الجزء ٢ — ص ٢٠٢–٢١١
ويحتمل أن يكون التقدير من دون الله أي من غير المؤمنين يشهدون لكم أنكم آمنتم بمثله وفي هذا إرخاء عنان الاعتماد على أن فصحاءهم تأنف نفوسهم من مساجلة الحق الجلي بالباطل اللجلجي وتعليقه بادعوا على هذا جائز
ومنه قوله تعالى أو كالذي مر على قرية فإنه عطفه على قوله ألم تر لأنها بمعنى هل رأيت
السادس معرفة النزول وهو من أعظم المعين على فهم المعنى وسبق منه في أول الكتاب جملة وكانت الصحابة والسلف يعتمدونه وكان عروة بن الزبير قد فهم من قوله تعالى فلا جناح عليه أن يطوف بهما أن السعي ليس بركن فردت عليه عاشئة ذلك وقالت لو كان كما قلت لقال فلاجناح عليه ألا يطوف بهما وثبت أنه إنما أتى بهذه الصيغة لأنه كان وقع فزع في قلوب طائفة من الناس كانوا يطوفون قبل ذلك بين الصفا والمروة للأصنام فلما جاء الإسلام كرهوا الفعل الذي كانوا يشركون به فرفع الله ذلك الجناح من قلوبهم وأمرهم بالطواف رواه البخاري في صحيحه فثبت أنها نزلت ردا على من كان يمتنع من السعي
ومن ذلك قصة مروان بن الحكم سؤاله ابن عباس لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعبذن اجمعون فقال ابن عباس هذه الآيات
نزلت في أهل الكتاب ثم تلا وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه وتلا لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا قال ابن عباس سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سالهم عنه واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ما سألهم عنه
وقد سبق فيه كلام في النوع الآول في معرفة سبب النزول فاستحضره ومن هذا ما قاله الشافعي في قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما انه لا متمسك فيها لمالك على العموم لأنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اشياء فأجابهم عن المحرمات من تلك الأشياء وحكاه غير سعيد بن جبير
السابع السلامة من التدافع كقوله تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين فإنه يحتمل ان الطوائف لا تنفر من أماكنها وبواديها جملة بل بعضهم لتحصيل التفقه بوفودهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا رجعوا إلى قومهم أعلموهم بما حصل لهم والفائدة في كونهم لاينفرون جميعا عن بلادهم حصول المصلحة في حفظ من يتخلف من بعضهم ممن لا يمكن نفيره
ويحتمل أن يكون المراد بالفئة النافرة هي من تسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغازيه وسراياه والمعنى حينئذ انه ما كان لهم ان ينفروا اجمعين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغازيه لتحصيل المصالح المتعلقة ببقاء من يبقى في المدينة والفئة النافرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تتفقه في الدين بسبب ما يؤمرون به ويسمعون منه فإذا رجعوا إلى من بقي بالمدينة اعلموهم بما حصل لهم في صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم من العلم والاحتمالان قولان للمفسرين
قال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد والأقرب عندي هو الاحتمال الأول لأنا لو حملناه على الاحتمال الثاني لخالفه ظاهر قوله تعالى ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه وقوله تعالى فانفروا ثبات أو انفروا جميعا فإن ذلك يقتضي اما طلب الجميع بالنفير أو أباحته وذلك في ظاهره يخالف النهي عن نفر الجميع وإذا تعارض محملان يلزم من احدهما معارضته ولا يلزم من الآخر فالثاني اولى ولا نعني بلزوم التعارض لزوما لا يجاب عنه ولا يتخرج على وجه مقبول بل ما هو اعم من ذلك فإن ما أشرنا إليه من الآيتين يجاب عنه بحمل أو في قوله أو انفروا جميعا على التفصيل دون التخيير كما رضيه بعض المتأخرين من النحاة فيكون نفيرهم ثبات مما لايدعون الحاجة إلى نفيرهم فيه جميعا ونفيرهم جميعا فيما تدعو الحاجة اليه ويحمل قوله ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله على ما اذا كان الرسول هو النافر للجهاد ولم تحصل الكفاية الا بنفير الجميع ممن يصلح للجهاد فهذا اولى من قول من يقول بالنسخ
او ان تكون هذه الاية ناسخة لما اقتضى النفير جميعا
ومن المفسرين من يقول عن منع النفير جميعا حيث يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فليس لهم ان ينفروا جميعا ويتركوه وحده
والحمل ايضا على هذا التفسير الذي ذكرناه اولى من هذا لآن اللفظ يقتضي ان نفيرهم للتفقه في الدين والإنذار ونفيرهم مع بقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدهم لايناسبه التعليل بالتفقه في الدين اذ التفقه منه صلى الله عليه وسلم وتعلم الشرائع من جهته فكيف يكون خروجهم عليه معللا للتفقه في الدين
ومنه قوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم فإنه يحتمل ان يكون من باب التسهيل والتخفيف ويحتمل ان يكون من باب التشديد بمعنى انه ما وجدت الاستطاعة فاتقوا أي لاتبقى من الاستطاعة شيء
وبمعنى التخفيف يرجع إلى ان المعنى فاتقوا الله ماتيسر عليكم أو ما امكنكم من غير عسر قال الشيخ تقي الدين الفشيري ويصلح معنى التخصيص قوله صلى الله عليه وسلم اذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا امرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم & فصل في الظاهر والمؤول
وقد يكون اللفظ محتملا لمعنيين وهو في احدهما اظهر فيسمى الراجح ظاهرا والمرجوح مؤولا
مثال المؤول قوله تعالى وهو معكم أين ما كنتم فانه يستحيل حمل المعية على القرب بالذات فتعين صرفه عن ذلك وحمله اما على الحفظ والرعاية أو على القدرة والعلم والرؤية كما قال تعالى ونحن أقرب إليه من حبل الوريد
وكقوله تعالى واخفض لهما جناح الذل من الرحمة فإنه يستحيل حمله على الظاهر لاستحالة ان يكون آدمي له اجنحة فيحمل على الخضوع وحسن الخلق
وكقوله وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه يستحيل ان يشد في القيامة في عنق كل طائع وعاص وغيرهما طير من الطيور فوجب حمله على التزام الكتاب في الحساب لكل واحد منهم بعينه
ومثال الظاهر قوله تعالى فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الباغي يطلق على الجاهل وعلى الظالم وهو فيه اظهر وأغلب كقوله تعالى ثم بغي عليه لينصرنه الله
وقوله ولا تقربوهن حتى يطهرن فيقال للانقطاع طهر وللوضوء والغسل غير أن الثاني اظهر
وكقوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله فيقال للابتداء التمام والفراغ غير ان الفراغ اظهر وقوله تعالى فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف فيحتمل ان يكون
الخيار في الأجل أو بعده والظاهر الأول لكنه يحمل على انه مفارقة الأجل
وقوله فلا جناح عليه أن يطوف بهما والظاهر يقتضي حمله على الاستحباب لآن قوله فلا جناح بمنزلة قوله لا بأس وذلك لا يقتضي الوجوب ولكن هذا الظاهر متروك بل هو واجب لأن طواف الإفاضة واجب ولأنه ذكره بعد التطوع فقال ومن تطوع خيرا فدل على ان النهي السابق نهي عن ترك واجب لانهي عن ترك مندوب أو مستحب
وقد يكون الكلام ظاهرا في شيء فيعدل به عن الظاهر بدليل آخر كقوله تعالى الحج أشهر معلومات والشهر اسم لثلاثة لأنه اقل الجمع
وكقوله تعالى فإن كان له إخوة فلأمه السدس فالظاهر اشتراط ثلاثة من الإخوة لكن قام الدليل من خارج على أن المراد اثنان لأنهما يحجبانها عن الثلث إلى السدس & فصل في اشتراك اللفظ بين حقيقتين أو حقيقة ومجاز
قد يكون اللفظ مشتركا بين حقيقتين أو حقيقة ومجاز ويصح حمله عليهما جميعا كقوله تعالى ولا يضار كاتب ولا شهيد قيل المراد يضارر وقيل يضارر أي الكاتب والشهيد لا يضارر فيكتم الشهادة والخط وهذا أظهر
ويحتمل ان من دعا الكاتب والشهيد لا يضارره فيطلبه في وقت فيه ضرر
وكذلك قوله لا تضار والدة بولدها فعلى هذا يجوز ان يقال اراد الله بهذا اللفظ كلا المعنيين على القولين اما إذا قلنا بجواز استعمال المشترك في معنييه فظاهر وأما إذا قلنا بالمنع فبأن يكون اللفظ قد خوطب به مرتين مرة اريد هذا ومرة هذا وقد جاء عن أبي الدرداء رضي الله عنه لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى للقرأن وجوها كثيرة رواه أحمد أي اللفظ الواحد يحتمل معاني متعددة ولا يقتصر به على ذلك المعنى بل يعلم انه يصلح لهذا ولهذا
وقال ابن القشيري في مقدمة تفسيره مالا يحتمل إلا معنى واحدا حمل عليه وما احتمل معنيين فصاعدا بأن وضع الأشياء متماثلة كالسواد حمل على الجنس عند الإطلاق وإن وضع لمعان مختلفة فإن ظهر أحد المعنيين حمل على الظاهر إلا أن يقوم الدليل وإن استويا سواء كان الاستعمال فيهما حقيقة أو مجازا أو في احدهما حقيقة وفي الآخرة مجازا كلفظ العين والقرء واللمس فإن تنافى الجمع بينهما فهو مجمل فيطلب البيان من غيره وإن لم يتناف فقد مال قوم إلى الحمل على المعنيين والوجه التوقف فيه لأنه ما وضع للجميع بل وضع لآحاد مسميات على البدل وادعاء اشعاره بالجميع بعيد نعم يجوز ان يريد المتكلم به جميع المحامل ولا يستحيل ذلك عقلا وفي مثل هذا يقال يحتمل ان يكون المراد كذا ويحتمل ان يكون كذا & فصل قد ينفي الشيء وثبت باعتبارين
وقد ينفى الشيء ويثبت باعتبارين كما سبق في قوله وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى
ثم اثبته لسر غامض وهو ان الرمي الثاني غير الأول فإن الأول عني به الرمي بالرعب والثاني عني به بالتراب حين رمى النبي صلى الله عليه وسلم في وجوه اعدائه بالتراب والحصى وقال شاهت الوجوه فانهزموا فأنزل الله يخبره أن انهزامهم لم يكن لأجل التراب وإنما هو بما أوقع في قلوبهم من الرعب & فصل في الإجمال ظاهرا وأسبابه وأما ما فيه من الإجمال في الظاهر فكثير وله أسباب
أحدها أن يعرض من الفاظ مختلفه مشتركة وقعت في التركيب كقوله تعالى فأصبحت كالصريم قيل معناه كالنهار مبيضة لا شيء فيها وقيل كالليل مظلمة لاشيء فيها
وكقوله والليل إذا عسعس قيل أقبل وأدبر
وكالأمة في قوله تعالى وجد عليه أمة بمعنى الجماعة وفي قوله إن إبراهيم كان أمة بمعنى الرجل الجامع للخير المقتدى به وبمعنى الدين في قوله
تعالى إنا وجدنا آباءنا على أمة وبمعنى الزمان في قوله تعالى وادكر بعد أمة
وكالذرية فإنها في الاستعمال العرفي الأدنى ومنه ومن ذريته داود وسليمان وقد يطلق على الأعلى بدليل قوله تعالى إن الله اصطفى آدم الآية ثم قال ذرية وبها يجاب عن الإشكال المشهور في قوله تعالى حملنا ذريتهم في الفلك المشحون على بحث فيه
وقال مكي في قوله تعالى فأنا أول العابدين أي أول من يعبد الله
ومن قال الأنفين فقوله مردود لأنه يلزم ان يكون العبدين لأنه إنما يقال عبد من كذا أي أنف
الثاني من حذف في الكلام كقوله وترغبون أن تنكحوهن قيل معناه ترغبون في نكاحهن لما لهن وقيل معناه عن نكاحهن لزمانتهن وقلة مالهن والكلام يحتمل الوجهين لآن العرب تقول رغبت عن الشيء أذا زهدت فيه ورغبت في الشيء اذا حرصت عليه فلما ركب الكلام تركيبا حذف معه حرف الجر احتمل التأويلين جميعا وجعل منه بعضهم قوله تعالى في سورة النساء فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ما أصابك من حسنة فمن الله
أي يقولون ما أصابك قال ولولا هذا التقدير لكان مناقضا لقوله قل كل من عند الله
وقوله وآتينا ثمود الناقة مبصرة أي آية مبصرة فظلموا انفسهم بقتلها وليس المراد ان الناقة كانت مبصرة لاعمياء
الثالث مت تعيين الضمير كقوله تعالى أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح فالضمير في يده يحتمل عودة على الولي وعلى الزوج ورجح الثاني لموافقته للقواعد فان الولي لايجوز ان يعفو عن مال يتيمه بوجه من الوجوه وحمل الكلام المحتمل على القواعد الشرعية اولى
فإن قيل لو كان خطابا للأزواج لقال إلا ان تعفو بالخطاب لأن صدر الآية خطاب لهم بقوله وإن طلقتموهن إلى قوله فنصف ما فرضتم
قلنا هو التفات من الخطاب إلى الغيبة وهو من انواع البديع
ومنه قوله تعالى إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه فيحتمل أن يكون الضمير الفاعلي الذي في يرفعه عائدا على العمل والمعنى ان الكلم الطيب وهو التوحيد يرفع العمل الصالح لأنه لا تصلح الأعمال إلا مع الإيمان ويحتمل ان يكون الضمير عائدا على الكلم ويكون معناه ان العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب وكلاهما صحيح لأن الإيمان فعل وعمل ونية لا يصح بعضها إلا ببعض
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر