علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٦٦ من ١٩٤

الجزء ٢ — ص ١٥٢–١٦١

وابي بن كعب وابن عباس وما نقله بعض الناس عنهم بخلاف ذلك فغلط

فأما التاويل المخالف للآية والشرع فمحظور لأنه تأويل الجاهلين مثل تأويل الروافض لقوله تعالى مرج البحرين يلتقيان انهما على وفاطمة يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان يعني الحسن والحسين رضي الله عنهما

كذلك قالوا في قوله تعالى وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل انه معاوية وغير ذلك

قال الإمام أبو القاسم محمد بن حبيب النيسابوري رحمه الله وقد نبغ في زماننا مفسرون لو سئلوا عن الفرق بين التفسير والتأويل ما اهتدوا اليه لايحسنون القرآن تلاوة ولا يعرفون معنى السورة أو الآية ما عندهم الا التشنيع عند العوام والتكثير عند الطعام لنيل ما عندهم من الحطام اعفوا انفسهم من الكد والطلب وقولبهم من الفكر والتعب لاجتماع الجهال عليهم وازدحام ذوي الأغفال لديهم لا يكفون الناس من السؤال ولا يأنفون عن مجالسة الجهال مفتضحون عند السبر والذواق زائغون عن العلماء عند التلاق يصادرون اناس مصادرة السلطان ويختطفون ما عندهم اختطاف السرحان يدرسون بالليل صفحا ويحكونه بالنهار شرحا اذا سئلوا غضبوا وإذا نفروا هربوا القحة رأس مالهم والخرق والطيش خير خصالهم يتحلون بما ليس فيهم ويتنافسون فيما يرذلهم الصيانة عنهم معزل وهم من الخنى والجهل في جوف منزل وقد قال صلى الله عليه وسلم المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور وقد قيل

% % من تحلى بغير ماهو فيه % % فضحته شواهد الامتحان % % وجرى في السباق جرية سكيت نفته الجياد عند الرهان

قال حكي عن بعضهم انه سئل عن الحاقة فقال الحاقة جماعة من الناس اذا صاروا في المجلس قالوا كنا في الحاقة وقال آخر في قوله تعالى يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي قال امر الآرض بإخراج الماء والسماء بصب الماء وكأنه على القلب وعن بعضهم في قوله تعالى وإذا الموؤودة سئلت قال ان الله ليسألكم عن الموءودات فيما بينكم في الحياة الدنيا

وقال آخر في قوله فليتنافس المتنافسون قال انهم تعبوا في الدنيا فإذا دخلوا الجنة تنعموا

قال أبو القاسم سمعت أبي يقول سمعت علي بن محمد الوراق يقول سمعت يحيى ابن معاذ الرازي يقول افواه الرجال حوانيتها وأسنانها صنائعها فإذا فتح الرجل باب حانوته تبين العطار من البيطار والتمار من الزمار والله المستعان على سوء الزمان وقلة الأعوان & فصل في حاجة المفسر إلى الفهم والتبحر في العلوم

كتاب الله بحره عميق وفهمه دقيق لايصل إلى فهمة الا من تبحر في العلوم وعامل الله بتقواه في السر والعلانية وأجله عند مواقف الشبهات واللطائف والحقائق لايفهمها الا من القى السمع وهو شهيد فالعبارات للعموم وهي للسمع والإشارات

للخصوص وهي للعقل وللطائف للأولياء وهي المشاهد والحقائق للأنبياء وهي الإستسلام

وللكل وصف ظاهر وباطن وحد ومطلع فالظاهر التلاوة والباطن الفهم والحد احكام الحلال والحرام والمطلع أي الإشراق من الوعد والوعيد فمن فهم هذه الملاحظة بان له بسط الموازنة وظهر له حال المعاينة وفي صحيح ابن حيان عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انزل القرآن على سبعة احرف لكل آية منه ظهر وبطن

ثم فوائده على قدر ما يؤهل له سمعه فمن سمعه من التالي ففائدته فيه علم احكامه ومن سمعه كأنما يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤه على امته بموعظته وتبيان معجزته وانشراح صدره بلطائف خطابه ومن سمعه كأنما سمعه من جبريل عليه السلام يقرؤه على النبي صلى الله عليه وسلم يشاهد في ذلك مطالعات الغيوب والنطق إلى مافيه من الوعود ومن سمع الخطاب فيه من الحق فني عنده وامحت صفاته وصار موصوفا بصفات التحقيق عن مشاهدة علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين وقد قال أبو الدرداء رضي الله عنه لا يفقه الرجل حتى يجعل للقرآن وجها

وقال ابن مسعود من اراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن

قال ابن سبع في شفاء الصدور هذا الذي قاله أبو الدرداء وابن مسعود لا يحصل بمجرد تفسير الظاهر وقد قال بعض العلماء لكل آية ستون الف فهم وما بقي من فهمها اكثر وقال آخر القرآن يحوي سبعة وسبعين الف علم ومائتي علم

اذ لكل كلمة علم ثم يتضاعف ذلك اربعة اذ لكل كلمة ظاهر وباطن وحد ومطلع

وبالجملة فالعلوم كلها داخلة في افعال الله تعالى وصفاته وفي القرآن شرح ذاته وصفاته وأفعاله فهذه الأمور تدل على ان فهم معاني القرآن مجالا رحبا ومتسعا بالغا وأن المنقول من ظاهر التفسير ليس ينتهي الإدراك فيه بالنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير ليتقي به مواضع الغلط ثم بعد ذلك يتسع الفهم ولاستنباط والغرئب التي لاتفهم الا باستماع فنون كثيرة ولا بد من الإشارة إلى جمل منها ليستدل بها على امثالها ويعلم انه لايجوز التهاون بحفظ التفسير الظاهر اولا ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل احكام الظاهر

ومن ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر فهو كمن ادعى البلوغ إلى صدر البيت قبل تجاوز الباب فظاهر التفسير يجري مجرى تعلم اللغة التي لا بد منها للفهم وما لا بد فيها من استماع كثير لأن القرآن نزل بلغة العرب فما كان الرجوع فيه إلى لغتهم فلا بد من معرفتها أو معرفة اكثرها اذ الغرض مما ذكرناه التنبيه على طريق الفهم ليفتح بابه ويستدل المريد بتلك المعاني التي ذكرناها من فهم باطن علم القرآن ظاهره على ان فهم كلام الله تعالى لاغاية له كمالانهاية للمتكلم به فأما الإستقصاء فلا مطمع فيه للبشر ومن لم يكن له علم وفهم وتقوى وتدبر لم يدرك من لذة القرآن شيئا

ومن احاط بظاهر التفسير وهو معنى الألفاظ في اللغة لم يكف ذلك في فهم حقائق المعاني ومثاله قوله تعالى وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى فظاهر تفسيره واضح وحقيقة معناه غامضة فإنه اثبات للرمي ونفي له وهما متضادان

في الظاهر مالم يفهم انه رمى من وجه ولم يرم من جهة ومن الوجه الذي لم يرم ما رماه الله عز وجل

وكذلك قال قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم فإذا كانوا هم القاتلين كيف يكون الله تعالى هو المعذب وإن كان تعالى هو المعذب بتحريك ايديهم فما معنى امرهم بالقتال

فحقيقة هذا تستمد من بحر عظيم من علوم المكاشفات فلا بد ان يعلم وجه ارتباط الأفعال بالقدرة وتفهم وجه ارتباط القدرة بقدره الله تعالى حتى تتكشف وتتضح فمن هذا الوجه تفاوت الخلق في الفهم بعد الاشتراك في معرفة ظاهر التفسير & فصل في امهات مآخذ التفسير للناظر في القرآن لطالب التفسير مآخذ كثيرة أمهاتها اربعة

الاول النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

وهذا هو الطراز الأول لكن يجب الحذر من الضعيف فيه والموضوع فإنه كثير وإن سواد الأوراق سواد في القلب قال الميموني سمعت أحمد بن حنبل يقول ثلاث كتب ليس لها اصول المغازي والملاحم والتفسير قال المحققون من اصحابه ومراده ان الغالب انها ليس لها اسانيد صحاح متصلة وإلا فقد صح من ذلك كثير

فمن ذلك تفسير الظلم بالشرك في قوله تعالى الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم

وتفسير الحساب اليسير بالعرض رواهما البخاري

وتفسير القوة في وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة بالرمي رواه مسلم

وبذلك يرد تفسير مجاهد بالخيل

وكتفسير العبادة بالدعاء في قوله إن الذين يستكبرون عن عبادتي

الثاني الآخذ بقول الصحابي فإن تفسيره عندهم بمنزلة المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما قاله الحاكم في تفسيره

وقال أبو الخطاب من الحنابلة يحتمل الا يرجع اليه اذا قلنا ان قوله ليس بحجة والصواب الأول لأنه من باب الرواية لا الرأي

وقد اخرج ابن جرير عن مسروق وقال عبد الله بن مسعود والذي لا اله الا هو ما نزلت آية في كتاب الله إلا وأنا اعلم فيمن نزلت وأين نزلت ولو اعلم مكان أحد اعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته وقال ايضا كان الرجل منا اذا تعلم عشر آيات لم يتجاوزهن حتى يعلم معانيهن والعمل بهن

وصدور المفسرين من الصحابة علي ثم ابن عباس وهو تجرد لهذا الشأن والمحفوظ عنه اكثر من المحفوظ عن علي الا ابن عباس كان اخذ عن على ويتلوه عبد الله بن عمرو بن العاص وكل ماورد عن غيرهم من الصحابة فحسن مقدم

& مسألة في الرجوع إلى اقوال التابعين ثم ذكر طبقات المفسرين

وفي الرجوع إلى قول التابعي روايتان عن أحمد واختار ابن عقيل المنع وحكوه عن شعبة لكن عمل المفسرين على خلافة وقد حكوا في كتبهم اقوالهم كالضحاك ابن مزاحم وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة وأبي العالية الرياحي والحسن البصري والربيع بن انس ومقاتل بن سليمان وعطاء بن أبي سلمة الخراساني ومرة الهمداني وعلى بن أبي طلحة الوالبي ومحمد بن كعب القرظي وأبي بكر الأصم عبد الرحمن بن كيسان وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي وعكرمة مولى ابن عباس وعطية الموفي وعطاء بن أبي رباح وعبد الله بن زيد بن اسلم

فهذه تفاسير القدماء المشهورين وغالب اقوالهم تلقوها من الصحابة ولعل اختلاف الرواية عن أحمد انما هو فيما كان من اقوالهم وآرائهم

ومن المبرزين في التابعين الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير ثم يتلوهم عكرمة والضحاك وإن لم يلق ابن عباس وإنما اخذ عن ابن جبير

وأما عامر السدي فكان عامر الشعبي يطعن عليه وعلى أبي صالح لأنه كان يراهما مقصرين في النظر

وقال الحافظ أبو أحمد بن عدي في كتابه الكامل للكلبي احاديث صالحة وخاصة عن أبي صالح وهو معروف بالتفسير وليس لأحد تفسير اطول منه

ولا اشيع فيه وبعده مقاتل بن سليمان الا ان الكلبي يفضل على مقاتل لما في مقاتل من المذاهب الرديئة ثم بعد هذه الطبقة الفت تفاسير تجمع اقوال الصحابة والتابعين كتفسير سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح وشعبة بن الحجاج ويزيد بن هارون والمفضل وعبد الرزاق بن همام الصنعاني وإسحاق بن راهويه وروح بن عبادة ويحيى ابن قريش ومالك بن سليمان الهروي وعبد بن حميد الكشي وعبد الله بن الجراح وهشيم بن بشير وصالح بن محمد اليزيدي وعلي بن حجر بن اياس السعدي ويحيى ابن محمد بن عبد الله الهروي وعلي بن أبي طلحة وابن مردويه وسنيد والنسائي وغيرهم

ووقع في مسند أحمد والبزار ومعجم الطبراني وغيرهم كثير من ذلك

ثم ان محمد بن جرير الطبري جمع على الناس اشتات التفاسير وقرب البعيد وكذلك عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي وأما أبو بكر النقاش وأبو جعفر النحاس فكثيرا ما استدرك الناس عليهما وعلى سننهما مكي والمهدوي حسن التأليف وكذلك من تبعهم كابن عطية وكلهم متقن مأجور فجزاهم الله خيرا & تنبيه فيما يجب ان يلاحظ عند نقل اقوال المفسرين

يكثر في معنى الآية اقواله واختلافهم ويحيكه المصنفون للتسفير بعبارات متباينة الألفاظ ويظن من لا فهم عنده ان في ذلك اختلافا فيحكيه اقوالا وليس كذلك بل يكون كل واجد منهم ذكر معنى ظهر من الآية وإنما اقتصر عليه لأنه اظهر عند ذلك القائل أو لكونه اليق بحال السائل وقد يكون

بعضهم يخبر عن الشئ بلازمه ونظيره والآخر بمقصوده وثمرته والكل يؤول إلى معنى واجد غالبا والمراد الجميع فليتفطن لذلك ولا يفهم من اختلاف العبارات اختلاف المرادات كما قيل % % عباراتنا شتى وحسنك واحد % % وكل إلى ذاك الجمال يشير %

هذا كله حيث امكن الجمع فأما اذا لم يمكن الجمع فالمتأخر من القولين عن الشخص الواحد مقدم عنه ان استويا في الصحة وإلا فالصحيح المقدم وكثيرا ما يذكر المفسرون شيئا في الآية على جهة التمثيل لما دخل في الآية فيظن بعض الناس انه قصر الآية على ذلك ولقد بلغني عن شخص انه انكر على الشيخ أبي الحسن الشاذلي قوله في قوله تعالى نأت بخير منها أو مثلها ماذهب الله مولى الا اتى بخير منه أو مثله

الثالث الأخذ بمطلق اللغة

فإن القرآن نزل بلسان عربي مبين وقد ذكره جماعة ونص عليه أحمد بن حنبل في مواضع لكن نقل الفضل بن زياد عنه وقد سئل عن القرآن تمثل له رجل ببيت من الشعر فقال ما يعجبني فقيل ظاهره المنع ولهذا قال بعضهم في جواز تفسير القرآن بمعقتضى اللغة روايتان عن أحمد وقيل الكراهة تحمل على من يصرف الآية عن ظاهرها إلى معان خارجة محتملة يدل عليها القليل من كلام العرب ولا يوجد غالبا الا في الشعر ونحوه ويكون المتبادر خلافها

وروي البيهقي في شعب الإيمان عن مالك بن انس قال لا اوتي برجل غير عالم بلغات العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالا

الرابع التفسير بالمقتضى من معنى الكلام والمقتضب من قوة الشرع

وهذا هو الذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس في قوله اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل

وروي البخاري رحمه الله في كتاب الجهاد في صحيحه عن علي هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء فقال ما عندنا غير ما في هذه الصحيفة أو فهم يؤتاه الرجل

وعلى هذا قال بعض اهل الذوق للقرآن نزول وتنزل فالنزول قد مضى والتنزل باق إلى قيام الساعة

ومن ها هنا اختلف الصحابة في معنى الآية فأخذ كل واجد برأية على مقتضى نظره في المقتضى

ولا يجوز تفسير القرآن بمجرد الراي والإجتهاد من غير اصل لقوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم وقوله وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون وقوله لتبين للناس ما نزل إليهم فأضاف البيان اليهم

وعليه حملوا قوله صلى الله عليه وسلم من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار رواه البيهقي من طرق من حديث ابن عباس وقوله صلى الله عليه وسلم من تلكم في القرآن برأيه فأصاب فقد اخطأ أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وقال غريب من حديث ابن جندب

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر