علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٦٨ من ١٩٤

الجزء ٢ — ص ١٧٢–١٨١

وكأن السبب في اصطلاح بعضهم على التفرقة بين التفسير والتأويل التمييز بين المنقول والمستنبط ليحمل على الاعتماد في المنقول وعلى النظر في المستنبط تجويزا له وازديادا وهذا من الفورع في الدين & تنخيل لما سبق

واعلم ان القرآن قسمان احدهما ورد تفسيره بالنقل عمن يعتبر تفسيره وقسم لم يرد والاول ثلاثة انواع اما ان يرد التفسير عن النبي صلى الله عيه وسلم أو عن الصحابة أو عن رءوس التابعين فالاول يبحث في عن صحة السند والثاني ينظر في تفسير الصحابي فإن فسره من حيث اللغة فهم اهل اللسان فلا شك في اعتمادهم وإن فسره بما شاهده من الأسباب والقرائن فلا شك فيه وحينئذ ان تعارضت اقوال جماعة من الصحابة فإن امكن الجمع فذاك وإن تعذر قدم ابن عباس لأن النبي صلى الله عليه وسلم بشره بذلك حيث قال اللهم علمه التاويل وقد رجح الشافعي قول زيد في الفرائض لقوله صلى الله عليه وسلم افرضكم زيد فإن تعذر الجمع جاز للمقلد ان ياخذ بأيها شاء وأما الثالث وهم رءوس التابعين اذا لم يرفعوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا إلى أحد من الصحابة رضي الله عنهم فحيث جاز التقليد فيما سبق فكذا هنا وإلا وجب الاجتهاد

الثاني ما لم يرد فيه نقل عن المفسرين وهو قليل وطريق التوصل إلى فهمه النظر إلى مفردات الألفاظ من لغة العرب ومدلولاتها واستعمالها بحسب السياق وهذا يعتني به الراغب كثيرا في كتاب المفردات فيذكر قيدا زائدا على اهل اللغة في تفسير مدلول اللفظ لأنه اقتصه من السياق

& فصل فيما يجب على المفسر البداءة به

الذي يجب على المفسر البداءة به العلوم اللفظية وأول ما يجب البداءة به منها تحقيق الألفاظ المفردة فتحصيل معاني المفردات من الفاظ القرآن من اوائل المعادن لمن يريد ان يدرك معانيه وهو كتحصيل اللبن من اوائل المعادن في بناء ما يريد ان يبنيه

قالوا وليس ذلك في علم القرآن فقط بل هو نافع في كل علم من علوم الشرع وغيره وهو كما قالوا ان المركب لايعلم الا بعد العلم بمفرداته لأن الجزء سابق على الكل في الوجود من الذهي والخارجي فنقول النظر في التفسير هو بحسب افراد الألفاظ وتراكيبها

وأما بحسب الأفراد فمن وجوه ثلاثة

من جهة المعاني التي وضعت الألفاظ المفردة بإزائها وهو يتعلق بعلم اللغة

ومن جهة الهيئات والصيغ الواردة على المفردات الدالة على المعاني المختلفة وهو من علم التصريف

ومن جهة رد الفروع المأخوذة من الاصول اليها وهو من علم الإشتقاق

وأما بحسب التركيب فمن وجوه اربعة

الأول باعتبار كيفية التراكيب بحسب الإعراب ومقابله من حيث انها مؤدية اصل المعنى وهو ما دل عليه المركب بحسب الوضع وذلك متعلق بعلم النحو

الثاني باعتبار كيفية التركيب من جهة افادته معنى المعنى اعني لازم اصل المعنى الذي يختلف باختلاف مقتضى الحال في تراكيب البلغاء وهو الذي يتكلف بإبراز محاسنة علم المعاني

الثالث باعتبار طرق تأدية المقصود بحسب وضوح الدلالة وحقائقها ومراتبها وباعتبار الحقيقة والمجاز والاستعارة والكناية والتشبيه وهو ما يتعلق بعلم البيان

والرابع باعتبار الفصاحة اللفظية والمعنوية والاستحسان ومقابلة وهو يتعلق بعلم البديع & مسألة في ان الإعجاز يكون في اللفظ والمعنى والملائمة

وقد سبق لنا في باب الإعجاز ان اعجاز القرآن لاشتماله على تفرد الألفاظ التي يتركب منها الكلام مع ما تضمنه من المعاني مع ملائمته التي هي نظوم تأليفه

فأما الأول وهو معرفة الألفاظ فهو امر نقلي يؤخذ عن ارباب التفسير ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ قوله تعالى وفاكهة وأبا فلا يعرفه فيراجع نفسه ويقول ما الأب ويقول ان هذا منك تكلف وكان ابن عباس

وهو ترجمان القرآن يقول لا اعرف حنانا ولا غسلين ولا والرقيم

وأما المعاني التي تحتملها الألفاظ فالأمر في معاناتها اشد لأنها نتائج العقول

وأما رسوم النظم فالحاجة إلى الثقافة والحذق فيها اكثر لأنها لجام الآلفاظ وزمام المعاني وبه يتصل اجزاء الكلام ويتسم بعضه ببعض فتقوم له صورة في النفس يتشكل بها البيان فليس المفرد بذرب اللسان وطلاقته كافيا لهذا الشأن ولا كل من اوتي خطاب بديهة ناهضة بحمله مالم يجمع اليها سائر الشروط & مسأله في ان احسن طرق التفسير أن يفسر القرآن بالقرآن

قيل احسن طريق التفسير ان يفسر القرآن بالقرآن فما اجمل في مكان فقد فصل في موضع آخر وما اختصر في مكان فإنه قد بسط في آخر فإن اعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحه له قال تعالى وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون

ولهذا قال صلى الله عليه وسلم الا اني اوتيت القرآن ومثله معه يعني السنة فإن لم يوجد في السنة يرجع إلى اقوال الصحابة فإنهم ادرى بذلك لما شاهدوه من القرائن ولما اعطاهم الله من الفهم العجيب فإن لم يوجد ذلك يرجع إلى النظر والاستباط بالشرط السابق & مسألة فيما يحب على المفسر من التحوط في التفسير

ويجب ان يتحرى في التفسير مطابقة المفسر وأن يتحرز في ذلك من نقص المفسر عما يحتاج اليه من ايضاح المعنى المفسر أو ان يكون في ذلك المعنى زيادة لا تليق بالغرض أو ان يكون في المفسر زيغ عن المعنى المفسر وعدول عن طريقه حتى يكون غير مناسب له ولو من بعض انحائه بل يجتهد في ان يكون وفقه من جميع الأنحاء وعليه بمراعاة الوضع الحقيقي والمجازي ومراعاة التأليف وأن بواقي بين المفردات وتلميح الوقائع فعند ذلك تتفجر له ينابيع الفوائد

ومن شواهد الإعراب قوله تعالى فتلقى آدم من ربه كلمات ولولا الإعراب لما عرف الفاعل من الفعول به

ومن شواهد النظم قوله تعالى واللائي لم يحضن فإنها منتظمة مع ماقبلها منقطعة عما بعدها

وقد يظهر الارتباط وقد يشكل امره فمن الظاهر قوله تعالى هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده ووجه ظهورة انه لايستقيم ان يكون السؤال والجواب من واحد فتعين ان يكون قوله قل الله جواب سؤال كأنهم لما سألوا سمعوا ما قبله من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من يبدأ الخلق ثم يعيده اجابهم بقوله قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فترك ذكر السؤال

ونظيره قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق & مسألة في النهي عن ذكر لفظ الحكاية عن الله تعالى ووجوب تجنب اطلاق الزائد على بعض الحروف الواردة في القرآن

وكثيرا ما يقع في كتب التفسير حكى الله تعالى وينبغي تحنبه

قال الإمام أبو نصر القشيري في كتابه المرشد قال معظم ائمتنا لايقال كلام الله يحكى ولا يقال حكى الله لأن الحكاية الإتيان بمثل الشئ وليس لكلامه مثل وتساهل قوم فأطلقوا لفظ الحكاية بمعنى الإخبار وكثيرا ما يقع في كلامهم اطلاق

الزائد على بعض الحروف كما في نحو فبما رحمة من الله والكاف في نحو ليس كمثله شيء ونحوه

والذي عليه المحققون تجنب هذا اللفظ في القرآن اذ الزائد ما لا معنى له وكلام الله منزه عن ذلك

وممن نص على منع ذلك في المتقدمين الإمام داود الظاهري فذكر أبو عبد الله أحمد بن يحيى بن سعيد الداودي في الكتاب المرشد له في اصول الفقه على مذهب داود الظاهري وروى بعض اصحابنا عن أبي سليمان انه كان يقول ليس في القرآن صلة بوجه وذكر أبو محمد بن داود وغيره من اصحابنا مثل ذلك والذي عليه اكثر النحويين خلاف هذا ثم حكى عن أبي داود مثله يزعم الصلة فيها كقوله تعالى مثلا ما بعوضة وقال ان ما ها هنا للتعليل مثل احبب حبيبك هونا ما & فصل في تقسم التأويل إلى منقاد ومستكره

التأويل ينقسم إلى منقاد ومستكره فالأول ما لا تعرض فيه بشاعة أو استقباح وقد يقع فيه الخلاف بين الأئمة اما الإشتراك في اللفظ نحو لا تدركه الأبصار هل هو من بصر العين أو القلب

وأما لأمر راجع إلى النظم كقوله تعالى إلا الذين تابوا هل هذا الاستثاء مقصور على المعطوف وجده أو عائد إلى الجميع

وأما لغموض المعنى ووجازة النظم كقوله تعالى وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم

وإما لغير ذلك

وأما المستكره فما يستبشع اذا عرض على الحجة وذلك على اربعة اوجه الأول ان يكون لفظا عاما فيختص ببعض ما يدخل تحته كقوله وصالح المؤمنين فحمله بعضهم على علي رضي الله عنه فقط

والثاني ان يلفق بين اثنين كقول من زعم تكليف الحيوانات في قوله وإن من أمة إلا خلا فيها نذير مع قوله تعالى وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم انهم مكلفون كما نحن

والثالث ما استعير فيه كقوله تعالى يوم يكشف عن ساق في حمله على حقيقته

الرابع ما اشعر باشتقاق بعيد كما قال بعض الباطنية في البقرة انه انسان يبقر عن اسرار العلوم وفي الهدهد انه انسان موصوف بجودة البحث والتنقيب

والأول اكثر ما يروج على المتفقه الذي لم يتبحروا في معرفة الأصول والثاني على المتكلم القاصر في معرفة شرائط النظم والثالث على صاحب الحديث الذي لم يتهذب في شرائط قبول الأخبار والرابع على الأديب الذي لم يتهذب بشرائط الاستعارات والاشتقاقات

فائده & فيما نقل عن ابن عباس فى تفسير بعض الآيات

روى عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى أو خلقا مما يكبر في صدوركم فقال الموت

قال السهيلى وهو تفسير يحتاج لتفسير

ورأيت لبعض المتأخرين أن مراد ابن عباس أن الموت سيفنى كما يفنى كل شئ كما جاء أنه يذبح على الصراط فكأن المعنى لو كنتم حجارة أو حديدا لبادر إليكم الموت ولو كنتم الموت الذى يكبر فى صدوركم فلا بد لكم من الموت والله أعلم بتأويل ذلك

قال وبقى فى نفسى من تأويل هذه الآية شئ حتى يكمل الله نعمته فى فهمها & فصل أصل الوقوف على معانى القرآن التدبر )

أصل الوقوف على معاني القرآن التدبر والتفكر واعلم أنه لا يحصل للناظر فهم معانى الوحى حقيقة ولا يظهر له أسرار العلم من غيب المعرفة وفى قلبه بدعة أو إصرار على ذنب أو فى قلبه كبر أو هوى أو حب الدنيا أو يكون غير متحقق الإيمان

او ضعيف التحقيق أو معتمدا على قول مفسر ليس عنده إلا علم بظاهر أو يكون راجعا إلى معقوله وهذه كلها حجب وموانع وبعضها آكد من بعض إذا كان العبد مصغيا إلى كلام ربه ملقي السمع وهو شهيد القلب لمعاني صفات مخاطبه ناظرا إلى قدرته تاركا للمعهود من علمه ومعقوله متبرئا من حوله وقوته معظما للمتكلم مفتقرا إلى التفهم بحال مستقيم وقلب سليم وقوة علم وتمكن سمع لفهم الخطاب وشهادة غيب الجواب بدعاء وتضرع وابتئاس وتمسكن وانتظار للفتح عليه من عند الفتاح العليم وليستعن على ذلك بأن تكون تلاوته على معانى الكلام وشهادة وصف المتكلم من الوعد بالتشويق والوعيد بالتخيف والإنذار بالتشديد فهذا القارئ أحسن الناس صوتا بالقرآن وفى مثل هذا قال تعالى الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به

وهذا هو الراسخ فى العلم جعلنا الله من هذا الصنف والله يقول الحق وهو يهدي السبيل & فصل فى القرآن علم الأولين والآخرين

وفى القرآن علم الأولين والآخرين وما من شئ إلا ويمكن استخراجه منه لمن فهمه الله تعالى حتى إن بعضهم استنبط عمر النبى صالى الله عليه وسلم ثلاثا وستين من قوله تعالى فى سورة المنافقين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها فإنها رأس ثلاث

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر