الجزء ٢ — ص ٦٢–٧١
الطمأنينة وجوابه أن الطمأنينة إنما تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد والوجل يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى فتوجل القلوب لذلك وقد جمع بينهما في قوله تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله 1 فإن هؤلاء قد سكنت نفوسهم إلى معتقدهم ووثقوا به فانتفى عنهم الشك
وكقوله خمسين ألف سنة 2 وفي موضع ألف سنة 2 وأجيب بأنه باعتبار حال المؤمن والكافر بدليل وكان يوما على الكافرين عسيرا 3
وكقوله بألف من الملائكة مردفين 4 وفي آية أخرى بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين 5 قيل إن الألف أردفهم بثلاثة آلاف وكان الأكثر مددا للأقل وكان ( الألف مردفين ) بفتحها
وكقوله تعالى خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء 6 وفي آية أخرى والأرض بعد ذلك دحاها 7 ولا تنافي بينهما فالأول ( 8 ) دال على أن الأرض وما فيها خلقت ( 9 ) قبل السماء وذلك صحيح ثم دحيت الأرض بعد خلق السماء وبذلك تتفق معاني الآيات في سورة القمر والمؤمن والنازعات
وكقوله تعالى ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام 1 وقوله قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين إلى قوله فقضاهن سبع سماوات في يومين 2 وذلك يبلغ ثمانية أيام والجواب أن المراد بقوله قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين إلى قوله وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام مع اليومين المتقدمين ولم يرد بذكر ( الأربعة ) غير ما تقدم ذكره وهذا كما يقول الفصيح ( سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام ) ( وسرت إلى الكوفة في ثلاثة عشر يوما ) ولا يريد سوى العشرة بل يريد مع العشرة ثلاثة ثم قال تعالى فقضاهن سبع سماوات في يومين 3 وأراد سوى الأربعة وذلك لا مخالفة فيه لأن المجموع يكون ستة
ومنه قوله تعالى في السجدة عذاب النار الذي كنتم به تكذبون 4 بلفظ ( الذي ) على وصف العذاب وفي سبأ عذاب النار التي 5 بلفظ ( التي ) على وصف النار وفيه أربعة أوجه أحدها أنه وصف العذاب في السجدة لوقوع ( النار ) موقع الضمير الذي لا يوصف وإنما وقعت موقع الضمير لتقدم إضمارها مع قوله وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها 4 فحق الكلام ( وقيل لهم ذوقوا عذابها ) فلما وضعها موضع المضمر الذي لا يقبل الوصف
عدل إلى وصف العذاب وأما في ( سبأ ) فوصفها لعدم المانع من وصفها والثاني أن الذي في ( السجدة ) وصف النار أيضا وذكر حملا على معنى الجحيم والحريق والثالث أن الذي في ( السجدة ) في حق من يقر بالنار ويجحد العذاب وفي ( سبأ ) في حق من يجحد أصل النار والرابع أنه إنما وصف العذاب في السجدة لأنه لما تقدم ذكر النار مضمرا ومظهرا عدل إلى وصف العذاب ليكون تلوينا للخطاب فيكون أنشط للسامع بمنزلة العدول من الغيبة إلى الخطاب
ومنه قوله تعالى توفته رسلنا 1 وقوله تتوفاهم الملائكة 2 وبين قوله قل يتوفاكم ملك الموت 3 وبين قوله الله يتوفى الأنفس 4 وهو الذي يتوفاكم بالليل 1 وجمع البغوي بينها لأن توفي الملائكة بالقبض والنزع وتوفي ملك الموت بالدعاء والأمر يدعو الأرواح فتجيبه ثم يأمر أعوانه بقبضها وتوفي الله سبحانه خلق الموت فيه
ومنه قوله تعالى في البقرة فاتقوا النار 5 وفي سورة التحريم نارا 6 بالتنكير لأنها نزلت بمكة قبل آية البقرة فلم تكن النار التي وقودها الناس والحجارة معروفة فنكرها ثم نزلت آية البقرة بالمدينة مشارا بها إلى ما عرفوه أولا
وقال في سورة البقرة رب اجعل هذا بلدا آمنا 7 وفي سورة إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا 8 لأنه في الدعوة الأولى كان مكانا فطلب منه أن يجعله بلدا آمنا وفي الدعوة الثانية كان بلدا غير آمن فعرفه وطلب له الأمن أو كان بلدا آمنا وطلب
@ 65 ثبات الأمن ودوامه وكون سورة البقرة مدنية وسورة إبراهيم مكية لا ينافي هذا لأن الواقع من إبراهيم كونه على الترتيب المذكور والإخبار عنه في القرآن على غير ذلك الترتيب أو لأن المكي منه ما نزل قبل الهجرة فيكون المدني متأخرا عنها ومنه ما نزل بعد فتح مكة فيكون متأخرا عن المدني فلم قلتم إن سورة إبراهيم من المكي الذي نزل قبل الهجرة & فصل [ في الإجابة عن بعض الاستشكالات ]
ومما استشكلوه قوله تعالى وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا 1 فإنه يدل على حصر المانع من الإيمان في أحد هذين الشيئين وقد قال تعالى في الآية الأخرى وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا 2 فهذا حصر في ثالث غيرهما
وأجاب ابن عبد السلام بأن معنى الآية وما منع الناس أن يؤمنوا إلا إرادة أن تأتيهم سنة من الخسف وغيره أو يأتيهم العذاب قبلا في الآخرة فأخبر أنه أراد أن يصيبهم أحد الأمرين ولا شك أن إرادة الله مانعة من وقوع ما ينافي المراد فهذا حصر في السبب الحقيقي لأن الله هو المانع في الحقيقة ومعنى الآية الثانية وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى
إلا استغراب بعثه بشرا رسولا لأن قولهم ليس مانعا من الإيمان لأنه يصلح لذلك وهو يدل على الإستغراب بالالتزام وهو المناسب للمانعية واستغرابهم ليس مانعا حقيقيا بل عاديا لجواز خلو الإيمان معه بخلاف إرادة الله تعالى فهذا حصر في المانع العادي والأولى حصر في المانع الحقيقي فلا تنافي انتهى
وقوله ( ليس مانعا من الإيمان ) فيه نظر لأن إنكارهم بعثه بشرا رسولا كفر مانع من الإيمان وفيه تعظيم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم وإن إنكارهم بعثته مانع من الإيمان & فصل [ في وقوع التعارض بين الآية والحديث ]
وقد يقع التعارض بين الآية والحديث ولا بأس يذكر شيء للتنبيه لأمثاله فمنه قوله تعالى والله يعصمك من الناس 1 وقد صح أنه شج يوم أحد
وأجيب بوجهين
أحدهما أن هذا كان قبل نزول هذه الآية لأن غزوة أحد كانت سنة ثلاث من الهجرة وسورة المائدة من أواخر ما نزل بالمدينة
والثاني بتقدير تسليم الأخير فالمراد العصمة من القتل وفيه تنبيه على أنه يجب عليه أن يحتمل كل ما دون النفس من أنواع البلاء فما أشد تكليف الأنبياء
ومنه قوله تعال ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون 1 مع قوله صلى الله عليه وسلم ( لن يدخل أحدكم الجنة بعمله )
وأجيب بوجهين
أحدهما ونقل عن سفيان وغيره كانوا يقولون النجاة من النار بعفو الله ودخول الجنة برحمته ( 2 ) وانقسام المنازل والدرجات بالأعمال ويدل له حديث أبي هريرة ( إن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم ) رواه الترمذي
والثاني أن الباء في الموضعين مدلولها مختلف ففي الآية باء المقابلة وهي الداخلة على الأعراض وفي الحديث للسببية لأن المعطي بعوض قد يعطي مجانا وأما المسبب فلا يوجد بدون السبب ومنهم من عكس هذا الجواب وقال الباء في الآية للسببية وفي الحديث للعوض وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ( سددوا وقاربوا واعلموا أن أحدا منكم لن ينجو بعمله ) قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ( ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ) ومنه قوله تعالى مخبرا عن خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام 3 فإنه يقتضي أن يكون يوما من أيام الجمعة بقي لم يخلق فيه شيء والظاهر من الأحاديث الصحاح أن الخلق ابتدأ يوم الأحد وخلق آدم يوم الجمعة آخر الأشياء فهذا يستقيم مع الآية الشريفة ووقع في صحيح مسلم أن الخلق ابتدأ يوم السبت فهذا بخلاف الآية اللهم إلا أن يكون أراد في الآية الشريفة جميع الأشياء غير آدم ثم يكون يوم الجمعة هو الذي لم يخلق فيه شيء مما بين السماء والأرض لأن آدم حينئذ لم يكن فيما بينهما
النوع السادس والثلاثون معرفة المحكم من المتشابه
قال الله تعالى منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات 1 قيل ولا يدل على الحصر في هذين الشيئين فإنه ليس فيه شيء من الطرق الدالة عليه وقد قال لتبين للناس ما نزل إليهم 2 والمتشابه لا يرجى بيانه والمحكم لا توقف معرفته على البيان
وقد حكى الحسين بن محمد بن حبيب النيسابوري في هذه المسألة ثلاثة أقوال
أحدها أن القرآن كله محكم لقوله تعالى كتاب أحكمت آياته 3
والثاني كله متشابه لقوله تعالى الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها 4
والثالث وهو الصيح أن منه محكما ومنه متشابها لقوله تعالى منه آيات محكمات هن أم الكتاب 5
فأما المحكم فأصله لغة المنع تقول أحكمت بمعنى رددت ومنعت والحاكم لمنعه الظالم من الظلم وحكمه اللجام هي التي تمنع الفرس من الاضطراب
وأما في الاصطلاح فهو ما أحكمته بالأمر والنهي وبيان الحلال والحرام
وقيل هو مثل قوله تعالى وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة 1
وقيل هو الذي لم ينسخ لقوله تعالى قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم 2 وقوله وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه 3 إلى آخر الآيات وهي سبعة عشر حكما مذكورة في سورة الأنعام وفي سورة بني إسرائيل
وقيل هو الناسخ
وقيل الفرائض والوعد والوعيد
وقيل الذي وعد عليه ثوابا أو عقابا وقيل الذي تأويله تنزيله بجعل القلوب تعرفه عند سماعه كقوله قل هو الله أحد 4 ليس كمثله شيء 5
وقيل مالا يحتمل في التأويل إلا وجها واحدا
وقيل ما تكرر لفظه
وأما المتشابه فأصله أن يشتبه اللفظ في الظاهر مع اختلاف المعاني كما قال تعالى في وصف ثمر الجنة وأتوا به متشابها 6 أي متفق المناظر مختلف الطعوم ويقال للغامض متشابه لأن جهة الشبه فيه كما تقول لحروف التهجي والمتشابه مثل المشكل لأنه أشكل أي دخل في شكل غيره وشاكله واختلفوا فيه فقيل هو المشتبه الذي يشبه بعضه بعضا وقيل هو المنسوخ الغير معمول به وقيل القصص والأمثال وقيل ما أمرت أن تؤمن به وتكل علمه إلى عالمه وقيل فواتح السور وقيل
ما لا يدرى إلا بالتأويل ولا بد من صرفه إليه كقوله تجري بأعيننا 1 و على ما فرطت في جنب الله 2 وقيل الآيات التي يذكر فيها وقت الساعة ومجيء الغيث وانقطاع الآجال كقوله إن الله عنده علم الساعة 3 وقيل ما يحتمل وجوها والمحكم ما يحتمل وجها واحدا وقيل مالا يستقل بنفسه إلا برده إلى غيره وقيل غير ذلك وكلها متقارب
وفصل الخطاب في ذلك أن الله سبحانه قسم الحق بين عباده فأولاهم بالصواب من عبر بخطابه عن حقيقة المراد قال سبحانه وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون 4 ثم قال ثم إن علينا بيانه 5 أي على لسانك وألسنه العلماء من أمتك وكلام السلف راجع إلى المشتبه بوجه لا إلى المقصود المعبر عنه بالمتشابه في خطابه لأن المعاني إذا دقت تداخلت وتشابهت على من لا علم له بها كالأشجار إذا تقارب بعضها من بعض تداخلت أمثالها ( 6 ) واشتبهت أي على من لم يمعن النظر في البحث عن منبعث كل فن منها قال تعالى وهو الذي أنشأ جنات معروشات 7 إلى قوله متشابها وهو على اشتباكه غير متشابه وكذلك سياق معاني القرآن العزيز قد تتقارب المعاني ويتقدم الخطاب بعضه على بعض ويتأخر بعضه عن بعض لحكمة الله في ترتيب الخطاب والوجود فتشتبك المعاني وتشكل إلا على أولي الألباب فيقال في هذا الفن متشابه بعضه ببعض وأما المتشابه من القرآن العزيز فهو يشابه بعضه بعضا في الحق والصدق والإعجاز والبشارة والنذارة وكل ما جاء به وأنه من
عند الله فذم سبحانه الذين يتبعون ما تشابه منه عليهم افتتانا وتضليلا فهم بذلك يتبعون ما تشابه عليهم تناصرا وتعاضدا للفتنة والإضلال تفريعات
الأول الأشياء التي يجب ردها عند الإشكال إلى أصولها
فيجب رد المتشابهات في الذات والصفات إلى محكم ليس كمثله شيء 1
ورد المتشابهات في الأفعال إلى قوله قل فلله الحجة البالغة 2 وكذلك الآيات الموهمة نسبة الأفعال لغير الله تعالى من الشيطان والنفس ترد إلى محكم قوله تعالى ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا 3 وما كان من ذلك عن تنزل الخطاب أو ضرب مثال أو عبارة عن مكان أو زمان أو معية أو ما يوهم التشبيه فمحكم ذلك قوله ليس كمثله شيء 1 وقوله ولله المثل الأعلى 4 وقوله قل هو الله أحد 5
ومنه ضرب في تفصيل ذكر النبوة ووصف إلقاء الوحي ومحكمه قوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون 6 وقوله وما ينطق عن الهوى 7
ومنه ضرب في الحلال والحرام ومن ثم اختلف الأئمة في كثير من الأحكام بحسب فهمهم لدلالة القرآن
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر