الجزء ١ — ص ٤٨٢–٤٩١
وفى سياق كلام لأبى بكر وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون فقصد الكلام ولم يقصد التلاوة
وقول على رضى الله عنه إنى مبايع صاحبكم ليقضي الله أمرا كان مفعولا
وقول الخطيب ابن نباتة هناك يرفع الحجاب ويوضع الكتاب ويجمع من له الثواب وحق عليه العذاب فضرب بينهم بسور له باب
وقال النووى رحمه الله إذا قال خذ الكتاب بقوة وهو جنب وقصد غير القرآن جاز له وله أن يقول سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين
قال إمام الحرمين إذا قصد القرآن بهذه الآيات عصى وإن قصد الذكر ولم يقصد شيئا لم يعص
وللطرطوشى % % رحل الظاعنون عنك وأبقوا % % فى حواشى الأحشاء وجدا مقيما % % قد وجدنا السلام يردا سلاما % % إذ وجدنا النوى عذابا أليما % $
وثبت عن الشافعى
% % أنلنى بالذى استقرضت خطا % % وأشهد معشرا قد شاهدوه % % فإن الله خلاق البرايا % % عنت لجلال هيبته الوجوه % % يقول إذا تداينتم بدين % % إلى أجل مسمى فاكتبوه % $
ذكر القاضى أبو بكر الباقلانى أن تضمين القرآن فى الشعر مكروه وأئمة البيان جوزوه وجعلوه من أنواع البديع وسماه القدماء تضمينا والمتأخرون اقتباسا وسموا ما كان من شعر تضمينا
مسألة
يكره ضرب الأمثال بالقرآن
يكره ضرب الأمثال بالقرآن نص عليه من أصحابنا العماد النيهى صاحب البغوى كما وجدته فى رحلة ابن الصلاح بخطه
وفى كتاب فضائل القرآن لأبى عبيد عن النخعى قال كانوا يكرهون أن يتلو الآية عند شىء يعرض من أمور الدنيا
قال أبو عبيد وكذلك الرجل يريد لقاء صاحبه أو يهم بحاجته فيأتيه من غير طلب فيقول كالمازح جئت على قدر يا موسى فهذا من الاستخفاف بالقرآن ومنه قول ابن شهاب لا تناظر بكتاب الله ولا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو عبيد يقول لا تجعل لهما نظيرا من القول ولا الفعل
تنبيه
لا يجوز تعدى أمثلة القرآن
لا يجوز تعدى أمثلة القرآن ولذلك أنكر على الحريرى فى قوله في مقامته الخامسة عشرة فأدخلنى بيتا أحرج من التابوت وأوهى من بيت العنكبوت فأى معنى أبلغ من معنى أكده الله من ستة أوجه حيث قال وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت فأدخل إن وبنى أفعل التفضيل وبناه من الوهن وأضافه إلى الجمع وعرف الجمع باللام وأتى فى خبر إن باللام وقد قال تعالى وإذا قلتم فاعدلوا وكان اللائق بالحريرى ألا يتجاوز هذه المبالغة وما بعد تمثيل الله تمثيل وقول الله أقوم قيل وأوضح سبيل ولكن قال الله تعالى إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة وقد ضرب النبى صلى الله عليه وسلم مثالا لما دون ذلك فقال لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة وكذلك قول بعضهم % % ولو أن ما بى من جوى وصبابة % % على جمل لم يبق فى النار خالد % $
غفر الله له والله تعالى يقول ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط فقد جعل ولوج الجمل فى السم غاية لنفى دخولهم الجنة وتلك غاية لا توجد فلا يزال دخولهم الجنة منفيا وهذا الشاعر وصف جسمه بالنحول بما يناقض الآية ومن هذا
جرت مناظرة بين أبى العباس أحمد بن سريج ومحمد بن داود الظاهرى قال أبو العباس له أنت تقول بالظاهر وتنكر القياس فما تقول فى قول الله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره فمن يعمل مثقال نصف ذرة ما حكمه فسكت محمد طويلا وقال أبلعنى ريقى قال له أبو العباس قد أبلعتك دجلة قال أنظرنى ساعة قال أنظرتك إلى قيام الساعة وافترقا ولم يكن بينهما غير ذلك
وقال بعضهم وهذا من مغالطات ابن سريج وعدم تصور ابن داود لأن الذرة ليس لها أبعاض فتمثل بالنصف والربع وغير ذلك من الأجزاء ولهذا قال سبحانه إن الله لا يظلم مثقال ذرة فذكر سبحانه مالا يتخيل فى الوهم أجزاؤه ولا يدرك تفرقه
النوع الحادى والثلاثون
معرفة الأمثال
الكائنة فيه
وقد روى البيهقى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن القرآن نزل على خمسة أوجه حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال فاعملوا بالحلال واجتنبوا الحرام واتبعوا المحكم وآمنوا بالمتشابه واعتبروا بالأمثال
وقد عده الشافعى مما يجب على المجتهد معرفته من علوم القرآن فقال ثم معرفة ما ضرب فيه من الأمثال الدوال على طاعته المثبتة لاجتناب معصيته وترك الغفلة عن الحفظ والازدياد من نوافل الفضل
وقد صنف فيه من المتقدمين الحسن بن الفضل وغيره وحقيقته إخراج الأغمض إلى الأظهر وهو قسمان ظاهر وهو المصرح به وكامن وهو الذى لا ذكر للمثل فيه وحكمه حكم الأمثال
وقسمه أبو عبد الله البكراباذى إلى أربعة أوجه أحدها إخراج ما لا يقع عليه الحس إلى ما يقع عليه وثانيها إخراج ما لا يعلم ببديهة العقل إلى ما يعلم بالبديهة وثالثها إخراج ما لم تجر به العادة إلى ما جرت به العادة ورابعها إخراج مالا قوة له من الصفة إلى ما له قوة
وضرب الأمثال فى القرآن يستفاد منه أمور كثيرة التذكير والوعظ والحث
والزجر والاعتبار والتقرير وترتيب المراد للعقل وتصويره فى صورة المحسوس بحيث يكون نسبته للفعل كنسبة المحسوس إلى الحس وتأتى أمثال القرآن مشتملة على بيان تفاوت الأجر وعلى المدح والذم وعلى الثواب والعقاب وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره وعلى تحقيق أمر وإبطال أمر قال تعالى وضربنا لكم الأمثال فامتن علينا بذلك لما تضمنت هذه الفوائد وقال تعالى ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل وقال وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون
والأمثال مقادير الأفعال والمتمثل كالصانع الذى يقدر صناعته كالخياط يقدر الثوب على قامة المخيط ثم يفريه ثم يقطع وكل شىء به قالب ومقدار وقالب الكلام ومقداره الأمثال
وقال الخفاجى سمى مثلا لأنه ماثل بخاطر الإنسان أبدا أى شاخص فيتأسى به ويتعظ ويخشى ويرجو والشاخص المنتصب وقد جاء بمعنى الصفة كقوله تعالى ولله المثل الأعلى أى الصفة العليا وهو قول لا إله إلا الله وقوله مثل الجنة التي وعد المتقون أى صفتها
ومن حكمته تعليم البيان وهو من خصائص هذه الشريعة والمثل أعون شىء على البيان
فإن قلت لماذا كان المثل عونا على البيان وحاصله قياس معنى بشىء من عرف ذلك المقيس فحقه الاستغناء عن شبيهه ومن لم يعرفه لم يحدث التشبيه عنده معرفة
والجواب أن الحكم والأمثال تصور المعانى تصور الأشخاص فإن الأشخاص والأعيان أثبت فى الأذهان لاستعانة الذهن فيها بالحواس بخلاف المعانى المعقولة فإنها مجردة عن الحس ولذلك دقت ولا ينتظم مقصود التشبيه والتمثيل إلا بأن يكون المثل المضروب مجربا مسلما عند السامع
وفى ضرب الأمثال من تقرير المقصود مالا يخفى إذ الغرض من المثل تشبيه الخفى بالجلى والشاهد بالغائب فالمرغب فى الإيمان مثلا إذا مثل له بالنور تأكد فى قلبه المقصود والمزهد فى الكفر إذا مثل له بالظلمة تأكد قبحه فى نفسه
وفيه أيضا تبكيت الخصم وقد أكثر تعالى فى القرآن وفى سائر كتبه من الأمثال وفى سور الإنجيل سورة الأمثال
قال الزمخشرى التمثيل إنما يصار إليه لكشف المعانى وإدناء المتوهم من المشاهد فإن كان المتمثل له عظيما كان المتمثل به مثله وإن كان حقيرا كان المتمثل به كذلك فليس العظم والحقارة فى المضروب به المثل إلا بأمر استدعته حال الممثل له ألا ترى أن الحق لما كان واضحا جليا تمثل له بالضياء والنور وأن الباطل لما كان بضده تمثل له بالظلمة وكذلك جعل بيت العنكبوت مثلا فى الوهن والضعف
والمثل هو المستغرب قال الله تعالى ولله المثل الأعلى وقال تعالى مثل الجنة التي وعد المتقون ولما كان المثل السائر فيه غرابة استعير لفظ المثل للحال أو الصفة أو القصة إذا كان لها شأن وفيها غرابة
أما استعارته للحال فكقوله مثلهم كمثل الذي استوقد نارا أى حالهم العجيب الشأن كحال الذى استوقد نارا
وأما استعارته للوصف فكقوله تعالى ولله المثل الأعلى أى الوصف الذى له شأن وكقوله مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل وكقوله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا وقوله كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وقوله سبحانه كمثل الحمار يحمل أسفارا
وأما استعارته لللقصة فكقوله تعالى مثل الجنة التي وعد المتقون أى فيما قصصنا عليك من العجائب قصة الجنة العجيبة ثم أخذ فى بيان عجائبها
لا يقال إن فى هذه الأقسام الثلاثة تداخلا فإن حال الشىء هى وصفة ووصفة هو حاله لأنا نقول الوصف يشعر ذكره بالأمور الثابتة الذاتية أو قاربها من جهة اللزوم للشىء وعدم الانفكاك عنه وأما الحال فيطلق على ما يتلبس به الشخص مما هو غير ذاتى له ولا لازم فتغايرا وإن اطلق أحدهما على الآخر فليس ذلك إطلاقا حقيقيا وقد يكون الشىء مثلا له فى الجرم وقد يكون ما تعلقه النفس ويتوهم من الشىء مثلا كقوله تعالى مثلهم كمثل الذي استوقد نارا معناه أن الذى يتحصل فى النفس الناظر فى أمرهم كالذى يتحصل فى نفس الناظر من أمر المستوقد قاله ابن عطية وبهذا يزول الإشكال الذى فى تفسير قوله مثل الجنة وقوله ليس كمثله شيء لأن ما يحصل للعقل من وحدانيته وأزليته ونفى ما لا يجوز عليه ليس يماثله فيه شىء
وذلك المتحصل هو المثل الأعلى فى قوله تعالى ولله المثل الأعلى وقد جاء أنه لا إله إلا الله ففسر بجهة الوحدانية
وقال مجاهد فى قوله تعالى وقد خلت من قبلهم المثلات هى الأمثال وقيل العقوبات
وقال الزمخشرى المثل فى الأصل بمعنى المثل أى النظير يقال مثل ومثل ومثيل كشبه وشبه وشبيه ثم قال ويستعار للحال أو الصفة أو القصة إذا كان لها شأن وفيها غرابة
وظاهر كلام أهل اللغة أن المثل بفتحتين الصفة كقوله مثلهم كمثل الذي استوقد نارا وكذا مثل الجنة وما اقتضاه كلامه من اشتراط الغرابة مخالف أيضا لكلام اللغويين وما قاله من أن المثل والمثل بمعنى ينبغى أن يكون مراده باعتبار الأصل وهو الشبه وإلا فالمحققون كما قاله ابن العربى على أن المثل بالكسر عبارة عن شبه المحسوس وبفتحها عيارة عن شبه المعانى المعقولة فالإنسان مخالف للأسد فى صورته مشبه له فى جراءته وحدته فيقال للشجاع أسد أى يشبه الأسد فى الجرأة ولذلك يخالف الإنسان الغيث فى صورته والكريم من الإنسان يشابهه فى عموم منفعته
وقال غيره لو كان المثل والمثل سيان للزم التنافى بين قوله ليس كمثله شيء وبين قوله ولله المثل الأعلى فإن الأولى نافية له والثانية مثبتة له
وفرق الإمام فخر الدين بينهما بأن المثل هو الذى يكون مساويا للشىء فى تمام الماهية والمثل هو الذى يكون مساويا له فى بعض الصفات الخارجة عن الماهية
وقال حازم فى كتاب منهاج البلغاء وأما الحكم والأمثال فإما أن يكون الاختيار فيها بجرى الأمور على المعتاد فيها وإما بزوالها فى وقت عن المعتاد عن جهة الغرابة أو الندور فقط لتوطن النفس بذلك على ما لا يمكنها التحرز منه إذ لا يحسن منها التحرز من ذلك ولتحذر ما يمكنها التحرز منه ويحسن بها ذلك ولترغب فيما يجب أن يرغب فيه وترهب فيما يجب أن أن ترهبه وليقرب عندها ما تستبعده ويبعد لديها ما تستقر به وليبين لها أسباب الأمور وجهات الاتفاقات البعيدة الاتفاق بها فهذه قوانين الأحكام والأمثال قلما يشذ عنها من جزئياتها شىء
فمنه قوله مثلهم كمثل الذي استوقد نارا
وقوله أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق
وقوله إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها
وقوله مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا
وقوله كمثل الحمار يحمل أسفارا
وقوله ضرب الله مثلا للذين كفروا إلى قوله ومريم ابنة عمران الآيات
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر