علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٦٩ من ١٩٤

الجزء ٢ — ص ١٨٢–١٩١

وستين سورة وعقبها بالتغابن ليظهر التغابن فى فقده

وقوله تعالى مخبرا عن عيسى قال إني عبد الله آتاني الكتاب إلى قوله أبعث حيا ثلاث وثلاثون كلمة وعمره ثلاث وثلاثون سنة

وقد استنبط الناس زلزلة عام اثنين وسبعمائة من قوله تعالى إذا زلزلت الأرض فإن الألف باثنين والذال بسبعمائة

وكذلك استنبط بعض أئمة العرب فتح بيت المقدس وتخليصه من أيدى العدو فى أول سورة الروم بحساب الجمل وغير ذلك & فصل ( قد يستنبط الحكم من السكوت عن الشيء ) وقد يستنبط الحكم من السكوت عن الشئ كقوله تعالى ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن الآية ولم يذكر الأعمام والأخوال وهم من المحارم وحكمهم حكم

من سمى فى الآية وقد سئل الشعبى عن ذلك فقال لئلا يضعه العم عند ابنه وهو ليس بمحرم لها وكذا الخال فيفضي إلى الفتنة والمعنى فيه أن كل من استثنى مشترك بابنه فى المحرمية إلا العم والخال وهذا من الدلائل البليغة على وجوب الاحتياط فى سترهن

ولقائل أن يقول هذه المفسدة محتملة فى أبناء بعولتهن لاحتمال أن يذرها أبو البعل عند ابنه الآخر وهو ليس بمحرم لها وأبو البعل ينقض قولهم إن من استثنى اشترك هو وابنه فى المحرمية

ومنه قوله تعالى ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم الآية ولم يذكر الأولاد فقيل لدخولهم فى قوله بيوتكم & فصل فى تقسيم القرآن إلى ما هو بين بنفسه وإلى ما ليس ببينن فى نفسه فيحتاج إلى بيان

ينقسم القرآن العظيم إلى

ما هو بين بيفسه بلفظ لا يحتاج إلى بيان منه ولا من غيره وهو كثير ومنه قوله تعالى التائبون العابدون الآية

وقوله إن المسلمين والمسلمات الآية

وقوله قد أفلح المؤمنون وقوله واضرب لهم مثلا أصحاب القرية وقوله يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا وإلى ما ليس ببين بنفسه فيحتاج إلى بيان

وبيانه إما فيه فى آية أخرى أو فى السنة لأنها موضوعة للبيان قال تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم

والثانى ككثير من أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والمعاملات والأنكحة والجنايات وغير ذلك كقوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده ولم يذكر كيفية الزكاة ولا نصابها ولا أوقاصها ولا شروطها ولا أحوالها ولا من تجب عليه ممن لا تجب عليه وكذا لم يبين عدد الصلاة ولا أوقاتها

وكقوله فمن شهد منكم الشهر فليصمه ولله على الناس حج البيت ولم يبين أركانه ولا شروطه ولا ما يحل فى الإحرام وما لا يحل ولا ما يوجب الدم ولا ما لا يوجبه وغير ذلك والأول قد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إليه بما ثبت فى الصحيحين عن ابن مسعود لمانزل الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم شق ذلك على المسلمين فقالوا يا رسول الله وأينا لا يظلم نفسه

قال ليس ذلك إنما هو الشرك ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم فحمل النبى صلى الله عليه وسلم الظلم ها هنا على الشرك لمقابلته بالإيمان واستأنس عليه بقول لقمان

وقد يكون بيانه مضمرا فيه كقوله تعالى حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها فهذا يحتاج إلى بيان لأن حتى لا بد لها من تمام وتأويله حتى إذا جاءوها جاءوها وفتحت أبوابها

ومثله ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أى لكان هذا القرآن على رأى النحويين

قال ابن فارس ويسمى هذا عند العرب الكف

وقد يومئ إلى المحذوف إما متأخر كقوله تعالى أفمن شرح الله صدره للإسلام فإنه لم يجئ له جواب فى اللفظ لكن أومأ إليه قوله فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله وتقديره أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن قسا قلبه وإما متقدم كقوله تعالى أم من هو قانت آناء الليل فإنه أومأ إلى ما قبله وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه كأنه قال أهذا الذى هو هكذا خير أم من هو قانت فأضمر المبتدأ

ونظيره مثل الجنة التي وعد المتقون ومن هذه صفته كمن هو خالد في النار وقد يكون بيانه واضحا وهو أقسام

أحدها أن يكون عقبه كقوله تعالى الله الصمد قال محمد بن كعب القرظي تفسيره لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد

وكقوله تعالى إن الإنسان خلق هلوعا قال أبو العالية تفسيره إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا وقال ثعلب سألنى محمد بن طاهر ما الهلع فقلت قد فسره الله تعالى

وكقوله فيه آيات بينات فسره بقوله مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا

وقوله إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ومعلوم أنه لم يرد به المسيح وعزيرا فنزلت الآية مطلقة اكتفاء بالدلالة الظاهرة على أنه لا يعذبهما الله وكان ذلك بمنزلة الاستثناء باللفظ فلما قال المشركون هذا المسيح وعزير قد عبدا من دون الله أنزل الله إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون

وقوله يريكم البرق خوفا وطمعا

ففسر رؤية البرق بأنه ليس فى رؤيته إلا الخوف من الصواعق والطمع فى الأمطار وفيها لطيفة وهى تقديم الخوف على الطمع إذ كانت الصواعق تقع من أول برقة ولا يحصل المطر إلا بعد تواتر البرقات فإن تواترها لا يكاد يكذب فقدم الخوف على الطمع ناسخا للخوف كمجيء الفرج بعد الشدة

وكقوله والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه الآية وفيها لطيفة حيث بدأ بالماشي على بطنه فإنها سيقت لبيان القدرة وهو أعجب من الذى بعده وكذا ما يمشي على رجلين أعجب ممن يمشي على أربع

وكقوله تعالى أو ما ملكت أيمانكم فهذا عام فى المسلم والكافر ثم بين أن المراد المؤمنات بقوله من فتياتكم المؤمنات فخرج تزوج الأمة الكافرة وقوله تعالى ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى فإن الأول اسم منه والثانى أفعل تفضيل بدليل قوله بعده وأضل سبيلا ولهذا قرأ أبو عمرو الأول بالإمالة لأنه اسم والثانى بالتصحيح ليفرق بين ما هو اسم وما هو أفعل منه بالإمالة وتركها فإن قلت فقد قال النحويون أفعل التفضيل لا يأتى من الخلق فلا يقال زيد أعمى من عمرو لأنه لا يتفاوت

قلت إنما جاز فى الآية لأنه من عمى القلب أي من كان فى هذه الدنيا

أعمى القلب عما يرى من القدرة الإلهية ولا يؤمن به فهو عما يغيب عنه من أمر الآخرة أعمى أن يؤمن به أي أشد عمى ولا شك أن عمى البصيرة متفاوت

ومنه قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة قال البيهقي فى شعب الإيمان الأشبه أن المراد بالصبر ها هنا الصبر على الشدائد لأنه أتبع مدح الصابرين بقوله ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء إلى قوله وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة

الثانى أن يكون بيانه منفصلا عنه فى السورة معه أو فى غيره كقوله تعالى مالك يوم الدين وبيانه فى سورة الإنفطار بقوله وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله

وقوله فى سورتى النمل واقصص من جاء بالحسنة فله خير منها ولم يبين فى ليل ولا نهار وبينه فى سورة الدخان بقوله في ليلة مباركة ثم بينها فى ليلة القدر بقول إنا أنزلناه في ليلة القدر فالمباركة فى الزمان هى ليلة القدر فى هذه السورة لأن الإنزال واحد وبذلك يرد على من زعم أن المباركة ليلة النصف من شعبان وعجب كيف غفل عن ذلك

وقد استنبط بعضهم هنا بيانا آخر وهو أنها ليلة سبعة عشر من قوله تعالى وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان

وذلك ليلة سبع عشرة من رمضان وفى ذلك كلام

وقوله تعالى أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين فسره فى آية الفتح أشداء على الكفار رحماء بينهم

وقوله تعالى يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير وهدوا إلى الطيب من القول وقد فسره فى سورة فاطر وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور

وقوله وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا بين ذلك بقوله فى النحل وإذا بشر أحدهم بالأنثى

وذكر الله الطلاق مجملا وفسره فى سورة الطلاق

وقال تعالى إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فاستثنى الأزواج وملك اليمين ثم حظر تعالى الجمع بين الأختين وبين الأم والإبنة والرابة بالآية الأخرى

ومنه قوله تعالى إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار فإن ظاهره مشكل لأن الله سبحانه قد هدى كفارا كثيرا وماتوا مسلمين وإنما المراد لا يهدي من كان فى علمه أنه قد حقت عليه كلمة العذاب وبيانه بقوله تعالى فى السورة أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار

وقوله فى سورة أخرى إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم

ومنه قوله تعالى أجيب دعوة الداع إذا دعان وكثير من الناس يدعون فلا يستجاب لهم وبيانه بقوله تعالى بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء فبين أن الإجابة متعلقة بالمشيئة على أن النبى صلى الله عليه وسلم قد فسر الإجابة بقوله مامن مسلم دعا الله بدعوة ليس فيها قطيعة رحم ولاإثم إلا أعطاه الله إحدى ثلاث خصال إما أن يعجل دعوته وإما أن يدخرها له فى الآخرة وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها

ومنه قوله تعالى ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وكثير من الناس يريد ذلك فلا يحصل له وبيانه فى قوله من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد فهو كالذى قبله متعلق بالمشيئة

ومنه قوله تعالى الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله وقال فى آية أخرى إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم فإنه قد يستشكل اجتماعهما لأن الوجل خلاف الطمأنينة وهذا غفلة عن المراد لأن الاطمئنان إنما يكون عن ثلج القلب وشرح الصدر بمعرفة التوحيد والعلم وما يتبع ذلك من الدرجة الرفيعة والثواب الجزيل والوجل إنما يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى

وما يستحق به الوعيد بتوجيل القلوب كذلك وقد اجتمعا فى قوله تعالى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء لأن هؤلاء قد سكنت نفوسهم إلى معتقدهم ووثقوا به فانتفى عنهم الشك والارتياب الذي يعرض إن كان كلامهم فيمن أظهر الإسلام تعوذا فجعل لهم حكمة دون العلم الموجب لثلج الصدور وانتفاء الشك ونظائره كثيرة

ومنه قوله تعالى فى قصة لوط فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون فلم يستثن امرأته فى هذا الموضع وهي مستثناة فى المعنى بقوله فى الآية الأخرى فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فأظهر الاستثناء فى هذه الآية

وكقوله الحر بالحر والعبد بالعبد الآية فإنها نزلت تفسيرا وبيانا لمجمل قوله وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس لأن هذه لما نزلت لم يفهم مرادها

وقوله حرمت عليكم هي تفسير لقوله ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء الآية

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر