علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٦٢ من ١٩٤

الجزء ٢ — ص ١١٢–١٢١

يعلم ضرورة وكونه معجزا يعلم بالاستدلال وهذا المذهب يحكى عن المخالفين

والذى نقوله إنالأعجمى لا يمكنه أن يعلم إعجازه إلا استدلالا وكذلك من ليس ببليغ فأما البليغ الذى أحاط بمذاهب العرب وغرائب الصنعة فإنه يعلم من نفسه ضرورة عجزه وعجز غيره عن الإتيان بمثله مسألة فى الحكمة فى تنزيه النبى عليه السلام عن الشعر

قيل للحكمة تنزيه الله تعالى نبيه صالى الله عليه وسلم عن الشعر وجوه

أحدها أنه سبحانه أخبر عن الشعراء بأنهم فى كل واد يهيمون وأنهم يقولون مالا يفعلون وأن للشعر شرائط لا يسمى الإنسان بغيرها شاعرا كما قال بعضهم وقد سئل عن الشاعر فقال إن هزل أضحك وإن جد كذب فالشاعر بين كذب وإضحاك فنزه الله نبيه عن هاتين الخصلتين وعن كل أمر دنئ وإنا لا نكاد نجد شاعرا إلا مادحا ضارعا أو هاجيا ذا قذع وهذه أوصاف لا تصلح للنبي

والثاني أن أهل العروض مجمعون كما قلل ابن فارس على أنه لا فرق بين صناعة العروض وصناعة الإيقاع إلا أن صناعة الإيقاع تقسم الزمان بالنغم وصناعة العروض تقسمه

بالحروف المتنوعة فلما كان الشعر ذا ميزان يناسب الإيقاع والإيقاع ضرب من الملاهي لم يصلح ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال لست من دد ولا دد منى

وأما ما حكى عنه صلى الله عليه وسلم من ألفاظ الوزن فالجواب عنها من وجهين أحدهما أنه لم يقصد بها الشعر ومن حقيقة الشعر قصده قال ابن فارس الشعر كلام موزون مقفي دال على معنى ويكون أكثر من بيت لأنه يجوز اتفاق شطر واحد بوزن يشبه وزن الشعر من غير قصد

والثانى أنه صلى الله عليه سلم كان إذا أنشد شيئا من ذلك غيره ز فصل فى تنزيه الله القرآن عن أن يكون شعرا

مع ان الموزون فى الكلام رتبته فوق رتبة المنظوم غير الموزون فإن كل موزون منظوم ولا عكس وقال تعالى وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين فأعلم سبحانه أنه نزة الفرآن عن نظم الشعر والوزن لأن القرآ مجمع الحق ومنبع الصدق وقصارى أمر الشاعر التحصل بتصوير الباطل فى صورة الحق والإفرط فى الإطراء والمبالغة فى الذم والإيذاء دون إظهار الحق وإثبات الصدق منه كان بالعرض ولهذا قال تعالى وما هو بقول شاعر إى كاذب ولم يعن أنه

ليس بشعر فإن وزن الشعر أظهر من أن يشتبه عليهم حتى يحتاج إلى أن ينفى عنه ولأجل شهرة الشعر بالكذب سمى المنطقيون القياسات المؤدبة فى أكثر الأمر إلى البطلان والكذب شعرية

فإن قيل فقد وجد فى القرآن ما وافق شعرا موزونا إما بيت تام أو أبيات أو مصراع كقول القائل % % وقلت لما حاولوا سلوتى % % هيهات هيهات لما توعدون %

وقوله وجفان كالجواب وقدور راسيات قالوا هذا من الرمل

وكقوله ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه قالوا هو مجزوء من الخفيف

وقوله ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب قالوا هو من المتقارب أى بإسقاط مخرجا

وقوله ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا ويشبعون حركة الميم فيبقى من الرجز وحكى أن أبا نواس ضمنه فقال % % وفتية فى مجلس وجوههم % % ريحانهم قد عدموا التثفيلا % % دانية عليهمو ظلالها % وذللت قطوفها تذليلا

وقوله تعالى ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين قالوا هو من الوافر

وقوله تعالى أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم قالوا هو من الخفيف

وقوله تعالى والعاديات ضبحا فالموريات قدحا ونحوه قوله والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا وهو عندهم شعر من بحر البسيط

وقوله تعالى ومن الليل فسبحه وأدبار السجود

وقوله تعالى لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون

وقوله تعالى فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا

وقوله تعالى لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم

وقوله تعالى تبت يدا أبي لهب

وقوله تعالى نصر من الله وفتح قريب وقوله تعالى إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وقوله تعالى إن قارون كان من قوم موسى

ويحكى أنه سمع أعرابى قارئا يقرأ يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم قال كسرت إنما قال يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم فقيل له هذا القرآن وليس بشعر

فالجواب قال القاضى أبو بكر إن الفصحاء منهم لما أورد عليهم القرآن لو اعتقدوه شعرا ولم يروه خارجا عن أساليبهم لبادروا إلى معارضته لأن الشعر منقاد غليهم فلما لم يعمدا إلى ذلك دل على أنهم لم يعتقدوا فيه ذلك فمن استدرك فيه شعرا زعم أنه خفى على أولئك النفر وهم ملوك الكلام مع شدة حاجتهم إلى الطعن فى القرآن والغض منه والتوصل إلى تكذيبه بكل ما قدروا عليه فلن يجوز أن يخفى على أولئك وأن يجهلوه ويعرفه من جاء الآن فهو بالجهل حقيق

وحينئذ فالذى أجاب به العلماء عن هذا بأن البيت الواحد وما كان على وزنه لا يكون شعرا وأقل الشعر بيتان فصاعدا وإلى ذلك ذهب أكثر أهل صناعة العربية من أهل الإسلام

وقالوا أيضا إن ما كان على وزن بيتين إلا أنه يختلف وزنهما وقافيتهما فليس بشعر أصلا

ثم منهم من قال إن الرلجز ليس بشعر أصلا لا سيما إذا كان مشطورا أو ممهوكا وكذا ما يقاربه فى قلة الأجزاء وعلى هذا يسقط السوؤال

ثم يقول إن الشعر إنما ينطلق متى قصد إليه على الطريق التى تعمد وتسلك ولا يصح أن يتفق مثله إلا من الشعراء دون ما يستوى فيه العامى والجاهل والعالم بالشعر واللسان وتصرفه وما يتفق من كل واحد فليس بشعر فلا يسمى صاحبه شاعرا وإلا لكان الناس كلهم شعراء لأن كل متكلم لا ينفك أن يعرض فى جملة كلامه ما يتزن بوزن الشعر وينتظم بانتظامه

وقيل أقل ما يكون من الرجز شعرا أربعة أبيات وليس ذلك فى القرآن بحال

قال القاضى وهذه الطريق التى سلكوها فى الجواب معتمدة أو أكثرها

ولو كان ذلك شعرا لكانت النفوس تتشوق إلى معارضته لأن طريق الشعر غسر مستصعب على أهل الزمان الواحد وأهله يتقاربون فيه أو يضربون فيه بسهم

فصل فى اختلاف المقامات ووضع كل شئ فى موضع يلائمه

مما يبعث على معرفة الإعجاز اختلافات المقامات وذكر فى كل موضع ما يلائمه ووضع الألفاظ فى كل موضع ما يليق به وإ كانت مترادفة حتى لو أبدل واحد منها بالآخر ذهبت تلك الطلاوة وفاتت تلك الحلاوة

فمن ذلك أن لفظ الأررض لم ترد فى التنزيل إلا مفردة وإذا ذكرت والسماء مجموعة لن يؤت بها معها إلا مفرة د ولما أريد الإتيان بها مجموعة قال ومن الأرض مثلهن تفاديا من جمعها

ولفظ البقعة لم تستعمل فيه إلا مفردة كقوله تعالى في البقعة المباركة فإن جمعت حسن ذلك ورودها مضافة كقولهم بقاع الأرض

وكذلك لفظ اللب مرادا به العقل كقوله تعالى وذكرى لأولي الألباب لذكرى لأولي الألباب فإنه يعذب دون الإفراد

وكذلك قوله ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وفى موضع آخر في بطني محررا استعمل الجوف فى الأول والبطن فى الثانى مع اتفاقهما

فى المعنى ولو استعمل فى أحدهما فى موضع الآخر لم يكن له من الحسن والقبول عند الذوق ما لا ستعمال كل واحد منهما فى موضعه

وأما بالنسبة إلى المقامات فانظر إلى مقام الترغيب وإلى مقام الترهيب فماقام الترغيب كقوله تعالى يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا نجده تأليفا لقلوب العباد وترغيبا لهم فى الإسلام

قيل وكان سبب نزولها أنه أسلم عياش بن أبى ربيعة والوليد بن الوليد ونفر معهما ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا قال وكنا نقول قوم لا يقبل الله منهم صرفا ولا عدلا أبدا قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوا به فنزلت وكان عمر كاتبا فكتب بها عمر بن الخطاب إليهم رضى الله عنه حين فهم قصد الترغيب فآمنوا وأسلموا وهاجروا

ولا يلزم دلالتها على مغفرة الكفر لكونه من الذنوب فلا يمكن حملها على فضل الترغيب فى الإسلام وتأليف القلوب له لوجوه

منها ان قوله يغفر الذنوب جميعا عام دخله التخصيص بقوله إن الله لا يغفر أن يشرك به فيبعى معتبرا فيما عداه

ومنها أن لفظ العباد مضافا إليه فى القرآن مخصوص بالمؤمنين قال تعالى عينا يشرب بها عباد الله

فإن قلت فلم يكونوا مؤمنين حال الترغيب

قلت كانوا مؤمنين قبله بدليل سبب نزولها وعوملوا هذه المعاملة من الإضافة مبالغة فى الترغيب

وأما مقام الترهيب فهو مضاد له كقوله تعالى ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها ويدل على قصد مجرد الترهيب بطلان النصوصية من ظاهرها على عدم المغفرة لأهل المعاصى لأن من للعموم لأنها فى سياق الشرط فيعم فى جميع المعاصى فقد حكم عليهم بالخلود وهو ينافى المغفرة وكذلك كل مقام يضاد الآخر ويعتبر التفاضل بين العبارتين من وجوه

أحدها المعانى الإفرادية بأن يكون بعضها أقوى دلالة وأفخم مسمى وأسلس لفظا ونحوه الثانى المعانى الإعرابية بأن يكون مسماها أبلغ معنى كالتمييز مع البدل فى قوله تعالى واشتعل الرأس شيبا مع اشتعل الرأس سيبة وهذا أبلغ من ( اشتعل شيب الرأس ) الثالث مواقع التركيب كعوله تعالى وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين فإن الأولى جعل اثنين مفعول يتخذوا وإلهين صفة له تقدمت فانتصبت على الحال والتقدير اتخذوا إلهين اثنين لأن اثنين أعم من إلهين

فصل فى اشتمال القرآن على أعلى أنواع الإعجاز

وهو أن يقع التركيب بحيث لا يمتنع أن يوجد ماهو أشد تناسا ولا اعتدالا فى إفادة ذلك المعنى

وقد اختلف فى أنه هل تتفاوت فيه مراتب الفصاحة واختار القاضى أبو بكر ابن الطيب فى كتاب ( الإعجاز ) المنع وأن كل كلمة موصوفة بالذروة العليا وإن كان بعض الناس أحسن إحساسا له من بعض وهذا كما أن بعضهم يفطن للوزن بخلاف بعض

واختار أبو بصر بن القشيرى فى تفسيره التفاوت فقال وقد رد على الزجاج وغيره تضعيفهم قراءة ( والأرحام ) بالجر ومثل هذا من الكلام مردود عند أئمة الدين لأن القراءات السسبع متواترة عن النبى صلى الله عليه وسلم وإذا ثبت شئ عن النبى صلى الله عليه وسلم فمن رد ذلك فكأنما رد على النبوة وهذا

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر