علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٦١ من ١٩٤

الجزء ٢ — ص ١٠٢–١١١

القريب السهل ومنها الجائز الطلق الرسل وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود دون النوع الهجين المذموم الذى لا يوجد فى القرآن شئ منه البتة

فالقسم الأول أعلاه والثانى أوسطه والثالث أدناه وأقربه فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة وأخذت من كل نوع شعبة فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتى الفخامة والعذوبة وهما على الانفراد فى نعوتهما كالمتضادين لأن العذوبة نتاج السهولة والجزالة والمتانة فى الكلام يعالجان نوعا من الوعورة فكان اجتماع الأمرين فى نظمه مع نبو كل منهما عن الآخر فضيلة خص بها القرآن يسرها الله بلطيف قدرته ليكون آية بينة لنبيه ودلالة على صحة ما دعا إليه من أمر دينه

وإنما تعذر على البشر الإتيان بمثله لأمور

منها أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وأوضاعها التى هى ظروف المعانى والحوامل

ولا تدرك أفهامهم جميع معانى الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ ولا تكمل معرفتهم باستيفاء جميع وجوه النظوم التى بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض فيتوصلوا باختيار الأفضل عن الأحسن من وجوهها إلا أن يأتوا بكلام مثله

وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة لفظ حامل ومعنى به قائم ورباط لهما ناظم

وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه فى غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى

شيئا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه ولا ترى نظما أحسن تأليفا وأشد تلاءما وتشاكلا من نظمه وأما معانيه فكل ذى لب يشهد له بالتقديم فى أبوابه والرقى فى أعلى درجاته

وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق فى أنواع الكلام وأما أن توجد مجمة عى فى نوع واحد منه فلم توجد إلا فى كلام العليم القدير الذى أحاط بكل شئ علما وأحصى كل شئ عددا

فخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ فى أحسن نظوم التأليف مضمنا أصح المعانى من توحيد الله تعالى وتنزيهه فى صفاته ودعاء إلى طاعته وبيان لطريق عبادته فى تحليل وتحريم وحظر وإباحة ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهى عن منكر وإرشاد إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساويها واضعا كل شئ منها موضعه الذى لا يرى شئ أولى منه ولا يتوهم فى صورة العقل أمر أليق به منه مودعا أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات الله بمن عصى وعاند منهم منبئا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الماضية من الزمان جامعا فى ذلك بين الحجة والمحتج له والدليل والمدلول عليه ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه وإنباء عن وجوب ما أمر به ونهى عنه

ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتسق أمر تعجز عنه قوى البشر ولا تبلغه قدرتهم فانقطع الخلق دونه وعجزوا عن معارضته بمثله ومنقضته فى شكله ثم صار المعاندون له ممن كفر به وأنكره يقولون مرة إنه شعر لما رأوه منظوما ومرة إنه سحرلما رأوه معجوزا عنه غير مقدور عليه وقد كانوا يجدون له وقعا فى القلب وقرعا فى النفس يريبهم ويحيرهم فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من الاعتراف ولذلك قالوا إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وكانوا مرة لجهلهم وحيرتهم يقولون أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا مع علمهم أن صاحبهم أمى وليس بحضرته من يملى أو يكتب شيئا ونحو ذلك من المور التى أوجبها العناد والجهل والعجز وقد حكى الله عن بعض مردتهم وهو الوليد بن المغيرة المخزومى أنه لما طال فكره فى القآن وكثر ضجره منه وضرب له الأخماس من رأيه فى السداس فلم يقدر على أكثر من قوله إن هذا إلا قول البشر عنادا وجهلا به وذهابا عن الحجة وانقطاعا دونها

ثم اعلم أن عمود البلاغة التى تجتمعا لها هذه الصفات هو وضع كل نوع من الألفاظ

التى تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص الأشكل به الذى إذا أبدل مكانه غيره جاء منه إما تبدل المعنى الذى يفسد به الكلام أو إ 1 هاب الرونق الذى تسقط به البلاغة وذلك أن فى الكلام ألفاظا مترادفة متقاربة المعانى فى زعم أكثر الناس كالعلم والمعرفة والشح والبخل والنعت والصفة وكذا بلى ونعم ومن وعن ونحوها من الأسماء والأفعال والحروف والأمر فيها عند الحذاق بخلاف ذلك لأن كل لفظة منها خاصة تتميز بها عن صاحبتها فى بقض معانيها وإن اشتركا فى بعضها

ولهذا قال أبو العالية فى قوله تعالى الذين هم عن صلاتهم ساهون أنه الذى ينصرف ولا يدرى عن شفع أو وتر فرد عليه الحسن بأنه لو كان كذلك لقال الذين هم في صلاتهم فلم يقرق أبو العالية بين في و عن حتى تنبه له الحسن وقال المراد به إخرجها عن وقتها

فإن قيل فهلا جعل فى كل سورة نوعا من الأنواع قيل إنما أنزل القرآن على هذه الصفة من جمع أشياء مختلفة المعانى فى السورة الواحدة وفى الآى المجموعة القليلة العدد ليكون أكثر لفائدته وأعم لمنفعته ولو كان لكل باب منه قبيل ولكل معنى سورة مفردة لم تكثر عائدته ولكان الواحدمن الكفار المنكرين والمعاندين إذا سمع السورة لا تعوم عليه الحجة به إلا فى النوع الواحد الذى تضمنته السورة الواحدة فقط وكان فى اجتماع المعانى الكثيرة فى السورة الواحدة أوفر حظا وأجدى نفعا من التخيير لما ذكرناه

قال الخطابى وقلت فى إعجاز القرآن وجها آخر ذهب عنه الناس فلا يكاد يعرفه إلا الشاذ فى آحادهم وهو صنيعه بالقلوب وتأثيره فى النفوس فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوما ولا منثورا إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة فى حال ومن الروعة والمهابة فى حال أخرى ما يخلص منه إليه قال الله تعالى لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وقال تعالى الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم الآية

قلت ولهذا أسلم جبير بن مطعم لما سمع قراءة النبى صلى الله عليه وسلم للطور حتى انتهى إلى قوله إن عذاب ربك لواقع قال حشيت أن يدركنى العذاب وفى لفظ كاد قلبى يطير فأسلم وفى أثر آخر أن عمر لما سمع سورة طه أسلم وغير ذلك

وقد صنف بعضهم كتابا فيمن مات بسماع آية من القرآن

الثانى عشر وهو قول أهل التحقيق إن الإعجاز وقع بجميع ما سبق من الأقوال لا بكل واحد عن انفراده فإنه جمع كله فلا معنى لنسبته إلى واحد منها بمفرده مع اشتماله على الجميع بل وغير ذلك مما لم يسبق فمنها الروعة التى له فى قلوب السامعين وأسماعهم سواء المقرين والجاحدين ثم إن سامعه إن كان مؤمنا به بداخله روعة فى أول سماعه وخشية ثم لا يزال بجد فى قلبه

هشاشة إليه ومحبة له وإن كان جاحدا وجد فيه مع تلك الروعة نفورا وعيا لا نقطاع مادته بحسن سمعه

ومنها أنه لم يزل ولا يزال ولا يزال غضا طريا فى أسماع السامعين وعلى ألسنة القارئين

ومنها ما ينتشر فيه عند تلاوته من إنزال الله إياه فى صورة كلام هو مخاطبة من الله لرسوله تارة ومخطبة أخرى لخلقه لا فى صورة كلام يستمليه من نفسه من قد قذف فى قلبه وأوحى إليه ما شاء أن يلقيه إلى عباده على لسانه فهو يأتى بالمعانى التى ألهمها بألفاظه التى يكسوها إياه كما يشاهد من الكتب المتقدمة

ومنها جمعه بين صفتى الجزالة والعذوبة وهما كالمتضادين لا يجتمعان غالبا فى كلام البشر لإن الجزالة من الألفاظ التى لا توجد إلا بما يشوبها من القوة وبعض الوعورة والعذوبة منها ما يضادها من السلاسة والسهولة فمن نحا نحو الصورة الأولى فإنما يقصد الفخامة والروعة فى الأسماع مثل الفصحاء من الأعراب وفحول الشعراء منهم ومن نحا نحو الثانية قصد كون الكلام فى السماع أعذب وأشهى وألذ مثل أشعار المخضرمين ومن داناهم من المولدين المتأخرين وترى ألفاظ القرآن قد جمعت فى نظمه كلتا الصفتين وذلك من أعظم وجوه البلاغة والإعجاز

ومنها جعله آخر الكتب غنيا عن غيره وجعل غيره من الكتب المتقدمة قد يحتاج إلى بيان يرجع فيه إليه كما قال تعالى إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون

فى قدر المعجز من القرآن

قال القاضى أبو بكر ذهب عامة أصحابنا وهو قول أبى الحسن الأ شعرى فى كتبه إلى أن أقل ما يعجز عنه من القرآن السورة قصيرة كانت أو طويلة أوما كان بقدرها ب

قال فإذا كانت الآية بقدر حروف سورة وإن كانت كسورة الكوثر فذلك معجز

قال ولم يقم دليل على عجزهم عن المعارضة فى داليل من هذا القدر

وذهبت المعتزلة إلى أن كل سورة برأسها فهى معجزة

وقد حكى عنهم نحو قولنا إلا أن منهم من لم يشترط كون الآية بقدر السورة بل شرط الآيات الكبيرة

وقد علمنا أنه تحداهم تحديا إلى السور كلها ولم يخص ولم يأتوا بشئ منها فعلم أن جميع ذلك معجز

وأما قوله تعالى فليأتوا بحديث مثله فلا يخالف هذا لأن الحديث التام لا تتحصل حكايته فى أقل من كلمات سورة قصيرة وهو يؤكد مذهب أصحابنا وإن كان قد يتأول قوله فليأتوا بحديث مثله فلا يخالف هذا لأن الحديث التام لا تتتحصل حكايته فى أقل من كلمات سورة قصيرة وهو يؤكد مذهب أصحابنا وإن كان قد يتأول قوله فليأتوا بحديث مثله على القبيل دون التفصيل وكذلك يحمل

قولة تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله على القبيل لأنه لم يجعل الحجة عليهم عجزهم عن الإتيان بجميعه من أوله إلى آخره

فإن قيل هل يعرف إعجاز السور القصار بما يعرف به إعجاز الطوال وهل يعرف إعجاز كل قدر من القرآن بلغ الحد الذى قدرتموه على ما تعرفون به إحجاز سورة البقرة ونحوها

قلنا إن أبا الحسن الأشعرى قد أجاب عن ذلك بأن كل سورة قد علم كونها معجزة بعجز العرب عنها وسمعت بعض الكبراء من أهل هذا الشأن يقول إنه يصح أن يكون علم ذلك توقيفا والطريقة الأولى أسد وتظهر فائتهما فى أن الأولى تبين أن ما علم به كون جميع ألقرآن معجزا موجود فى كل سورة قصرت أو طالت فيجب أن يكون الحكم فى الكل واحدا والأخرى تتضمن تقدير معرفة إعجاز القرآن بالطريق التى سلكناها

اعلم أه سبحانه تحداهم أولا فى الإتيان بمثله فقال قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ثم تحداهم بشر سور منه وقطع عذرهم بقول قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وإنما قال مفتريات من أجل أنهم قالوا لا علم لنا بما فيه من الأخبار الخالية والقصص البالغة فقيل لهم مفتريات إزاحة لعللهم وقطعا لأعذارهم فعجزوا فردهم من العشر إلى سورة واحدة من مثله مبالغة فى التعجيز لهم فقال وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين أى يشهدون لكم أنها في نظمه وبلاغته وجزالته فعجزوا فقال تعالى فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا مبالغة فى التعجيز وإفحاما لهم فاتقوا النار وهذه مبالغة فى الوعيد مع أن اللغة لغتهم والكلام كلامهم وناهيك بذلك أن الوليد بن المغيرة لعنه الله كان سيد قريش وأحد فصحائهم لما سمعه أخرس لسانه وبلد جنانه وأطفئ بيانه وقطعت حجته وقصم ظهره وظهر عجزه وذهل عقله حتى قال فد عرفنا الشعر كله هزجه ورجزه وفريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر قالت له قريش فساحر قال وما هو بساحر قد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثه ولا عقده والله إن لقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر

وإنه ليعلو ولا يعلى سمعت قولا يأخذ القلوب قالوا مجنون قال لا والله ما هو بمجنون ولا بخنقه ولا بوسوسته ولا رعشته قالو كاهن قال قد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكهان ولا بسجعهم ثم حملته الحمية فنكص على عقبيه وكابر حسه فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر مسألة ( فى أن التحدى إنما وقع للإنس دون الجن )

التحدى إنما وقع للإنس دون الجن لأن الجن ليسوا من أهل اللسان العربى الذى جاء القرآن على أساليبه وإنما ذكروا فى قوله قل لئن اجتمعت الإنس والجن تعظيما لإعجازه لأن الهيئة الاجتماعية لها من القوة ما ليس للأفراد فإذا فرض اجتماع جميع الإنس والجن وظاهر بعضهم بعضا وعجزوا عن العارضة كان الفريق الواحد أعجز ونظيره فى الفقه تقدم والأخ الشقيق على الأخ للأب فى ولاية النكاح مع أن الأمومة ليس لها مدخل فى النكاح فصل فى أنه هل يعلم إعجاز القرآن ضرورة

قال القاضى ذهب أبو الحسن الأشعرى إلى أن ظهور ذلك على النبى صلى الله عليه وسلم

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر