علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٦٣ من ١٩٤

الجزء ٢ — ص ١٢٢–١٣١

مقام محذور لا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو فإن العربية تتلقى من النبى صلى الله عليث وسلم ولا يشك أحد فى فصاحته ولعلهم أرادوا أنه صحيح فصيح وإن كان غيره أفصح منه فإنا لا ندعى أن كل ما في القرآن على أرفع الدرجات فى الفصاحة

وإلى هذا نحا الشيخ عز الدين فى كتاب المجاز وأورد سؤالا فقال فإن قلت فلم لم يأت القرآن جميعه بالأفصح والأملح وقال فيه إشكال يسر الله حله

قال القاضى صدر الدين موهوب الجزرى رحمه الله وقد وقع لي حل هذا الإشكال بتوفيق الله تعالى فأقول البارئ جلت قدرته له أساليب مختلفة على مجاري تصريف أقداره فإنه كان قادرا على إلجاء المشركين إلى الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين ولكنه سبحانه أرسل رسوله على أساليب الأسباب والمسببات وجارى العوائد الواقعة من أهل الزمان ولذلك تكون حروب الأنبياء سجالا بينهم وبين الكفار ويبتدئ أمر الأنبياء بأسباب خفيفة ولا تزال تنمى وتشتد كل ذلك يدل على أن أساليبهم فى الإرسال على ما هو المألوف والمعتاد من أحوال غيرهم

إذا عرف ذلك كان مجيء القرآن بغير الأفصح والأملح جميعه لأنه تحداهم بمعارضته على المعتاد فلو وقع على غير المعتاد لكان ذلك نمطا غير النمط الذى أراده الله عز وجل فى الإعجاز

ولما كان الأمر على ما وصفنا جاء القرآن على نهج إنشاءهم الخطب والأشعار وغيرها ليحصل لهم التمكن من المعارضة ثم يعجزوا عنها فيظهر الفلج بالحجة لأنهم لو لم يتمكنوا لكان لهم أن يقولوا قد أتيت بما لا قدرة لنا عليه فكما لا يصح من أعمى معارضة المبصر

في النظر لا يحسن من البصير أن يقول غلبتك أيها الأعمى بنظري فإن للأعمى أن يقول إنما تم لك الغلبة لو كنت قادرا وكان نظرك أقوى من نظري فأما إذا فقد أصل النظر فكيف تصح المعارضة

فإن قلت فلو كانت المعجزة شيئا لا يقدر عليه البشر كإحياء الموتى وأمثاله فكيف كان ذلك أدعى إلى الإنقياد

قلت هذا السؤال سبق الجواب عنه في الكلام وإن أساليب الأنبياء تقع على نهج أساليب غيرهم

فإن قلت فما ذكرته يدل على أن عجز العرب عن معارضته وإنما كانت لصرف دعاويهم مع أن المعارضة كانت مقدورة لهم

قلت قد ذهب بعض العلماء إلى ذلك ولكن لا أراه حقا ويندفع السؤال المذكور وإن كان الإعجاز في القرآن بأسلوبه الخاص به إلا أن الذين قالوا بأن المعجز فيه هو الصرفة مذهبهم أن جميع أساليبه جميعا ليس على نهج أساليبهم ولكن شاركت أساليبهم في أشياء منها أنه بلغتهم

ومنها أن آحاد الكلمات قد كانوا يستعملونه فى خطهم وأشعارهم ولكن تمتاز بأمور أخر منها غرابة نظمه الخاص الذى ليس مشابها لأجزاء الشعر وأوزانه وهزجه ورجزه وغير ذلك من ضروبه فأما توالى نظمه من أوله إلى آخره بأن يأتى بالأفصح والأملح فهذا مما وقعت فيه المشاركة لكلامهم فبذلك امتاز هذا المذهب عن مذهب من يقول إنه كان جميعه مقدورا لهم وإنما صرفت دواعيهم عن المعارضة انتهى

وقد سبق اختيار القاضى أنه ليس على أساليبهم البتة فيبقى السؤال بحاله

تنبيه في أن معرفة مقامات الكلام لا تدرك إلا بالذوق

ذكر ابن أبى الحديد

اعلم أن معرفة الفصيح والأفصح والرشيق والرشق والجلى والأجلى والعلى والأعلى من الكلام أمر لا يدرك إلا بالذوق ولا يمكن إقامة الدلالة المنطقية عليه وهو بمنزلة جاريتين إحداهما بيضاء مشربة حمرة ودقيقة الشفتين نقية الشعر كحلاء العين أسيلة الخد دقيقة الأنف معتدلة القامة والأخرى دونها فى هذه الصفات والمحسن لكنها أحلى فى العيون والقلوب منها وأليق وأملح ولا يدرى لأي سبب كان ذلك لكنه بالذوق والمشاهدة يعرف ولا يمكن تعليله وهكذا الكلام نعم يبقى الفرق بين الوصفين أن حسن الوجوه وملاحتها وتفضيل بعضها يدركه كل من له عين صحيحة وأما الكلام فلا يعرفه إلا بالذوق وليس كل من اشتغل بالنحو أو باللغة أو بالفقه كان من أهل الذوق وممن يصلح لاتنقاد الكلام وإنما أهل الذوق هم الذين اشتغلوا بعلم البيان وراضوا أنفسهم بالرسائل والخطب والكتابة والشعر وصارت لهم بذلك دربة وملكة تامة فإلى أولئك ينبغى أن يرجع فى معرفة الكلام وفضل بعضه على بعض

النوع التاسع والثلاثون معرفة وجوب تواتره لإخلاف أن كل ما هو من القرآن يجب أن يكون متواترا فى أصله وأجزائه وأما فى محله ووضعه وترتيبه فعند المحققين من علماء أهل السنة كذلك أي يجب أن يكون متواترا فإن العلم اليقيني حاصل أن العادة قاضية بأن مثل هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وأنه الهادي للخلق إلى الحق المعجز الباقى على صفحات الدهر الذى هو أصل الدين القويم والصراط المستقيم فمستحيل ألا يكون متواترا فى ذلك كله إذ الدواعي تتوافر على نقله على وجه التواتر وكيف لا وقد قال تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون والحفظ إنما يتحقق بالتواتر وقالى تعالى يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والبلاغ العام إنما هو بالتواتر فما لم يتواتر مما نقل آحادا يقطع بأنه ليس من القرآن وذهب كثير من الأصوليين إلى أن التواتر شرط في ثبوت ما هو من القرآن بحسب أصله وليس بشرط فى محله ووضعه وتربيبه بل يكثر فيها نقل الآحاد وهو الذي يقتضيه صنع الشافعى فى إثبات البسملة من كل سورة ورد بأن الدليل السابق يقتضى التواتر في الجميع ولأنه لو لم يشترط لجاز سقوط

كثير من القرآن المكرر وثبوت كثير مما ليس بقرآن أما الأول فلأنا لو لم نشترط التواتر فى المحل جاز ألا يتواتر كثير من المتكررات الواقعة فى القرآن مثل فبأي آلاء ربكما تكذبان و ويل يومئذ للمكذبين

وأما الثانى فلأنه إذا لم يتواتر بعض القرآن بحسب المحل جاز إثبات ذلك البعض فى الموضع بنقل الآحاد

وقال القاضى أبو بكر فى الانتصار ذهب قوم من الفقهاء والمتكلمين إلى إثبات قرآن حكما لا علما بخبر الواحد دون الاستفاضة وكره ذلك أهل الحق وامتنعوا منه وقال قوم من المتكلمين إنه يسوغ إعمال الرأي والاجتهاد فى إثبات قراءة وأوجه وأحرف إذا كانت تلك الأوجه صوابا فى اللغة العربية وإن لم يثبت أن النبى صلى الله عليه وملم قرأها بخلاف موجب رأى القياسيين واجتهاد المجتهدين وأبى ذلك أهل الحق وأنكروه وخطأوا من قال بذلك وصار إليه

قال القاضى وقد رد الله عنه طعن الطاعنين واختلاف الضالين وليس المعتبر فى العلم بصحة النقل والقطع على فنونه بألا يخالف فيه مخالف وإنما المعتبر فى ذلك مجيئه عن قوم بهم ثبت التواتر وتقوم الحجة سواء اتفق على نقلهم أو اختلف فيه ولهذا لا يبطل النقل إذا ظهر واستفاض واتفق عليه إذا حدث خلاف فى صحته لم يكن من قبل

وبذلك يسقط اعتراض الملحدين فى القرآن وذلك دليل على صحة نقل القرآن

وحفظه وصيانته من التغيير ونقض مطاعن الرافضة فيه من دعوى الزيادة والنقص كيف وقد عل تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وقوله إن علينا جمعه وقرآنه وأجمعت الأمة أن المراد بذلك حفظه على المكلفين للعمل به وحراسته من وجوه الغلط والتخليط وذلك وجب القطع على صحة نقل مصحف الجماعة وسلامته & فصل

والمعوذتان من القرآن واستفاضتهما كاستفاضة جميع القرآن وأما ما روي عن ابن مسعود قال القاضي أبو بكر فلم يصح عنه أنهما ليسا بقرآن ولا حفظ عنه أنه حكهما وأسقطهما من مصحفه لعلل وتأويلات

قال القاضي ولا يجوز أن يضاف إلى عبد الله أو إلى أبي بن كعب أو زيد أو عثمان أو علي أو واحد من ولده أو عترته جحد آية أو حرف من كتاب الله وتغييره أو قراءته على خلاف الوجه المرسوم في مصحف الجماعة بأخبار الآحاد وأن ذلك لا يحل ولا يسمع بل لا تصلح إضافته إلى أدنى المؤمنين في عصرنا فضلا عن أضافته إلى رجل من الصحابة وإن كلام القنوت المروى عن أبي بن كعب أثبته في مصحفه لم تقم حجة بأنه

قرآن منزل بل هو ضرب من الدعاء وأنه لو كان قرآنا لنقل نقل القرآن وحصل العلم بصحته وأنه يمكن أن يكون منه كلام كان قرآنا منزلا ثم نسخ وأبيح الدعاء به وخلط بكلام ليس بقرآن ولم يصح ذلك عنه وإنما روى عنه أنه أثبته في مصحفه وقد ثبت في مصحفه ما ليس بقرآن من دعاء وتأويل

وقال النوري في شرح المهذب أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة من القرآن وأن من جحد منها شيئا كفر وما نقل عن ابن مسعود باطل وليس بصحيح

وقال ابن خزم فى أول كتابه المحلى هذا كذب على ابن مسعود وموضوع وإنما صح عنه قراءة عاصم عن زر بن حبيش عنه وفيها المعوذتان والفاتحة

وقال القاضى أبو بكر بن الطيب فى كتاب التقريب لم ينكر عبد الله بن مسعود كون المعوذتين والفاتحة من القرآن وإنما أنكر إثباتهما في المصحف وإثبات الحمد لأنه كانت السنة عنده ألا يثبت إلا ما أمر النبى صلى الله عليه وسلم بإثباته وكتبه ولم يجده كتب ذلك ولا سمع أمره به

وهذا تأويل منه وليس حجدا لكونهما قرآنا

وفي صحيح ابن حبان عن زر قلنا لأبي بن كعب إن ابن مسعود لا يكتب في مصحفه المعوذتين فقال قال لي رسول الله صلى عليه وسلم قال لي جبريل قل أعوذ برب الفلق فقلتها وقال لي قل أعوذ برب الناس فقلتها فنحن نقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

النوع الأربعون & فى بيان معاضدة السنة للقرآن

اعلم أن القرآن والحديث أبدا متعاضدان على استيفاء الحق وإخراجه من مدارج الحكمة حتى إن كل واحد منهما يخصص عموم الآخر ويبين إجماله

ثم منه ما هو ظاهر ومعه ما يغمض وقد اعتنى بإفراد ذلك بالتصنيف الإمام أبو الحكم ابن برجان فى كتابه المسمى بالإرشاد وقال ما قال النبي صلى الله عليه وسلم من شيء فهو في القرآن وفيه أصله قرب أو بعد فهمه من فهمه وعمه عنه من عمه قال الله تعالى ما فرطنا في الكتاب من شيء ألا تسمع إلى قوله صلى الله عليه وسلم فى حديث الرجم لأقضين بينكما بكتاب الله وليس في نص كتاب الله الرجم

وقد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهما بكتاب الله ولكن الرجم فيه تعريض مجمل فى قوله تعالى ويدرأ عنها العذاب

وأما تعيين الرجم من عموم ذكر العذاب وتفسير هذا المجمل فهو مبين بحكم الرسول وبأمره به وموجود فى عموم قوله وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وقوله من يطع الرسول فقد أطاع الله

وهكذا حكم جميع قضائه وحكمه على طرقه التى أتت عليه وإنما يدرك الطالب من ذلك بقدر اجتهاده وبذل وسعه ويبلغ منه الراغب فيه حيث بلغه ربه تبارك وتعالى لأنه واهب النعم ومقدر القسم

وهذا البيان من العلم جليل وحظه من اليقين جزيل وقد نبهنا صلى الله عليه وسلم على هذا المطلب فى مواضع كثيرة من خطابه

منها حين ذكر ما أعد الله تعالى لأوليائه فى الجنة فقال فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتم عليه ثم قال اقرءوا إن شئتم فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين

ومنها قالوا يا رسول الله ألا نتكل وندع العمل فقال اعملوا فكل ميسر لما خلق له ثم قرأ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى

ووصف الجنة فقال فيها شجرة يسير الراكب فى ظلها مائة عام ولا يقطعها ثم قال اقرءوا إن شئتم وظل ممدود

فأعلمهم مواضغ حديثه من القرآن ونبههم على مصداق خطابه من الكتاب ليستخرج علماء أمته معانى حديثه طلبا لليقين ولتستبين لهم السبيل حرصا منه عليه السلام على أن يزيل عنهم الارتياب وأن يرتقوا فى الأسباب ثم بدأ رضى الله عنه بحديث ( إنما الأعمال بالنيات ) وقال موضعه نصافي قوله تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد إلى قوله فأولئك كان سعيهم مشكورا ونظيرها فى هود والشورى

وموضع التصريح به قوله ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم

و بما عقدتم الأيمان

وأما التعريض بكثير مثل قوله الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا من كان يريد العزة فلله العزة جميعا قد علم الله عز وجل أنهم كانوا يريدون الاعتزاز لأن الإنسان مجبول على طلب العزة فمخطئ أو مصيب فمعنى الآية والله أعلم بلغ هؤلاء المتخذين الكافرين أولياء من دون الله من ابتغاء العزة بهم أنهم قد أخطأوا مواضعها وطلبوها فى غير مطلبها فإن كانوا يصدقون أنفسهم فى طلبها فليوالوا الله جل جلاله وليوالوا من والاه ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين

فكان ظاهر آية النساء تعريضا لظاهر آية المنافقين وظاهر أية المنافقين تعريضا بنص الحديث المروى

ومن ذلك حديث جبريل فى الإيمان والإسلام بين فيه أن الشهادة بالحق والأعمال الظاهرة هي الإسلام وأن عقد القلب على التصديق بالحق هو الإيمان وهو

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر