الجزء ٢ — ص ١٤٢–١٥١
زهرة الدنيا وزينتها فى قوله تعالى كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى وقوله إنما الحياة الدنيا لعب
ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين فى مفهوم قوله تعالى كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون إلى أن الصوم ينتهى نفعه إلى اكتساب التقوى ولذلك قال صلى الله عليه وسلم الصيام جنة ولا يكون ذلك إلا بضعف حزب الشيطان فتغلق عنه أبواب المعاصي وهى أبواب جهنم وتفتح له أبواب الطاعة والقربات وهي أبواب الجنات
وقوله صلى الله عليه وسلم تسحروا فإن فى السحور بركة من آثار قوله تعالى وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ومن بركته حضوره الذى هو وصف نزوله جل وعلا إلى سماء الدنيا كل ليلة فكأنه صلى الله عليه وسلم يبتغى البركة فى موضع خطاب ربه وفي موضع حضوره أو ذكره أو اسم من أسمائه ومن هنا وقع التعبد باسم المبارك واسم القدوس
وقوله صلى الله عليه وسلم إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا فقد أفطر الصائم في قوله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل وقوله حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر والبركة فى اتباع مجارى خطابه وإن كان الخطاب حكمه حكم إباحة كما أن البركة فى اتباع السنة والاقتداء ولهذا كان أكثر الصحارة لا يصلون المغرب غلا على فطر وكانوا يؤخرون السحور إلى
بزوغ الفجر ابتغاء البركة فى ذلك والخير الموعود به وقوله صلى الله عليه وسلم إنى أبيت عند ربي يطعمني ويسقين فى معنى قوله حكاية عن خليله والذي هو يطعمني ويسقين والمعنى بما يفتح الله لخاصته من خلقه الذين لا يطعمون إنما غذاؤهم التسبيح والتهليل والتحميد
وقوله صلى الله عليه وسلم فى حديث الصعب بن جثامة إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم فى مفهوم قوله تعالى لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم والآكل راض والراضي شريك
وقوله صلى الله عليه وسلم فى حديث حنظلة لو أنكم تدومون على ما كنتم عندى لصافحتكم الملائكة ولكن ساعة وساعة فى قوله وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه وقوله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون فذكر تعالى اللجأ إليه عندما يلحق الإنسان الضر وهو ذكر صورى فلو كان الذكر بينهم على الدوام لم تفارقهم الملائكة السياحون الملازمون حلق الذكر كما قال تعالى عنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولو قربوا من الملأئكة هذا القرب لبدت لهم عيانا ولأكرمهم الله منه بحسن الصحبة وجميل الألفة وقوله صلى الله عليه وسلم يبعث كل عبد على ما مات عليه فى قوله تعالى
سواء محياهم ومماتهم
وقوله صلى الله عليه وسلم إذا اراد الله بقوم عذابا أصاب من كان منهم ثم يبعثون على أعماهم فى قوله تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة
وقوله صلى الله عليه وسلم من سن فى الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن فى الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة فى قوله تعالى من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها ومع قوله ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم وقوله وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم مع ما جاء من نباء ابنى آدم
وقوله صلى الله عليه وسلم فى جواب من سأله أي الصدقة أعظم قال أن تصدق وأنت صحيح شحيح ولا تمهل فلولا إذا بلغت الحلقوم والحديث فى قوله تعالى قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال
وقوله اليد العليا خير من اليد السفلى في قوله تعالى والله الغني وأنتم الفقراء وقد جاء أن اليد السفلى الآخذة والعليا هو المعطية وشاهده قوله تعالى من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا
وقوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى من يقرض غير عديم ولا
ظلوم ووجه ذلك أن العطية من أيدينا مفتقرة إلى من يضع فيها حقا وجب عليها ويطهرها بذلك من ذنوبها وأنجاسها ولولا اليد الآخذة ما قدر صاحب المال على صدقة
وقوله صلى الله عليه وسلم من يرد الله به خيرا يفقهه فى قوله تعالى وإلهكم إله واحد إلى قوله لآيات لقوم يعقلون وقوله انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون وقوله تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ووصف من لم يفهم عن المخلوقات بقوله لا تفقهون تسبيحهم ثم أعلم سبحانه سعة مغفرته لمن فى الأرض الذين لا يسبحونه ولا يفقهون تسبيح المسبحين من خلقه ثم أعلم بالعلة التى لأجلها حرموا الفقه عن ربهم وأن ذلك هو ختم عقوبة الإعراض بقوله وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه اللآية
وبالجملة فالقرآن كله لم ينزله تعالى إلا ليفهمه ويعلم ويفهم ولذلك خاطب به أولي الألباب الذين يعقلون والذين يعلمون والذين يفقهون والذين يتفكرون ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب
وكذلك ما خلق الله الدنيا إلى مثالا للآخرة فمن فقه عن ربه عز وجل مراده منها فقد أراح نفسه وأجم فكره من هذه الجملة
وفى هذا النوع من الفقه أفنى أولو الألباب أعمارهم وفى تعريفه أتعبوا قلوبهم وواصلوا أفكارهم
رزقنا الله من فضله العظيم نورا نمشي به فى الظلمات وفرقانا نفرق به بين المتشابهات
& النوع الحادى والأربعون معرفة تفسيره وبأويله ( معانى العبارات التى يعبر بها عن الأشياء )
وهو يتوقف على معرفة تفسيره وتأويله ومعناه
قال ابن فارس معاني العبارات التى يعتبر بها عن الأشياء ترجع إلى ثلاثة المعنى والتفسير والتأويل وهي وإن اختلفت فالمقاصد بها متقاربة
فأما المعنى فهو القصد والمراد يقال عنيت بهذا الكلام كذا أي قصدت وعمدت وهو مشتق من الإظهار يقال عنت القربة إذا لم تحفظ الماء بل أظهرته ومنه عنون الكتاب
وقيل مشتق من قولهم عنت الأرض بنبات حسن إذا انبتت نباتا حسنا قلت وحيث قال المفسرون قال أصحاب العانى فمرادهم مصنفو الكتب فى
معانى القرآن كالزجاج ومن قبله وغيرهم وفى بعض كلام الواحدي أكبر أهل المعانى الفراء والزجاج وابن الأنبارى قالوا كذا كذا ومعانى القرآن للزجاج لم يصنف مثله وحيث أطلق المتأخرون أهل المعاني فمرادهم بهم مصنفو العلم المشهور
وأما التفسير فى اللغة فهو راجع إلى معنى الإظهار والكشف وأصله فى اللغة من التفسرة وهي القليل من الماء الذى ينظر فيه الأطباء فكما أن الطبيب بالنظر فيه يكشف عن علة المريض فكذلك المفسر يكشف عن شأن الآية وقصصها ومعناها والسبب الذى أنزلت فيه وكأنه تسمية بالمصدر لأن مصدر فعل جاء أيضا على تفعلة نحو جرب تجربة وكرم تكرمة
وقال ابن الأنباري قول العرب فسرت الدابة وفسرتها إذا ركضتها محصورة لينطلق حصرها وهو يؤول إلى الكشف أيضا
فالتفسير كشف المغلق من المراد بلفظه وإطلاق للمحتبس عن الفهم به ويقال فسرت الشئ أفسره تفسيرا وفسرته أفسره فسرا والمزيد من الفعلين أكثر فى الاستعمال وبمصدر الثانى منها سمى أبو الفتح بن جنى كتبه الشارحه ( الفسر )
وقال آخرون هو مقلوب من سفر ومعناه أيضا الكشف يقال سفرت المرأة سفورا إذا ألقت خمارها عن وجهها وهي سافرة وأسفر الصبح أضاء وسافر فلان وإنما بنوه على التفعيل لأنه للتكثير كقوله تعالى يذبحون أبناءكم وغلقت الأبواب فكأنه يتبع سورة بعد سورة وآية بعد أخرى
وقال ابن عباس فى قوله تعالى وأحسن تفسيرا أي تفصيلا
وقال الراغب الفسر والسفر يتقارب معناهما كتقارب لفظيهما لكن جعل الفسر لإظهار المعنى المعقول ومنه قيل لما ينبئ عنه البول تفسرة وسمي بها قارورة الماء وجعل السفر لإبراز الأعيان للأبصار فقيل سفرت المرأة عن وجهها وأسفر الصبح
وفى الإصطلاح هو علم نزول الآية وسورتها وأقصيصها والإشارات النازلة فيها ثم ترتيب مكبها ومدنيها ومحكمها ومتشابهها وناسخها ومنسوخها وخاصها وعامتها ومطلقها ومقيدها ومجملها ومفسرها
وزاد فيها قوم فقالوا علم حلالها وحرامها ووعدها ووعيدها وأمرها ونهيها وقبرها وأمثالها وهذا الذى منع فيه القول بالرأى
وأما التأويل فأصله فى اللغة من الأول ومعنى قولهم ما تأويل هذا الكلام أي إلام تؤول العاقبة فى المراد به كما قال تعالى يوم يأتي تأويله أي تكشف عاقبته ويقال آل الأمر إلى كذا أى صار إليه وقال تعالى ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا
وأصله من المآل وهو العاقبة والمصير وقد أولته فآل أي صرفته فانصرف فكأن التأويل صرف الآية إلى ما تحتمله من المعاني
وإنما بنوه على التفعيل لما تقدم ذكره فى التفسيره
وقيل أصله من الإيالة وهى السياسة فكأن المؤول للكلام يسوى الكلام ويضع المعنى فيه موضعه & الفرق بين التفسير والتأويل
ثم قيل التفسير والتأويل واحد بحسب عرف الاستعمال والصحيح تغايرهما
واختلفوا فقيل التفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل ورد أحد الاحتمالين إلى ما يطابق الظاهر
قال الراغب التفسير أعم من التأول وأكثر استعماله فى الألفاظ وأكثر استعمال التأويل فى المعانى كتأويل الرؤيا وأكثره يستعمل فى الكتب الإلهية والتفسير يستعمل فى غيرها والتفسير أكثر ما يستعمل فى معانى مفردات الألفاظ
واعلم أن التفسير فى عرف العلماء كشف معانى القرآن وبيان المراد أعم من أن يكون بحسب اللفظ المشكل وغيره وبحسب المعنى الظاهر وغيره والتفسير أكثره فى الجمل
والتفسير إما أن يستعمل فى غريب الألفاظ كالبحيرة والسائبة والوصيلة أو فى وجيز مبين بشرح كقوله وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وإما فى كلام مضمن لقصة لا يمكن تصويره إلا بمعرفتها كقوله إنما النسيء زيادة في الكفر وقوله وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها وأما التأويل فإنه يستعمل مرة عاما ومرة خاصا نحو الكفر يستعمل تارة فى الجحود المطلق وتارة فى جحود
البارئ خاصة والإيمان المستعمل فى التصديق المطلق تارة وفى تصديق الحق تارة وإما فى لفظ مشترك بين معان مختلفة
وقيل التأويل كشف ما انغلق من المعنى ولهذا قال البجلى التفسير يتعلق بالرواية والتأويل يتعلق بالدراية وهما راجعان إلى التلاوة والنظم المعجز الدال على الكلام القديم القائم بذات الرب تعالى
قال أبو نصر القشيرى ويعتبر فى التفسير الاتباع والسماع وإنما الاستنباط فيما يتعلق بالتأويل وما لا يحتمل إلا معنى واحدا حمل عليه وما احتمل معنيين أو اكثر فإن وضع لأشياء متماثلة كالسواد حمل على الجنس عند الإطلاق وإن وضع لمعان مختلفة فإن ظهر أحد المعنيين حمل على الظاهر إلا أن يقوم الدليل وإن استويا سواء كان الاستعمال فيهما حقيقة أو مجازا أو فى أحدهما حقيقة وفى الآخر مجاز كلفظه المس فإن تنافى الجمع فمجمل يتوقف على البيان من غيره وإن تنافيا فقد قال قوم يحمل على المعنيين والوجه عندنا التوقف
وقال أبو القاسم بن جبيب النيسابورى والبغوى والكواشى وغيرهم التأويل صرف الآية إلى معنى موافق لما قبلها وما بعدها تحتمله الآية غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط
قالوا وهذا غير محظور على العلماء بالتفسير وقد رخص فيه أهل العلم وذلك مثل قوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة قيل هو الرجل يحمل فى الحرب على مائة رجل وقيل هو الذي يقنط من رحمة الله وقيل الذي يمسك عن النفقة وقيل هو الذى ينفق الخبيث من ماله وقيل الذى يتصدق بماله كله ثم يتكفف الناس ولكل منه مخرج ومعنى
ومثل قوله تعالى للمندوبين إلى الغزو عند قيام النفير انفروا خفافا وثقالا
قيل شيوخا وشبابا وقيل اغنياء وفقراء وقيل عزابا ومتأهلين وقيل نشاطا وغير نشاط وقيل مرضى وأصحاء وكلها سائغ جائز والآية محمولة عليها لان الشباب والعزاب والنشاط والأصحاء خفاف وضدهم ثقال
ومثل قوله تعالى ويمنعون الماعون قيل الزكاة المفروضة وقيل العارية أو الماء أو النار أو الكلأ أو الرفد أو المغرفة وكلها صحيح لأن مانع الكل آثم
وكقوله تعالى ومن الناس من يعبد الله على حرف فسره أبو عبيد أي لايدوم وقال ثعلب أي على شك وكلاهما قريب لأن المراد انه غير ثابت على دينة ولا تستقيم البصيرة فيه
وقيل في القرآن ثلاث آيات في كل منها مائة قول قوله فاذكروني أذكركم وإن عدتم عدنا و هل جزاء الإحسان إلا الإحسان
فهذا وأمثاله ليس محظورا على العلماء استخراجه بل معرفة واجبة ولهذا قال تعالى وابتغاء تأويله
ولولا ان له تأويلا سائغا في اللغة لم يبينه سبحانه والوقف على قوله والراسخون قال القاضي أبو المعالي انه قول الجمهور وهو مذهب ابن مسعود
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر