الجزء ١ — ص ٥٢–٦١
ولا يخفى انقطاع الذين يحملون العرش عن قوله أنهم أصحاب النار
وكذا فلا يحزنك قولهم عن قوله سبحانه إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون
وكذلك قوله فأصبح من النادمين عن قوله من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس
النوع الثالث
معرفة الفواصل ورءوس الآى
وهى كلمة آخر الآية كقافية الشعر وقرينة السجع
وقال الدانى كلمة آخر الجملة
قال الجعبرى وهو خلاف المصطلح ولا دليل له فى تمثيل سيبويه يوم يأت و ما كنا نبغ وليسا رأس أى لأن مراده الفواصل اللغوية لا الصناعية ويلزم أبا عمرو إمالة من أعطى لأبى عمرو
وقال القاضى أبو بكر الفواصل حروف متشاكلة فى المقاطع يقع بها إفهام المعانى انتهى
وفرق الإمام أبو عمرو الدانى بين الفواصل ورءوس الآى قال أما الفاصلة فهى الكلام المنفصل مما بعده والكلام المنفصل قد يكون رأس آية وغير رأس وكذلك
الفواصل يكن رءوس أى وغيرها وكل رأس أية فاصلة وليس كل فاصلة رأس أية فالفاصلة تعم النوعين وتجمع الضربين ولأجل كون معنى الفاصلة هذا ذكر سيبويه فى تمثيل القوافى يوم يأت و ما كنا نبغ وهما غيره رأس آيتين بإجماع مع إذا يسر وهو رأس آية بإتفاق انتهى
وتقع الفاصلة عند الاستراحة فى الخطاب لتحسين الكلام بها وهى الطريقة التى يباين القرآن بها سائر الكلام وتسمى فواصل لأنه ينفصل عندها الكلامان وذلك أن آخر الآية فصل بينها وبين ما بعدها ولم يسموها أسجاعا
فأما مناسبة فواصل فلقوله تعالى كتاب فصلت آياته وأما تجنب أسجاع فلأن أصله من سجع الطير فشرف القرآن الكريم أن يستعار لشىء فيه لفظ هو أصل فى صوت الطائر ولأجل تشريفه عن مشاركة غيره من الكلام الحادث فى اسم السجع الواقع فى كلام آحاد الناس ولأن القرآن من صفات الله عز وجل فلا يجوز وصفه بصفة لم يرد الإذن بها وإن صح المعنى ثم فرقوا بينهما فقالوا السجع هو الذي يقصد فى نفسه ثم يحيل المعنى عليه والفواصل التى تتبع المعانى ولا تكون مقصودة فى نفسها
قال الرمانى فى كتاب إعجاز القرآن وبنى عليه أن الفواصل بلاغة والسجع عيب وتبعه القاضى أبو بكر الباقلانى فى كتاب إعجاز القرآن ونقل عن الأشعرية امتناع كون فى القرآن سجعا قال ونص عليه الشيخ أبو الحسن الأشعري فى غير موضع من كتبه
قال وذهب كثير من مخالفيهم إلى إثبات السجع فى القرآن وزعموا أن ذلك مما تبين فيه فضل الكلام وأنه من الأجناس التى يقع بها التفاضل فى البيان والفصاحة كالتجنيس والالتفاف ونحوها قال وأقوى ما استدلوا به الاتفاق على أن موسى أفضل من هارون عليهما السلام ولما كان السجع قيل فى موضع هارون وموسى ولما كانت الفواصل فى موضع آخر بالواو والنون قيل موسى وهارون
قالوا وهذا يفارق أمر الشعر لأنه لا يجوز أن يقع فى الخطاب إلا مقصودا إليه وإذا وقع غير مقصود إليه كان دون القدر الذى نسميه شعرا وذلك القدر يتفق وجوده من المفحم كما يتفق وجوده فى الشعر وأما ما جاء فى القرآن من السجع فهو كثير لا يصح أن يتفق كله غير مقصود إليه
قال وبنوا الأمر فى ذلك على تحديد معنى السجع قال أهل اللغة هو موالاة الكلام على وزن واحد قل ابن دريد سجعت الحمامة رددت صوتها
قال القاضى وهذا الذى يزعمونه غير صحيح ولو كان القرآن سجعا لكان غير خارج عن أساليب كلامهم ولو كان داخلا فيها لم يقع بذلك إعجاز ولو جاز أن يقال هو سجع معجز لجاز لهم أن يقولوا شعر معجز وكيف والسجع مما كانت
كهان العرب تألفه ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفى الشعر لأن الكهانة تخالف النبوات بخلاف الشعر
وما توهموا أنه سجع باطل لأن مجيئه على صورته لا يقتضى كونه هو لأن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذى يؤدى السجع وليس كذلك ما أتفق مما هو فى معنى السجع من القرآن لأن اللفظ وقع فيه تابعا للمعنى وفرق بين أن ينتظم الكلام فى نفسه بألفاظه التى تؤدى المعنى المقصود فيه وبين أن يكون المعنى منتظما دون اللفظ ومتى ارتبط المعنى بالسجع كان إفادة السجع كإفادة غيره ومتى انتظم المعنى بنفسه دون السجع كان مستجلبا لتحسين الكلام دون تصحيح المعنى قال و أما ما ذكروه فى تقديم موسى على هارون فى موضع وتأخيره عنه فى موضع لأجل السجع ولتساوى مقاطع الكلام فمردود بل الفائدة فيه إعادة القصة الوحداة بألفاظ مختلفة تؤدى معنى واحدا وذلك من الأمر الصعب الذى تظهر فيه الفصاحة وتقوى البلاغة ولهذا أعيدت كثير من القصص فى مواضع كثيرة مختلفة على ترتيبات متفاوتة تنبيها بذلك على عجزهم عن الإتيان بمثله مبتدأ به ومكررا
ولو أمكنهم المعارضة لقصدوا تلك القصة وعبروا عنها بألفاظ لهم تؤدى إلى تلك المعانى ونحوها وجعلوها بإزاء ما جاء به وتوصلوا بذلك إلى تكذيبه وإلى مساواته فيما حكى وجاء به وكيف وقد قال لهم فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين فعلى هذا هذا يكون المقصد بتقديم بعض الكلمات على بعض وتأخيرها إظهار الإعجاز على الطريقين جميعا دون السجع الذى توهموه
إلى أن قال فبان بما قلنا أن الحروف الواقعة فى الفواصل مناسبة موقع النظائر التى تقع فى الأسجاع لا يخرجها عن حدها ولا يدخلها فى باب السجع وقد بينا أنهم يذمون كل سجع خرج عن اعتدال الأجزاء فكان بعض مصاريعه كلمتين وبعضها يبلغ كلمات ولا يرون ذلك فصاحة بل يرونه عجزا فلو فهموا اشتمال القرآن على السجع لقالوا نحن نعارضه بسجع معتدل فنزيد فى الفصاحة على طريق القرآن ونتجاوز حده فى البراعة والحسن انتهى ما ذكره القاضى والرمانى
رد عليهما الخفاجى فى كتاب سر الفصاحة فقال وأما قول الرمانى إن السجع عيب والفواصل على الإطلاق بلاغة فغلط فإنه إن أراد بالسجع ما يتبع المعنى وكأنه غير مقصود فذلك بلاغة والفواصل مثله وإن أراد به ما تقع المعانى تابعة له وهو مقصود متكلف فذلك عيب والفواصل مثله
قال وأظن أن الذى دعاهم إلى تسمية كل ما فى القرآن فواصل ولم يسموا ما تماثلت حروفه سجعا رغبتهم فى تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام المروى عن الكهنة وغيرهم وهذا غرض فى التسمية قريب والحقيقة ما قلناه
ثم قال والتحرير أن الأسجاع حروف متماثلة فى مقاطع الفواصل
فإن قيل إذا كان عندكم أن السجع محمود فهلا ورد القرآن كله مسجوعا وما الوجه فى ورود بعضه مسجوعا وبعضه غير مسجوع قلنا إن القرآن نزل بلغة العرب وعلى عرفهم وعادتهم وكان الفصيح منهم لا يكون كلامه كله مسجوعا لما فيه من أمارات التكلف والاستكراه والتصنع لا سيما فيما يطول من الكلام فلم يرد كله مسجوعا جريا منه على عرفهم فى اللطيفة العالية من كلامهم ولم يخل من السجع لأنه يحسن فى بعض الكلام على الصفة السابقة وعليها ورد فى فصيح كلامهم فلم يجز أن يكون عاليا فى الفصاحة وقد أدخل فيه بشرط من شروطها فهذا هو السبب فى ورود بعضه كذلك وبعضه بخلافه
وخصت فواصل الشعر باسم القوافى لأن الشاعر يقفوها أى يتبعها فى شعره لا يخرج عنها وهى فى الحقيقة فاصلة لأنها تفصل آخر الكلام فالقافية أخص فى الاصطلاح إذ كل قافية فاصلة ولا عكس
ويمتنع استعمال القافية فى كلام الله تعالى لأن الشرع لما سلب عنه اسم الشعر وجب
سلب القافية أيضا عنه لأنها منه وخاصة به فى الاصطلاح وكما يمتنع استعمال القافية فى القرآن لا تطلق الفاصالة فى الشعر لأنها صفة لكتاب الله فلا تتعداه
قيل وقد يقع فى القرآن الإيطاء وهو ليس بقبيح فيه إنما يقبح فى الشعر كقوله تعالى فى سورة البقرة كأنهم لا يعلمون ثم قال فى آخرين لو كانوا يعلمون ثلاث فواصل متوالية يعلمون يعلمون يعلمون فهذا لا يقبح فى القرآن قولا واحدا
قيل ويقع فيه التضمين وليس بقبيح إنما يقبح فى الشعر ومنه سورتا الفيل وقريش فإن اللام فى لإيلاف قريش قيل إنها متعلقة فجعلهم فى آخر الفيل
وحكى حازم فى منهاج البلغاء خلافا غريبا فقال وللناس فى الكلام المنثور من جهة تقطيعه إلى مقادير تتقارب فى الكمية وتتناسب مقاطعها على ضرب منها أو بالنقلة من ضرب واقع فى ضربين أو أكثر إلى ضرب آخر مزدوج فى كل ضرب
ضرب منها أو يزيد على الازدواج ومن جهة ما يكون غير مقطع إلى مقادير بقصد تناسب أطرافها وتقارب ما بينها فى كمية الألفاظ والحروف ثلاثة مذاهب
منهم من يكره تقطيع الكلام إلى مقادير متناسبة الأطراف غير متقاربة فى الطول والقصر لما فيه من التكلف إلا ما يقع به الإلمام فى النادر من الكلام
والثانى أن التناسب الواقع بإفراغ الكلام فى قوالب التقفيه وتحليتها بمناسبات المقاطع أكيد جدا
والثالث وهو الوسط أن السجع لما كان زينة للكلام فقد يدعو إلى التكلف فرئى ألا يستعمل فى الكلام وأن لا يخلى الكلام بالجملة منه أيضا ولكن يقبل من الخاطر فيه ما اجتلبه عفوا بخلاف التكلف وهذا رأى أبى الفرج قدامة
قال حازم وكيف يعاب السجع على الإطلاق وإنما نزل القرآن على أساليب الفصيح من كلام العرب فوردت الفواصل فيه بإزاء ورود الأسجاع فى كلام العرب وإنما لم يجيء على أسلوب واحد لأنه لا يحسن فى الكلام جميعا أن يكون مستمرا على نمط واحد لما فيه من التكلف ولما فى الطبع من الملل عليه ولأن الافتنان فى ضروب الفصاحة أعلى من الاستمرار على ضرب واحد فلهذا وردت بعض أى القرآن متماثلة المقاطع وبعضها غير متماثل
إيقاع المناسبة فى مقاطع الفواصل
واعلم أن إيقاع المناسبة فى مقاطع الفواصل حيث تطرد متأكد جدا ومؤثر فى اعتدال نسق الكلام وحسن موقعه من النفس تأثيرا عظيما ولذلك خرج عن نظم الكلام لأجلها فى مواضع
أحدها زيادة حرف لأجلها ولهذا ألحقت الألف ب الظنون فى قوله تعالى وتظنون بالله الظنونا لأن مقاطع فواصل هذه السورة ألفات منقلبة عن تنوين فى الوقف فزيد على النون ألف لتساوى المقاطع وتناسب نهايات الفواصل ومثله فأضلونا السبيلا وأطعنا الرسولا
وأنكر بعض المغاربة ذلك وقال لم تزد الألف لتناسب رءوس الآى كما قال قوم لأن فى سورة الأحزاب والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وفيها فأضلونا السبيلا وكل واحد منها رأس آية وثبتت الألف بالنسبة إلى حالة أخرى غير تلك فى الثانى دون الأول فلو كان لتناسب رءوس الآى لثبت من الجميع
قال وإنما زيدت الألف فى مثل ذلك لبيان القسمين واستواء الظاهر والباطن بالنسبة إلى حالة أخرى غير تلك وكذلك لحاق هاء السكت فى قوله ما هيه فى سورة القارعة هذه الهاء عدلت مقاطع الفواصل فى هذه السورة وكان للحاقها فى هذا الموضع تأثير عظيم فى الفصاحة
وعلى هذا والله أعلم ينبغى أن يحمل لحاق النون فى المواضع التى قد تكلم فى لحاق النون إياها نحو قوله تعالى وكل في فلك يسبحون وقوله تعالى كونوا قردة خاسئين فإن من مآخذ الفصاحة ومذاهبها أن يكون ورود هذه النون فى مقاطع هذه الأنحاء للآى راجح الأصالة في الفصاحة لتكون فواصل السور الوارد فيها ذلك قد استوثق فيما قبل حروفها المتطرفة وقوع حرفى المد واللين
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر