طورسينا وقوله سلام على إل ياسين أي الناس وقيل إدريس وفي حرف ابن مسعود إدراس
التاسع المكرر القاطع لوصل الكلام في الظاهر كقوله تعالى وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن معناه يدعون من دون الله شركاء إلا الظن
وقوله تعالى قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم معناه الذين استكبروا لمن آمن من الذين استضعفوا & فصل فيما ورد فيه مبينا للإجمال
اعلم ان الكتاب هو القرآن المتلو وهو إما نص وهو ما لايحتمل إلا معنى كقوله تعالى فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة وإما ظاهر وهو ما دل على معنى مع تجويز غيره
والرافع لذلك الاحتمال قرائن لفظية ومعنوية واللفظية تنقسم إلى متصلة ومنفصلة اما المتصلة فنوعان نوع يصرف اللفظ إلى غير الاحتمال الذي لولا القرينة لحمل عليه ويسمى تخصيصا وتأويلا ونوع يظهر به المراد من اللفظ ويسمى بيانا
فالأول كقوله تعالى وحرم الربا فإنه دل على ان المراد من قوله سبحانه وأحل الله البيع البعض دون الكل الذي هو ظاهر بأصل الوضع وبين انه ظاهر في الاحتمال الذي دلت عليه القرينة في سياق الكلام وللشافعي رحمه الله قول بإجمال البيع لأن الربا مجمل وهو في حكم السمتثنى من البيع واستثناء المجهول من المعلوم يعود بالإجمال على أصل الكلام والصحيح الأول فإن الربا عام في الزيادات كلها وكون البعض غير مراد نوع تخصيص فلا تتغير به دلالة الأوضاع
ومثال النوع الثاني قوله تعالى من الفجر فإنه فسر مجمل قوله تعالى حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود إذ لولا من الفجر لبقي الكلام الأول على تردده وإجماله
وقد ورد ان بعض الصحابة كان يربط في رجله الخيط الأبيض والأسود ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له لونهما فأنزل الله تعالى بعد ذلك من الفجر فعلموا أنه اراد الليل والنهار
وأما اللفظية المنفصلة فنوعان ايضا تأويل وبيان
فمثال الأول قوله تعالى فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإنه دل على أن المراد بقوله تعالى الطلاق مرتان الطلاق
الرجعي إذا لولا هذا القرينة لكان الكل منحصرا في الطلقتين وهذه القرينة وإن كانت مذكورة في سياق ذكر الطلقتين إلا انها جاءت في آية اخرى فلهذا جعلت من قسم المنفصلة
ومثال الثاني قوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة فإنه دل على جواز الرؤية ويفسر به قوله تعالى لا تدركه الأبصار حيث كان مترددا بين نفي الرؤية أصلا وبين نفي الإحاطة والحصر دون أصل الرؤية
وأيضا قوله تعالى كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون فإنه لما حجب الفجار عن رؤيته خزيا لهم دل على إثباتها للأبرار وارتفع به الإجمال في قوله لا تدركه الأبصار
وأما القرائن المعنوية فلا تنحصر ومن مثله قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء فإن صيغته صيغة الخبر ولكن لايمكن حمله على حقيقته فإنهن قد لايتربصن فيقع خبر الله بخلاف مخبره وهو محال فوجب اعتبار هذه القرينة حمل الصيغة على معنى الأمر صيانة لكلام الله تعالى عن احتمال المحال
ونظائره كثيرة فيما ورد من صيغة الخبر والمراد بها الامر
$ النوع الثاني والأربعون & في وجوه المخاطبات والخطاب في القرآن
يأتي على نحو من اربعين وجها & الأول خطاب العام المراد به العموم
كقوله تعالى أن الله بكل شيء عليم
وقوله إن الله لا يظلم الناس شيئا
وقوله ولا يظلم ربك أحدا
وقوله الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم
هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة الله الذي جعل لكم الأرض قرارا وهو كثير في القرآن
يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم & الثاني خطاب الخاص والمراد به الخصوص
من ذلك قوله تعالى أكفرتم بعد إيمانكم
هذا ما كنزتم لأنفسكم
ذق إنك أنت العزيز الكريم
يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك
وقوله فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا وغير ذلك & الثالث خطاب الخاص والمراد به العموم
كقوله تعالى يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فافتتح الخطاب بالنبي صلى الله عليه وسلم والمراد سائر من يملك الطلاق
ومنه قوله تعالى يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين
وقال أبو بكر الصيرفي كان ابتداء الخطاب له فلما قال في الموهوبة خالصة لك علم أن ما قبلها له ولغيره و صلى الله عليه وسلم
وقوله تعالى وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة وجرى أبو يوسف على الظاهر فقال إن صلاة الخوف من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم
وأجاب الجمهور بأنه لم يذكر فيهم على أنه شرط بل على انه صفة حال والأصل في الخطاب أن يكون لمعين
وقد يخرج على غير معين ليفيد العموم كقوله تعالى وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات وفائدته الإيذان بأنه خليق بأن يؤمر به كل أحد ليحصل مقصوده الجميل
وكقوله ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت أخرج في صورة الخطاب لما اريد العموم للقصد إلى تقطيع حالهم وأنها تناهت في الظهور حتى امتنع خفاؤها فلا تخص بها رؤية راء بل كل من يتأتى منه الرؤية داخل في هذا الخطاب كقوله تعالى وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا لم يرد به مخاطب معين بل عبر بالخطاب ليحصل لكل واحد فيه مدخل مبالغة فيما قصد الله من وصف ما في ذلك المكان من النعيم والملك ولبناء الكلام في الموضعين على العموم لم يجعل ل ترى ولا ل رأيت مفعولا ظاهرا ولا مقدرا ليشيع ويعم
وأما قوله تعالى ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم فقيل إنه من هذا الباب ومنعه قوم وقال الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولو للتمني لرسول الله صلى الله عليه وسلم كالترجي في لعلهم يهتدون لآنه تجرع من
عداوتهم الغصص فجعله الله كأنه تمنى ان يراهم على تلك الحالة الفظيعة من نكس الرءوس صما عميا ليشمت بهم
ويجوز أن تكون لو امتناعية وجوابها محذوف أي لرأيت اسوأ حال يرى & الرابع خطاب العام والمراد الخصوص
وقد اختلف العلماء في وقوع ذلك في القرآن فأنكره بعضهم لأن الدلالة الموجبة للخصوص بمنزلة الإستثناء المتصل بالجملة كقوله تعالى فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما والصحيح أنه واقع
كقوله الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم وعمومه يقتضي دخول جميع الناس في اللفظين جميعا والمراد بعضهم لأن القائلين غير المقول لهم والمراد بالأول نعيم بن سعيد الثقفي والثاني أبو سفيان وأصحابه قال الفارسي ومما يقوى ان المراد بالناس في قوله إن الناس قد جمعوا لكم واحد قوله إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فوقعت الإشارة بقوله ذلكم إلى واحد بعينة ولو كان المعنى به جمعا لكان إنما الشياطين الشياطين فهذه دلالة ظاهرة في اللفظ وقيل بل وضع فيه الذين موضع الذي
وقوله وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس يعني عبد الله بن سلام
وقوله إن الذين ينادونك من وراء الحجرات قال الضحاك وهو الأقرع بن حابس
وقوله تعالى يا أيها الناس اتقوا ربكم لم يدخل فيه الأطفال والمجانين
ثم التخصيص يجيء تارة في آخر الآية كقوله تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فهذا عام في البالغة والصغيرة عاقله أو مجنونة ثم خص في آخرها بقوله فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا الآية فخصها بالعاقلة البالغة لآن من عداها عبارتها ملغاة في العفو
ونظيره قوله والمطلقات يتربصن بأنفسهن فإنه عام في البائنة والرجعية ثم خصها بالرجعية بقوله وبعولتهن أحق بردهن في ذلك لآن البائنة لاتراجع
وتارة في اولها كقوله تعالى ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا فإن هذا خاص في الذي أعطاها الزوج ثم قال بعد فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به فهذا عام فيما اعطاها الزوج أو غيره إذا كان ملكا لها
وقد يأخذ التخصيص من آية اخرى كقوله تعالى ومن يولهم يومئذ دبره
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر