الجزء ٢ — ص ١٣٢–١٤١
نص الحديث الذي رواه ابن أبي شيبة فى مسنده الإسلام ظاهر والإيمان فى القلب موضعه من القرآن وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وقوله أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ونظائرها وأيدهم بروح منه قال بنيت هاتين الصفتين على الصفات العليا صفات الله تعالى ظهورها من الأسماء الحسنى اسم السلام واسم المؤمن
ومن ذلك حديث ضمام بن ثعلبة أفلح إن صدق فى قوله ما على المحسنين من سبيل
وقوله صلى الله عليه وسلم من قال لا إله إلا الله حرمه الله على النار فى قوله الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهو مفهوم من قوله إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون فأخبر أنهم دخلوا النار من أجل استكبارهم وإبائهم من قول لا إله إلا الله مفهوم هذا أنهم إذا قالوها مخلصين بها حرموا على النار
وقوله صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه فى قوله تعالى حديث ضيف إبراهيم المكرمين وقوله والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وهذه الأربع كلمات جمعن حسن الصحبة للخلق لأن من كف سره وأذاه وقال خيرا أو صمت عن الشر وأفضل على جاره وأكرم ضيفه فقد نجا من النار ودخل الجنة إذا كان مؤمنا وسبقت له الحسنى فإن
العاقبة مستورة والأمور بخواتيمها ولهذ قيل لا يغرنكم صفاء الأوقات فإن تحتها غوامض الآفات
وقوله رأس الكفر نحو المشرق فى قوله تعالى وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين فلما جن عليه الليل رأى الآية فأخبر أن الناظر فى ملكوت الله لا بد له من ضروب المتحان وأن الهداية يمنحها الله للناظر بعد التبرى منها والمعصوم من عصمه الله قال تعالى إني ذاهب إلى ربي سيهدين وقال فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وطلوع الكواكب نحو المشرق ومن هناك إقبالها وذلك أشرف لها وأكبر لشأنها عند المفتونين وغروبها إدبارها وطلوعها بين قرنى الشيطان من أجل ذلك ليزينها لهم قال تعالى وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم ولما كان فى مطلع النيرات من العبر بطلوعها من هناك وظهورها عظمت المحنة بهن ولما فى الغروب من عدم تلك العلة التى تتبين هناك قرن بتزيين العدو لها وإليه أشار صلى الله عليه وسلم بقوله وتغرب بين قرنى الشيطان ولأجل ما بين معنى الإقبال والإدبار كان باب التوبة مفتوحا من جهته إلى يوم تطلع الشمس منه ألا تسمع إلى قوله تعالى وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا أي وقعت عقولهم عليها وحجبت بها عن حالتها مع قوله لا تسجدوا للشمس ولا للقمر
وفى قوله عند طلوعها هذا ربي وعند غروبها لا أحب الآفلين لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ما يبين تصديق النبى صلى الله عليه وسلم فى قوله رأس الفتنة والكفر نحو المشرق وإن باب التوبة مفتوح من قبل المغرب
ومن ذلك بدء الوحى فى قوله سبحانه أتى أمر الله فلا تستعجلوه إلى قوله ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده
وقول خديجة والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وقوله تعالى ادع لنا ربك بما عهد عندك وقوله فلولا أنه كان من المسبحين وفى هذا بين صلى الله عليه وسلم أصحاب الغار الثلاثة إذ قال بعضهم لبعض ليدع كل واحد منكم بأفضل أعماله لعل الله تعالى أن يفرج عنا
وقول ورقة ياليتنى حي إذ يخرجك قومك إلخ وقوله تعالى لنخرجنك يا شعيب وقوله تعالى وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا
وكذلك قوله لم يأت أحد بما جئت به إلا عودى من قوله تعالى كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون ومن ذلك حديث المعراج مصداقه فى سورة الإسراء وفى صدر سورة النجم
وقوله صلى الله عليه وسلم رأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به من مفهوم قوله تعالى ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا
وبتصديق كلمة الله اتبعه كونا وملة وهكذا حاله حيث جاءت صدقا وعدلا فتطلب صدق كلماته بترداد تلاوتك لكتابه ونظرك في مصنوعاته فهذا هو قصد سبيل المتقين وأرفع مراتب الإيمان قال تعالى فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته وقال لزكريا أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا ولما كان عيسى عليه السلام من أسماء كلماته لم يأت يوم القيامة بذنب لطهارته وزكاته
وقوله صلى الله عليه وسلم إن الله لا ينام في قوله سنة ولا نوم
وقوله ولا ينبغي له أن ينام من قوله القيوم وفسره صلى الله عليه وسلم بقوله يخفض القسط ويرفعه ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل ومصداقه أيضا قوله تعالى قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء
ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس كفارات لما بينهن وقال الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما وزيادة ثلاثة أيام و رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما في قوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها فهذا رمضان بعشرة أشهر العام ويبقى شهران داخلان في كرم الله تعالى وحسن معاملته
قلت قد جاء في حديث آخر وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر مع قوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها انتهى
وقال في الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون وكذلك قال في الصوم وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون أشار إلى سر في الجمعة وفضل عظيم أراهما الزيارة والرؤية في الجنة فإنها تكون في يوم الجمعة وكذلك أشار في الصيام بقوله إن كنتم تعلمون إلى سر في الصيام وهو حسن عاقبته وجزيل عائدته فنبه صلى الله عليه وسلم بقوله لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك
وقوله وقد رأى أعقابهم تلوح لم يصبها الماء ويل للأعقاب من النار في مفهوم فاغسلوا في معنى قوله لتبين للناس ما نزل إليهم وغسل هو قدميه وعمهما غسلا
وقال فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم مع قوله ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين
وقوله إذا توضأ العبد المسلم فغسل وجهه وخرج من كل خطيئة نظر إليها بعينيه الحديث من قوله تعالى ولكن يريد ليطهركم أي من ذنوبكم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون أي ترقون في درجة الشكر فيتقبل أعمالكم القبول الأعلى
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم وكان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة فلهه الشكر والشكر درجات وإنما يتبين بأن يبقى من العمل بعد الكفارة فضل وهو النافلة وهو المسمى بالباقيات الصالحات لمن قلت ذنوبه وكثرت صالحاته فذلك الشكر ومن كثرت ذنوبه وقلت صالحاته فأكلتها الكفارات فذلك المرجو له دخول الجنة ومن زادت ذنوبه فلم تقم صالحاته بكفارة ذنوبه فذلك المخوف عليه إلا أن يشاء ربي شيئا
قوله صلى الله عليه وسلم ( أنتم الغر المحجلون يوم القيامة ) فى قوله تعالى يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم ( تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء ) وهذا كله داخل فى قوله تعالى وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون وجاءت لام كي ها هنا إشعارا ووعدا وبشارة لهم بنعم إخرى واردة عليهم من الشرائع لم تأت بعد ولذلك قال نوم الإكمال فى حجة الوداع ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى )
ومن ذلك حديث الأذان وكيفيته بقوله أشهد أن لا إله إلا الله من قوله شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم وتكرارها فى قوله لا إله إلا هو
وقوله أشهد أن محمدا رسول الله فى قوله تعالى محمد رسول الله
وما محمد إلا رسول مع قوله لكن الله يشهدبما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا وتكرار الشهادة للرسول في معنى قوله وكفى بالله شهيدا مع قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا والتنبيه أول الكثرة ولأنها عبارة شرعت للإعلام فتكرارها آكد فيما شرعت له
وأما إسراره بهما يعنى بالشهادتين فمن مفهوم قوله واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول وأما إجهاره مهما ففى قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة والنداء الإعلام ولا يكون إلا بنهاية الجهر
وقوله حي على الصلاة فى قوله وإذا ناديتم إلى الصلاة إذا نودي للصلاة
وقوله حي على الفلاح فى قوله اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون
وقوله الصلاة خير من النوم قى قوله وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين وقوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون
وقوله الله أكبر الله أكبر من قوله ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون
وقوله لا إله إلا الله كررها وختم بها في قوله واذكروه كما هداكم وأفضل الذكر لا إله إلا الله فختم بما بدأ به لقوله هو الأول والآخر
وقوله صلى الله عليه وسلم صلوا علي فإنه من صلى على واحدة صلى الله عليه بها عشرا فى قوله من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها
وقوله صلى الله عليه وسلم ثم سلوا الله لي الوسيلة فى قوله عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة
وقوله حلت له شفاعتى يوم القيامة فى قوله من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها
وقوله صلى الله عليه وسلم دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك وكل به كلما دعا لأخيه بشئ قال الملك آمين
ولك بمثله فى قوله تعلى اهدنا الصراط المستقيم إلى أخر السورة هذا دعاء من يأتى به لنفسه ولجماعة المسلمين بظهر الغيب تقول الملائكة فى السماء آمين وقد قال تعالى ولعبدي ما سأل
ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم إن إبراهيم حرم مكة وأنا حرمت المدينة وقوله تعالى لا أقسم بهذا البلد يريد مكة ثم قال وأنت حل بهذا البلد
يمكن أن يريد به المدينة ويكون فى الآية تعريض بحرمة البلدين حيث أقسم بهما وتكراره البلد مرتين دليل على ذلك وجعل الإسمين لمعنيين أولى من أن يكونا لمعنى واحد وأن يستعمل الخطاب فى البلدين أولى من استعماله فى أحدهما بدليل وجود الحرمة فيهما
ومن ذلك حديث الدجال
قلت وقع سؤال بين جماعة مت الفضلاء فى أنه ما الحكمة أنه لم يذكر الدجال فى القرآن وتلمحوا فى ذلك حكما ثم رأيت هذا الإمام قال إن فى القرآن تعريضا بقصته في قصة السامري وقوله سبحانه وإن لك موعدا لن تخلفه وقوله فى سورة الإسراء فى قوله وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما فذكر الوعد الأول ثم ذكر الكرة التى لبني إسرائيل عليه ثم ذكر الآخرة فقال فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم الآية ثم قال وإن عدتم عدنا وفيه إشارة إلى خروج عيسى
وكذلك هو فى الآيات الأول من سورة الكهف في قوله وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا والدجال مما على الأرض ولهذا قال صلى الله عليه وسلم من قرأ الآيات من أول سورة الكهف عصمه الله من فتنة الدحال يريد والله أعلم من
قرأها بعلم ومعرفة وهو أيضا في المفهوم من قوله محمد رسول الله وخاتم النبيين
ومن الأمر بمجاهدة المشركين والمنافقين قوله صلى الله عليه وسلم تخرج الأرض أفلاذ كبدها ويحسر الفرات عن جبل من ذهب فى قوله تعالى وأخرجت الأرض أثقالها فإن الأرض تلقى ما فيها من الذهب والفضة حتى يكون آخر ما تلقى الأموات أحياء
ومصداقه أيضا فى عموم قوله يخرج الخبء في السماوات والأرض فتوجه القرآن إلى الإخبار عن إخراجها الأموات أحياء وتوجه الحديث إلى الإخبار عن إخراجها كنوزها ومعادنها
وقوله صلى الله عليه وسلم حتى تعود أرض العرب مروجا فى قوله تعالى حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس الآية وذلك يكون عند إتمام كلمة الحق وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم وقد تولوا وقوله وآخرين منهم لما يلحقوا بهم يومئذ تظهر العقبة ونلقى الأمر بجرانه وتضع الحرب أوزارها ويكن ذلك علما على الساعة وآية على قرب الانقراض
وقوله صلى الله عليه وسلم فى مثل الدنيا إن مما أخاف عليكم ما يفتح عليكم من
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر