علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٧٠ من ١٩٤

الجزء ٢ — ص ١٩٢–٢٠١

وقوله للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب الآية فإن هذه الآية مجملة لا يعلم منها من يرث من الرجال والنساء بالفرض والتعصيب ومن يرث ومن لا يرث ثم بيننه فى آية أخرى بقوله يوصيكم الله في أولادكم الآيات

وكقوله أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم فهذا الاستثناء مجمل بينه فى آية أخرى بقوله حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير

وكقوله ليبلونكم الله بشيء من الصيد الآية فهذا الابتلاء مجمل لا يعلم أحد فى الحل أم فى الحرم بينه قوله لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم الآية

وكقوله وهم من بعد غلبهم سيغلبون وهذا المجمل بينه فى آية أخرى بقوله هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق الآية

وكقوله تعالى وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم قال العلماء بيان هذا العهد قوله تعالى لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم الآية فهذا عهده عز وجل وعهدهم تمام اللآية فى قوله لأكفرن عنكم سيئاتكم فإذا وفوا العهد الأول أعطوا ما وعدوا

وقوله تعالى ويقول الذين كفروا لست مرسلا يرد عليهم بقوله يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين

وقوله تعالى ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون فقيل لهم ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون وقيل بل نزل بعده إنا كاشفو العذاب والتقدير إن كشفنا العذاب تعودوا

وقوله لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم فرد عليهم بقوله وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة

وقوله وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن بيانه الرحمن علم القرآن

وقوله قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا فقيل لهم لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله

وقوله وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم فقيل لهم فى الجواب فإن يصبروا فالنار مثوى لهم الآية

ومنه أم يقولون نحن جميع منتصر فقيل لهم ما لكم لا تناصرون

ومنه لو أطاعونا ما قتلوا فرد عليهم بقوله لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم

وقوله أم يقولون تقوله رد عليهم بقوله ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين

وقوله ما لهذا الرسول يأكل الطعام فقيل لهم وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق

وقوله وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة فقيل فى سورة أخرى وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث

وقوله ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون تفسير هذا الاختصام ما قال فى سورة أخرى قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه الآية

وقوله تعالى لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة وفسرها فى موضع آخر بقوله تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون

ومنه حكاية عن فرعون لعنه الله وما أهديكم إلا سبيل الرشاد فرد عليه فى قوله وما أمر فرعون برشيد

وقوله يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له وذكر هذا الحلف فى قوله قالوا والله ربنا ما كنا مشركين

وقوله فى قصة نوح عليه السلام أني مغلوب فانتصر بين فى مواضع أخر ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا

وقوله وقالوا قلوبنا غلف أي أوعية للعلم فقيل لهم وما أوتيتم من العلم إلا قليلا

وجعل بعضهم من هذا قوله تعالى قال رب أرني أنظر إليك قال فإن آية البقرة وهى قوله حتى نرى الله جهرة تدل على أن قوله رب أرني لم يكن عن نفسه وإنما أراد به مطالبة قومه ولم يثبت فى التوراة أنه سأل الرؤية إلا وقت حضور قومه معه وسؤالهم ذلك

ومن ذلك قوله تعالى صراط الذين أنعمت عليهم بينة فى آية النساء بقوله من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين

فإن قيل فهلا فسرها آية مريم أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح

الآية قيل لا نسلم اولا أن هذه الآية فى النبيين فقط لقوله وممن حملنا مع نوح وقوله وممن هدينا واجتبينا وهذا تصريح بالأنبياء وغيرهم كيف وقد ذكرت مريم وهي صديقة على أحد القولين ولو سلم أنها فى الأنبياء خاصة فهم بعض من أنعم الله عليهم وجعلهم فى آية النساء صنفا من المنعم عليهم فكانت آية النساء من حيث هي عامة أولى بتفسير قوله صراط الذين أنعمت عليهم ولأن آية مريم ليس فيها إلا الإخبار بأن الله أنعم عليهم وذلك هو معنى قوله اهدنا الصراط المستقيم

والرغبة إلى الله تعالى فى الثبات عليها هي نفس الطاعة لله ولرسوله فإن العبد إذا هدي إلى الصراط المستقيم فقد هدى إلى الطاعة المقتضية أن يكون مع المنعم عليهم

وظهر بهذا أن آية النساء أمس بتفسير سورة الحمد من الآية التي فى سورة مريم & فصل قد يكون اللفظ مقتضيا لأمر ويحمل على غيره

وقد يكون اللفظ مقتضيا لأمر ويحمل على غيره لأنه أولى بذلك الاسم منه وله أمثلة منها تفسيرهم السبع المثاني بالفاتحة مع أن الله تعالى أخبر أن القرآن كله مثاني

ومنها قوله عن أهل الكساء هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وسياق القرآن يدل على إرادة الأزواج وفيهن نزلت ولا يمكن خروجهن عن الآية لكن لما أريد دخول غيرهن قيل بلفظ التذكير إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت فعلم أن هذه الإرادة شاملة لجميع أهل البيت الذكور والإناث بخلاف قوله يا نساء النبي ودل أن عليا وفاطمة أحق بهذا الوصف من الأزواج

ومنها قوله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الذى أسس على التقوى هو مسجدي هذا وهو يقتضي أن ما ذكره أحق بهذا الاسم من غيره والحصر المذكور حصر الكمال كما يقال هذا هو العالم العدل وإلا فلا شك أن مسجد قباء هو مؤسس على التقوى وسياق القرآن يدل على أنه مراد بالآية & فصل قد يكون اللفظ محتملا لمعنيين فى موضع ويعين فى موضع آخر

وقد يكون اللفظ محتملا لمعنيين وفى موضع آخر ما يعينه لأحدهما كقوله تعالى فى سورة البقرة ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة فيحتمل أن يكون السمع معطوفا على ختم ويحتمل الوقف على قلوبهم لأن الختم إنما يكون على القلب وهذا أولى لقوله فى الجاثية وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة

وقوله تعالى فى سورة الحجر إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين فالإستثناء منقطع لقوله فى الإسراء إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا ولو كان متصلا لاستثناهم فلما لم يستثنهم دل على أنهم لم يدخلوا

وقوله وجعلنا من الماء كل شيء حي فقد قيل إن حياة كل شيء إنما هو بالماء قال ابن درستويه وثذا غير جائز فى العربية لأنه لو كان المعنى كذلك لم يكن حي مجرورا ولكان منصوبا وإنما حي صفة لشيء ومعنى الآية خلق الخلق من الماء ويدل له قوله فى موضع آخر والله خلق كل دابة من ماء

ومما يحتمل قوله تعالى فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل فإن فليلقه يحتمل الأمر والخبر كأنه قال فاقذفيه فى اليم يلقيه اليم ونحتمل أن يكون أمرا بإلقائه

ومنه قوله تعالى ذرني ومن خلقت وحيدا فإنه يحتمل أن يكون خلقته وحيدا فريدا من ماله وولده وفى الآية بحث آخر وهو أن أبا البقاء أجاز فيها وفى قوله وذرني والمكذبين أن تكون الواو عاطفة وهو فاسد لأنه يلزم منه أن يكون الله قد أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتركه وكأنه قال اتركنى واترك من خلقت وحيدا وكذلك اتركنى واترك المكذبين فيتعين أن يكون

المراد خل بينى وبينهم وهي واو مع كقوله لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها

وقد يكون للفظ ظاهر وباطن كقوله تعالى أن طهرا بيتي للطائفين ظاهره الكعبة وباطنه القلب قال العلماء ونحن نقطع أن المراد بخطاب إبراهيم الكعبة لكن العالم يتجاوز إلى القلب بطريق الاعتبار عند قوم والأولى عند آخرين ومن باطنه إلحاق سائر المساجد به ومن ظاهره عند قوم العبور فيه & فصل فى ذكر الأمور التي تعين على المعنى عند الإشكال

ومما يعين على المعنى عند الإشكال أمور

أحدها رد الكلمة لضدها كقوله تعالى ولا تطع منهم آثما أو كفورا أي ولا كفورا والطريقة أن يرد النهى منه إلى الأمر فنقول معنى أطع هذا أو هذا أطع أحدهما وعلى هذا معناه فى النهى ولا تطع واحدا منهما

الثانى ردها إلى نظيرها كما فى قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم فهذا عام وقوله فوق اثنتين قول حد أحد طرفيه وأرخى الطرف الآخر إلى غير نهاية لأن أول ما فوق الثنتين الثلاث وآخره لا نهاية له وقوله وإن كانت واحدة

محدوده الطرفين فالثنتان خارجتان من هذا الفصل وأمسك الله عن ذكر الثنتين وذكر الواحده والثلاث وما فوقها وأما قوله في الأخوات إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك الآية فذكر الواحده والاثنتين وأمسك عن ذكر الثلاث وما فوقهن فضمن كل واحد من الفصلين ما كف عن ذكره في الاخر فوجب حمل كل واحد منهما فيما امسك عنه فيه على ما ذكره في غيره

الثالث ما يتصل بها من خبر أو شرط أو ايضاح في معنى آخر كقوله تعالى من كان يريد العزة فلله العزة جميعا يحتمل أن يكون معناها من كان يريد أن يعز أو تكون العزة له لكن قوله تعالى فلله العزة جميعا يحتمل أن يكون معناها من كان أن يعلم لمن العزة فإنها لله

وكذلك قوله إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله فإنه لا دلالة فيها على الحال التي هي شرط في عقوبته المعينة وأنواع المحاربة والفساد كثيرة وإنما استفيدت الحال من الادلة الدالة على أن القتل على من قتل ولم يأخذ المال والصلب على من جمعها والقطع على من أخذ المال ولم يقتل والنفي على من لم يفعل شيئا من ذلك سوى السعي في الأرض بالفساد

الرابع دلالة السياق فإنها ترشد إلى تبيين المجمل والقطع بعدم احتمال غير المراد وتخصيص العام وتقييد المطلق وتنوع الدلالة وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم فمن اهمله غلط في نظيره وغالط في مناظراته وانظر إلى قوله تعالى ذق إنك أنت العزيز الكريم

كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير

الخامس ملاحظة النقل عن المعنى الأصلي وذلك أنه قد يستعار الشيء لمشابهة ثم يستعار من المشابه لمشابه المشابه ويتباعد عن المسمى الحقيقي بدرجات فيذهب عن الذهن الجهة المسوغة لنقه من الأول إلى الآخر وطريق معرفة ذلك بالتدريج كقوله تعالى لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين وذلك أن اصل دون للمكان الذي هو أنزل من مكان غيره ومنه الشيء الدون للحقير ثم استعير للتفاوت في الأحوال والرتب فقيل زيد دون عمرو في العلم والشرف ثم اتسع فيه فاستعير في كل ما يتجاوز حدا إلى حد وتخطى حكما إلى حكم آخر كما في الآية المذكورة والتقدير لا تتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين

وكذلك قوله تعالى وادعوا شهداءكم من دون الله أي تجاوزوا الله في دعائكم إلى دعاء آلهتكم الذين تزعمون أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أي لاتستشهدوا بالله فإنها حجة يركن إليها العاجز عن البينات من الناس بل ائتوا ببينة تكون حجة عند الحكام وهذا يؤذن بأنه لم يبق تشبث سوى قولهم الله يشهد لنا عليكم هذا إذا جعلت من دون الله متعلقا بادعوا فإن جعلته متعلقا ب شهداءكم احتمل معنيين أحدهما أن يكون المعنى ادعوا الذين تجاوزتم في زعمكم شهادة الله أي شهادتهم لكم يوم القيامة والثاني على أن يراد بشهدائكم آلهتكم أي ادعوا الذين تجاوزتم في اتخاذكم ألوهية الله إلى ألوهيتهم

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر