الجزء ٢ — ص ٥٢–٦١
لأن دليل العقل يقضي بالجواز ويجوز تخليص النفي بالدنيا والإثبات بالقيامة
وكذلك لا يجوز جعل قوله وما مسنا من لغوب 1 معارضا لقوله وهو أهون عليه 2 بل يجب تأويل ( أهون ) على ( هين )
ولا جعل قوله تعالى ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا 3 معارضا لأمره نبيه وأمته بالجدال في قوله وجادلهم بالتي هي أحسن 4 فيحمل الأول على ذم الجدال الباطل
ولا يجوز جعل قوله ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام 5 معارضا لقوله كل من عليها فان 6 & فصل [ في تعارض القراءتين في آية واحدة ] ( 7 )
وقد جعلوا تعارض القراءتين في آية واحدة كتعارض الآيتين كقوله وأرجلكم 8 بالنصب والجر وقالوا يجمع بينهما بحمل إحداهما على مسح الخف والثانية على غسل الرجل إذا لم يجد متعلقا سواهما
وكذلك قراءة يطهرن و يطهرن 1 حملت الحنفية إحداهما على ما دون العشرة والثانية على العشرة
واعلم أنه إذا لم يكن لها متعلق سواهما تصدى لنا الإلغاء أو الجمع فأما إذا وجدنا متعلقا سواهما فالمتعلق هو المتبع فائدة ( 2 ) [ في القول في الاختلاف والتناقض ]
قال أبو بكر الصيرفي في شرح ( رسالة الشافعي ) جماع الاختلاف والتناقض أن كل كلام صح أن يضاف بعض ما وقع الاسم عليه إلى وجه من الوجوه فليس فيه تناقض وإنما التناقض في اللفظ ما ضاده من كل جهة على حسب ما تقتضيه الأسماء ولن يوجد في الكتاب ولا في السنة شيء من ذلك أبدا وإنما يوجد فيه النسخ في وقتين بأن يوجب حكما ثم يحله وهذا لا تناقض فيه وتناقض الكلام لا يكون إلا في إثبات ما نفي أو نفي ما أثبت بحيث يشترك المثبت والمنفي في الاسم والحدث والزمان والأفعال والحقيقة فلو كان الاسم حقيقة في أحدهما وفي الآخر مستعارا ونفي أحدهما وأثبت الآخر لم يعد تناقضا
هذا كله في الأسماء وأما المعاني وهو باب القياس فكل من أوجد علة وحررها
وأوجب بها حكما من الأحكام ثم ادعى تلك العلة بعينها فيما يأباه الحكم فقد تناقض فإن رام الفرق لم يسمع منه لأنه في فرقه تناقض والزيادة في العلة نقص أو تقصير عن تحريرها في الابتداء وليس هذا على السائل
وكل مسألة يسأل عنها فلا تخلو من أحد وجهين إما أن يسأل فيما يستحق الجواب عنه أو لا فأما المستحق للجواب فهو ما يمكن كونه ويجوز وأما ما استحال كونه فلا يستحق جوابا لأن من علم أنه لا يجتمع القيام والقعود فسأل هل يكون الإنسان قائما منتصبا جالسا في حال واحدة فقد أحال وسأل عن محال فلا يستحق الجواب فإن كان لا يعرف القيام والقعود عرف فإذا عرفه فقد استحال عنده ما سأله
قال وقد رأيت كثيرا مما يتعاطى العلم يسأل عن المحال ولا يدري أنه محال ويجاب عنه والآفات تدخل على هؤلاء لقلة علمهم بحق الكلام & فصل [ في الأسباب الموهمة الاختلاف ]
وللاختلاف أسباب
الأول وقوع المخبر به على أحوال مختلفة وتطويرات شتى كقوله تعالى في خلق آدم إنه من تراب 1 ومرة من حمإ مسنون 2 ومرة من طين لازب 3 ومرة من صلصال كالفخار 4 وهذه الألفاظ مختلفة ومعانيها في أحوال مختلفة
لأن الصلصال غير الحمأ والحمأ غير التراب إلا أن مرجعها كلها إلى جوهر وهو التراب ومن التراب تدرجت هذه الأحوال
ومنه قوله تعالى فإذا هي ثعبان مبين 1 وفي موضع تهتز كأنها جان 2 والجان الصغير من الحيات والثعبان الكبير منها وذلك لأن خلقها خلق الثعبان العظيم واهتزازها وحركاتها وخفتها كاهتزاز الجان وخفته
السبب الثاني لاختلاف الموضوع كقوله تعالى وقفوهم إنهم مسؤولون 3 وقوله فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين 4 مع قوله فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان 5 قال الحليمي فتحمل الآية الأولى على السؤال عن التوحيد وتصديق الرسل والثانية على ما يستلزم الإقرار بالنبوات من شرائع الدين وفروعه حمله غيره على اختلاف الأماكن لأن في القيامة مواقف كثيرة فموضع يسأل ويناقش وموضع آخر يرحم ويلطف به وموضع آخر يعنف ويوبخ وهم الكفار وموضع آخر لا يعنف وهم المؤمنون
وقوله ولا يكلمهم الله يوم القيامة 6 مع قوله فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون 7 وقيل المنفي كلام التلطف والإكرام والمثبت سؤال التوبيخ والإهانة فلا تنافي
وكقوله تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها 8 مع قوله يضاعف لهم العذاب
1 والجواب أن التضعيف هنا ليس على حد التضعيف في الحسنات بل هو راجع لتضاعيف مرتكباتهم فكان لكل مرتكب منها عذاب يخصه فليس التضعيف من هذا الطريق على ما هو في الطريق الآخر وإنما المراد هنا تكثيره بحسب كثرة المجترحات لأن السيئة الواحدة يضاعف الجزاء عليها بدليل سياق تلك الآية وهو قوله ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون 2 فهؤلاء كذبوا على ربهم وصدوا عن سبيله وبغوها عوجا وكفروا فهذه مرتكبات عذبوا بكل مرتكب منها
وكقوله ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين 3 مع قوله ولا يكتمون الله حديثا 4 فإن الأولى تقتضي أنهم كتموا كفرهم السابق
والجواب من وجهين أحدهما أن للقيامة مواطن ففي بعضها يقع منهم الكذب وفي بعضها لا يقع كما سبق والثاني أن الكذب يكون بأقوالهم ( 5 ) والصدق يكون من جوارحهم فيأمرها الله تعالى بالنطق فتنطق بالصدق
وكقوله ولا تكسب كل نفس إلا عليها 6 مع قوله لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت 7 والجواب أن المراد لا تكسب شرا ولا إثما بدليل سبب
النزول ( 1 ) أو ضمن معنى ( تجني ) وهذه الآية أقتصر فيها على الشر والأخرى ذكر فيها الأمران ولهذا لما ( 2 ) ذكر القسمين ذكر ما يميز أحدهما عن الآخر وهاهنا لما كان المراد ذكر أحدهما اقتصر عليه ب ( فعل ) ولم يأت ب ( افتعل )
ومنه قوله تعالى اتقوا الله حق تقاته 3 مع قوله فاتقوا الله ما استطعتم 4 يحكى عن الشيخ العارف ( 5 ) أبي الحسن الشاذلي رحمه الله أنه جمع بينهما فحمل الآية الأولى على التوحيد والثانية على الأعمال والمقام يقتضي ذلك لأنه قال بعد الأولى ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون 3
وقيل بل الثانية ناسخة قال ابن المنير الظاهر أن قوله اتقوا الله حق تقاته 3 إنما نسخ حكمه لا فضله وأجره وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم حق تقاته بأن قال ( هو أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر ) فقالوا أينا يطيق ذلك فنزلت فاتقوا الله ما استطعتم 4 وكان التكليف أولا باستيعاب العمر بالعبادة بلا فترة ولا نعاس كما كانت الصلاة خمسين ثم صارت بحسب الاستطاعة خمسا والاقتدار منزل على هذا الاعتبار ولم ينحط من درجاته
وقال الشيخ كمال الدين الزملكاني ( 1 ) وفي كون ذلك منسوخا نظر وقوله ما استطعتم هو حق تقاته إذ به أمر فإن حق تقاته الوقوف على أمره ودينه وقد قال بذلك كثير من العلماء انتهى
والحديث الذي ذكره ابن المنير في تفسيره حق تقاته 2 لم يثبت مرفوعا بل هو من كلام ابن مسعود رواه النسائي وليس فيه قول الصحابة ( أينا يطيق ذلك ) ونزول قوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم
ومنه قوله تعالى فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة 3 مع قوله في أواخر السورة ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم 4 فالأولى تفهم إمكان العدل والثانية تنفيه
والجواب أن المراد بالعدل في الأولى العدل بين الأزواج في توفية حقوقهن وهذا ممكن الوقوع وعدمه والمراد به في الثانية الميل القلبي فالإنسان لا يملك ميل قلبه إلى بعض زوجاته دون بعض وقد كان صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه ثم يقول ( اللهم هذا قسمي في ما أملك فلا تؤاخذني بما لا أملك ) يعني ميل القلب وكان عمر يقول ( الله قلبي فلا أملكه وأما ما سوى ذلك فأرجو أن أعدل )
ويمكن أن يكون المراد بالعدل في الثانية العدل التام أشار إليه ابن عطية
وقد يحتاج الاختلاف إلى تقدير فيرتفع به الإشكال كقوله تعالى لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى
1 ثم قال سبحانه وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما 1 والأصل في الأولى وفضل الله المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر درجة والأصل في الثانية وفضل الله المجاهدين على القاعدين من الأصحاء درجات
وممن ذكر أن المحذوف كذلك الإمام بدر الدين بن مالك ( 2 ) في شرح ( الخلاصة ) في الكلام على حذف النعت وللزمخشري فيه كلام آخر ( 3 )
وكقوله تعالى إن الله لا يأمر بالفحشاء 4 مع قوله أمرنا مترفيها ففسقوا فيها 5 والمعنى أمرناهم وملكناهم وأردنا منهم الصلاح فأفسدوا والمراد بالأمر في الأولى أنه لا يأمر به شرعا ولكن قضاء لاستحالة أن يجري في ملكه مالا يريد وفرق بين الأمر الكوني والديني
الثالث لاختلافهما في جهتي الفعل كقوله تعالى فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم 6 أضيف القتل إليهم على جهة الكسب والمباشرة ونفاه عنهم باعتبار التأثير ولهذا قال الجمهور إن الأفعال مخلوقة لله تعالى مكتسبة للآدميين فنفي الفعل بإحدى الجهتين لا يعارضه إثباته بالجهة الأخرى
وكذا قوله وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى 1 أي ما رميت خلقا إذ رميت كسبا وقيل إن الرمي يشتمل على القبض والإرسال وهما بكسب الرامي وعلى التبليغ والإصابة وهما بفعل الله عز وجل قال ابن جرير الطبري ( 2 ) وهي الدليل على أن الله خالق لأفعال العباد فإن الله تعالى أضافه إلى نبيه ثم نفاه عنه وذلك فعل واحد لأنه من الله تعالى التوصيل إليهم ومن نبيه بالحذف والإرسال وإذا ثبت هذا لزم مثله في سائر أفعال العباد المكتسبة فمن الله تعالى الإنشاء والإيجاد ومن الخلق الاكتساب بالقوى
ومثله قوله تعالى الرجال قوامون على النساء 3 وقال تعالى وقوموا لله قانتين 4 فقيام الانتصاب لا ينافي القيام بالأمر لاختلاف جهتي الفعل
الرابع لاختلافهما في الحقيقة والمجاز كقوله وترى الناس سكارى وما هم بسكارى 5 ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت 6 وهو يرجع لقول المناطقة الاختلاف بالإضافة أي وترى الناس سكارى بالإضافة إلى أهوال القيامة مجازا وما هم بسكارى بالإضافة إلى الخمر حقيقة
ومثله في الاعتبارين قوله تعالى آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين 7 وقوله ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون 8 وقوله تعالى
وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون 1 فإنه لا يلزم من نفي النظر نفي الإبصار لجواز قولهم ( نظرت إليه فلم أبصره )
الخامس بوجهين واعتبارين وهو الجامع للمفترقات كقوله فبصرك اليوم حديد 2 وقال خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي 3 قال قطرب فبصرك 2 أي علمك ومعرفتك بها قوية من قولهم ( بصر بكذا وكذا ) أي علم وليس المراد رؤية العين قال الفارسي ويدل على ذلك قوله فكشفنا عنك غطاءك 2 وصف البصر بالحدة
وكقوله تعالى وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك 4 مع قوله أنا ربكم الأعلى 2 فقيل يجوز أن يكون معناه ويذرك وآلهتك إن ساغ لهم ويكون إضافة الآلهة إليه ملكا كان يعبد في دين قومه ثم يدعوهم إلى أن يكون هو الأعلى كما تقول العرب موالي من فوق وموالي من أسفل فيكون اعتقادهم في الآلهة مع فرعون أنها مملوكة له فيحسن قولهم ( وآلهتك )
وقوله تعالى الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله 6 مع قوله إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم 7 فقد يظن أن الوجل خلاف
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر