علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٥٨ من ١٩٤

الجزء ٢ — ص ٧٢–٨١

ومنه شيء يتقارب فيه بين اللمتين لمة الملك ولمة الشيطان لعنه الله ومحكم ذلك قوله تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان 1 الآية ولهذا قال عقبة يعظكم لعلكم تذكرون 1 أي عندما يلقى العدو الذي لا يأمر بالخير بل بالشر والإلباس

ومنه الآيات التي اختلف المفسرون فيها على أقوال كثيرة تحتملها الآية ولا يقطع على واحد من الأقوال وأن مراد الله منها غير معلوم لنا مفصلا بحيث يقطع به

الثاني أن هذه الآية من المتشابه أعني قوله وأخر متشابهات 2 الآية من حيث تردد الوقف فيها بين أن يكون على إلا الله وبين أن يكون على والراسخون في العلم يقولون آمنا به وتردد الواو في والراسخون بين الاستئناف والعطف ومن ثم ثار الخلاف في ذلك

فمنهم من رجح أنها للاستئناف وأن الوقف على إلا الله وأن الله تعبد من كتابه بما لا يعلمون وهو المتشابه كما تعبدهم من دينه بما لا يعقلون وهو التعبدات ولأن قوله يقولون آمنا به متردد بين كونه حالا فضلة وخبرا عمدة والثاني أولى

ومنهم من رجح أنها للعطف لأن الله تعالى لم يكلف الخلق بما لا يعلمون وضعف الأول لأن الله لم ينزل شيئا من القرآن إلا لينتفع به عباده ويدل به على معنى أراده فلو كان المتشابه لا يعلمه غير الله ( 3 ) للزمنا ولا يسوغ لأحد أن يقول إن رسول الله

صلى الله عليه وسلم لم يعلم المتشابه فإذا جاز أن يعرفه الرسول مع قوله وما يعلم تأويله إلا الله جاز أن يعرفه الربانيون من صحابته والمفسرون من أمته ألا ترى أن ابن عباس كان يقول أنا من الراسخين في العلم ويقول عند قراءة قوله في أصحاب الكهف ما يعلمهم إلا قليل 1 أنا من أولئك القليل

وقال مجاهد في قوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يعلمونه و يقولون آمنا به ولو لم يكن للراسخين في العلم حظ من المتشابه إلا أن يقولوا آمنا لم يكن لهم فضل على الجاهل لأن الكل قائلون ذلك ونحن لم نر المفسرين إلى هذه الغاية توقفوا عن شيء من القرآن فقالوا هو متشابه لا يعلمه إلا الله بل أمروه على التفسير حتى فسروا الحروف المقطعة

فإن قيل كيف يجوز في اللغة أن يعلم الراسخون والله يقول والراسخون في العلم يقولون آمنا به وإذا أشركهم في العلم انقطعوا عن قوله يقولون لأنه ليس هنا عطف حتى يوجب للراسخين فعلين

قلنا إن يقولون هنا في معنى الحال كأنه قال والراسخون في العلم قائلين آمنا كما قال الشاعر ( 2 % % الريح تبكي شجوها % % والبرق يلمع في غمامه % % أي لامعا

وقيل المعنى ( يعلمون ويقولون ) فحذف واو العطف كقوله وجوه يومئذ ناضرة 3 والمعنى يقولون علمنا وآمنا لأن الإيمان قبل العلم محال

إذ لا يتصور الإيمان مع الجهل وأيضا لو لم يعلموها لم يكونوا من الراسخين ولم يقع الفرق بينهم وبين الجهال

الثالث ومن هذا الخلاف نشأ الخلاف في أنه هل في القرآن شيء لا تعلم الأمة تأويله قال الراغب ( 1 ) في مقدمة تفسيره وذهب عامة المتكلمين إلى أن كل القرآن يجب أن يكون معلوما وإلا لأدى ( 2 ) إلى إبطال فائدة الانتفاع به وحملوا قوله والراسخون بالعطف على قوله إلا الله وقوله يقولون جملة حالية

قال ذهب كثير من المفسرين إلى أنه يصح أن يكون في القرآن بعض مالا يعلم تأويله إلى الله قال ابن عباس أنزل الله القرآن على أربعة أوجه حلال وحرام ووجه لا يسع أحد جهالته ووجه تعرفه العرب ووجه تأويل لا يعلمه إلا الله

وقال بعضهم المتشابه اسم لمعنيين

أحدهما لما التبس من المعنى لدخون شبهة بعضه في بعض نحو قوله إن البقر تشابه علينا 3 الآية

والثاني اسم لما يوافق بعضه بعضا ويصدقه قوله تعالى كتابا متشابها مثاني 4 الآية

فإن كان المراد بالمتشابه في القرآن الأول فالظاهر أنه لا يمكنهم الوصول إلى مراده وإن جاز أن يطلعهم عليه بنوع من لطفه لأنه اللطيف الخبير وإن كان المراد الثاني جاز أن يعلموا مراده

الرابع قيل ما الحكمة في إنزال المتشابه ممن أراد لعباده البيان والهدى

قلنا إن كان ممن يمكن علمه فله فوائد

منها ليحث العلماء على النظر الموجب للعلم بغوامضه والبحث عن دقائق معانيه فإن استدعاء الهمم لمعرفة ذلك من أعظم القرب وحذرا مما قال المشركون إنا وجدنا آباءنا على أمة 1 وليمتحنهم ويثيبهم كما قال وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده 2 الآية وقوله ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات 3 فنبههم على أن أعلى المنازل هو الثواب فلو كان القرآن كله محكما لا يحتاج إلى تأويل لسقطت المحنة وبطل التفاضل واستوت منازل الخلق ولم يفعل الله ذلك بل جعل بعضه محكما ليكون أصلا للرجوع إليه وبعضه متشابها يحتاج إلى الاستنباط والاستخراج ورده إلى المحكم ليستحق بذلك الثواب الذي هو الغرض وقد قال تعالى ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين 4

ومنها إظهار فضل العالم على الجاهل ويستدعيه علمه إلى المزيد ( 5 ) في الطلب في تحصيله ليحصل له درجة الفضل والأنفس الشريفة تتشوف لطلب العلم وتحصيله

وأما إن كان ممن لا يمكن علمه فله فوائد

منها إنزاله ابتلاء وامتحانا بالوقف فيه والتعبد بالاشتغال من جهة التلاوة وقضاء فرضها وإن لم يقفوا على ما فيها من المراد الذي يجب العمل به اعتبارا بتلاوة المنسوخ من

القرآن وإن لم يعجز العمل بما فيه من المحكم ويجوز أن يمتحنهم بالإيمان بها حيث ادعوا وجوب رعاية الأصلح

ومنها إقامة الحجة بها عليهم وذلك إنما نزل بلسانهم ولغتهم ثم عجزوا عن الوقوف على ما فيها مع بلاغتهم وإفهامهم فيدل على أن الذي أعجزهم عن الوقوف هو الذي أعجزهم عن تكرر الوقوف عليها وهو الله سبحانه

الخامس أثار بعضهم سؤالا وهو هل للمحكم مزية على المتشابه بما يدل عليه أو هما سواء والثاني خلاف الإجماع والأول ينقض أصلكم أن جميع كلامه سبحانه سواء وأنه نزل بالحكمة

وأجاب أبو عبد الله محمد بن أحمد البكراباذي بأن المحكم كالمتشابه من وجه ويخالفه من وجه فيتفقان في أن الاستدلال بهما لا يمكن إلا بعد معرفة حكمة الواضع وأنه لا يختار ( 1 ) القبيح ويختلفان في أن المحكم بوضع اللغة لا يحتمل إلا الوجه الواحد فمن سمعه أمكنه أن يستدل به ( 2 ) في الحال والمتشابه يحتاج إلى ذكر مبتدأ ونظر مجدد عند سماعه ليحمله على الوجه المطابق ولأن المحكم آصل والعلم بالأصل أسبق ولأن المحكم يعلم مفصلا والمتشابه لا يعلم إلا مجملا

فإن قيل إذا كان المحكم بالوضع كالمتشابه وقد قلتم إن من حق هذه اللغة أن يصح فيها الاحتمال ويسوغ التأويل فبما يميز المحكم في أنه لا بد له من مزية سيما والناس قد اختلفوا فيهما كاختلافهم في المذاهب فالمحكم عند السني متشابه عند القدري

فالجواب أن الوجه الذي أوردته ( 3 ) يلجئ إلى الرجوع إلى العقول فيما يتعلق

بالتفريد والتنزيه فإن العلم بصحة خطابه يفتقر إلى العلم بحكمته وذلك يتعلق بصفاته فلا بد من تقدم معرفته ليصح له مخرج كلامه فأما في الكلام فيما يدل على الحلال والحرام فلا بد من مزية للمحكم وهو أن يدل ظاهره على المراد أو يقتضي بانضمامه أنه مما لا يحتمل الوجه الواحد

وللمحكم في باب الحجاج عند غير المخالف مزية لأنه لا يمكن أن يبين له أنه مخالف للقرآن وأن ظاهر المحكم يدل على خلاف ما ذهب إليه وإن تمسك بمتشابه القرآن وعدل عن محكمه لما أنه تمسك بالشبه العقلية وعدل عن الأدلة السمعية وذلك لطف وبعث على النظر لأن المخالف المتدين يؤثر ذلك ليتفكر فيه ويعمل فإن اللغة وإن توقفت محتملة ففيها ما يدل ظاهره على أمر واحد وإن جاز صرفه إلى غيره بالدليل ثم يختلف ففيه ما يكره صرفه لاستبعاده في اللغة

النوع السابع والثلاثون & في حكم الآيات المتشابهات الواردة في الصفات

وقد اختلف الناس في الوارد منها في الآيات والأحاديث على ثلاث فرق

أحدها أنه لا مدخل للتأويل فيها بل تجري على ظاهرها ولا تؤول شيئا منها وهم المشبهة

والثاني أن لها تأويلا ولكنا نمسك عنه مع تنزيه اعتقادنا عن الشبه والتعطيل ونقول لا يعلمه إلا الله وهو قول السلف

والثالث أنها مؤولة وأولوها على ما يليق به

والأول باطل والأخيران منقولان عن الصحابة فنقل الإمساك عن أم سلمة أنها سئلت عن الاستواء فقالت الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وكذلك سئل عنه مالك فأجاب بما قالته أم سلمة إلا أنه زاد فيها أن من عاد إلى هذا السؤال عنه أضرب عنقه وكذلك سئل سفيان الثوري فقال أفهم من قوله الرحمن على العرش استوى 1 ما أفهم من قوله ثم استوى إلى السماء 2 وسئل الأوزاعي عن تفسير هذه الآية فقال الرحمن على العرش استوى 1 كما قال وإني لأراك ضالا وسئل ابن راهويه عن الاستواء أقائم هو أم قاعد فقال لا يمل القيام حتى يقعد ولا يمل القعود حتى يقوم وأنت إلى هذا السؤال أحوج

قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح وعلى هذه الطريقة مضى صدر الأمة وسادتها

وإياها اختار أئمة الفقهاء وقادتها وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه ولا أحد من المتكلمين من أصحابنا يصدف عنها ويأباها

وأفصح الغزالي عنهم في غير موضع بتهجين ما سواها حتى ألجم آخرا في ( إلجامه ) كل عالم أو عامي عما عداها

قال وهو كتاب ( إلجام العوام عن علم الكلام ) ( 1 ) آخر تصانيف الغزالي مطلقا آخر تصانيفه في أصول الدين حث فيه على مذاهب السلف ومن تبعهم

وممن نقل عنه التأويل علي وابن مسعود وابن عباس وغيرهم

وقال الغزالي في كتاب ( التفرقة بين الإسلام والزندقة ) ( 2 ) إن الإمام أحمد أول في ثلاثة مواضع ( 3 ) وأنكر ذلك عليه بعض المتأخرين

قلت وقد حكى ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى تأويل أحمد في قوله تعالى أو يأتي ربك 4 قال وهل هو إلا أمره بدليل قوله أو يأتي أمر ربك 5 واختار ابن برهان ( 6 ) وغيره من الأشعرية التأويل قال ومنشأ الخلاف بين

الفريقين أنه هل يجوز في القرآن شيء لا يعلم معناه فعندهم يجوز فلهذا منعوا التأويل واعتقدوا التنزيه على ما يعلمه الله

وعندنا لا يجوز ذلك بل الراسخون يعلمونه

قلت وإنما حملهم على التأويل وجوب حمل الكلام على خلاف المفهوم من حقيقته لقيام الأدلة على استحالة المتشابه والجسمية في حق البارئ تعالى والخوض في مثل هذه الأمور خطره عظيم وليس بين المعقول والمنقول تغاير في الأصول بل التغاير إنما يكون في الألفاظ واستعمال المجاز لغة العرب وإنما قلنا لا تغاير بينهما في الأصول لما علم بالدليل أن العقل لا يكذب ما ورد به الشرع إذ لا يرد الشرع بما لا يفهمه العقل إذ هو دليل الشرع وكونه حقا ولو تصور كذب العقل في شيء لتصور كذبه في صدق الشرع فمن طالت ممارسته العلوم وكثر خوضه في بحورها أمكنه التلفيق بينهما لكنه لا يخلو من أحد أمرين إما تأويل يبعد عن الأفهام أو موضع لا يتبين فيه وجه التأويل لقصور الأفهام عن إدراك الحقيقة والطمع في تلفيق كل ما يرد مستحيل ( 1 ) المرام والمرد إلى قوله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير 2

ونحن نجري في هذا الباب على طريق المؤولين حاكين كلامهم

فمن ذلك صفة الاستواء فحكى مقاتل والكلبي عن ابن عباس أن استوى ( 2 ) بمعنى استقر وهذا إن صح يحتاج إلى تأويل فإن الاستقرار يشعر بالتجسيم

وعن المعتزلة بمعنى ( استولى وقهر ) ورد بوجهين

أحدهما بأن الله تعالى مستول على ( 1 ) الكونين والجنة والنار وأهلهما فأي فائدة في تخصيص العرش

الثاني أن الاستيلاء إنما يكون بعد قهر وغلبة والله تعالى منزه عن ذلك قاله ابن الأعرابي

وقال أبو عبيد بمعنى ( صعد ) ورد بأنه يوجب هبوطا منه تعالى حتى يصعد وهو منفي عن الله

وقيل ( الرحمن على العرش استوى ) فجعل ( علا ) فعلا لا حرفا حكاه الأستاذ إسماعيل الضرير ( 2 ) في تفسيره ورد ( 3 ) بوجهين

أحدهما أنه جعل الصفة فعلا ومصاحف أهل الشام والعراق والحجاز قاطعة بأن ( على ) هنا حرف ولو كان فعلا لكتبوها باللام ألف كقوله ولعلا بعضهم على بعض 4

والثاني أنه رفع العرش ولم يرفعه أحد من القراء

وقيل تم الكلام عند قوله الرحمن على العرش ثم ابتدأ بقوله استوى له ما في السماوات وما في الأرض 5 وهذا ركيك يزيل الآية عن نظمها ومرادها

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر