علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٥٠ من ١٩٤

الجزء ١ — ص ٤٩٢–٤٩٥

وقوله كمثل صفوان عليه تراب الآية

وقوله والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ثم قال أو كظلمات في بحر لجي الآية

وقوله تعالى ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا

فهذه أمثال قصار وطوال مقتضية من كلام الكشاف

فإن قلت فى بعض هذه الأمثلة تشبيه أشياء بأشياء لم يذكر فيها المشبهات وهلا صرح بها كما فى قوله تعالى وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون

قلت كما جاء ذلك تصريحا فقد جاء مطويا ذكره على طريق الاستعارة كقوله تعالى وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج وكقوله ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان

والصحيح الذى عليه علماء البيان أن التمثيلين من جملة التمثيلات المركبة المقربة لا يتكلف لكل واحد شىء بقدر شبهه به بناء على أن العرب تأخذ أشياء فرادى معزولا بعضها من بعض تشبهها بنظائرها كما جاء فى بعض الآيات من القرآن وقد تشبه أشياء قد تضامت وتلاحقت حتى عادت شيئا واحدا بأخرى مثلها وذلك كقوله

تعالى مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا فإن الغرض تشبيه حال اليهود فى جهلها بما معها من التوراة وآياتها الباهرة بحال الحمار الذى يحمل أسفار الحكمة وليس له من حملها إلا الثقل والتعب من غير فائدة وكذلك قوله تعالى واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء المراد قلة ثبات زهرة الدنيا كقلة بقاء الخضرة

وقد ضرب الله تعالى لما أنزله من الإيمان والقرآن مثلين مثله بالماء ومثله بالنار فمثله بالماء لما فيه من الحياة وبالنار لما فيه من النو والبيان ولهذا سماه الله روحا لما فيه من الحياة وسماه نورا لما فيه من الإنارة ففى سورة الرعد قد مثله بالماء فقال أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها الآية فضرب الله الماء الذى نزل من السماء فتسيل الأودية بقدرها كذلك ما ينزله من العلم والإيمان فتأخذه القلوب كل قلب بقدره والسيل يحتمل زبدا رابيا كذلك ما فى القلوب يحتمل شبهات وشهوات ثم قال ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله وهذا المثل بالنار التى توقد على الذهب والفضة والرصاص والنحاس فيختلط بذلك زبد أيضا كالزبد الذى يعلو السيل قال الله تعالى فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك العلم النافع يمكث فى القلوب بالتوحيد وعبادة الله وحده

روى ابن أبى حاتم عن قتادة قال هذه ثلاثة أمثال ضربها الله فى مثل واحد

يقول كما اضمحل هذا الزبد فصار جفاء لا ينتفع به ولا ترجى بركته وكذلك يضمحل الباطل عن أهله

وفى الحديث الصحيح إن مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها طائفة أمسكت الماء فشرب الناس واستقوا وزرعوا وكانت منها طائفة إنما هى قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ وذلك مثل من فقه فى دين الله فنفعه ما بعثنى الله به من الهدى والعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذى أرسلت به

وقد ضرب الله للمنافقين مثلين مثلا بالنار ومثلا بالمطر فقال مثلهم كمثل الذي استوقد نارا الآية يقال أضاء الشىء وأضاءه غيره فيستعمل لازما متعديا فقوله أضاءت ما حوله هو متعد لأن المقصود أن تضىء النار ما حول من يريدها حتى يراها وفى قوله فى البرق كلما أضاء لهم ذكر اللازم لأن البرق بنفسه يضىء بغير اختيار الإنسان فإذا أضاء البرق سار وقد لا يضىء ما حول الإنسان إذ يكون البرق وصل إلى مكان دون مكان فجعل سبحانه المنافقين كالذى أوقد نارا فأضاءت ثم ذهب ضوءها ولم يقل انطفأت بل قال ذهب الله بنورهم وقد يبقى مع ذهاب النور حرارتها فتضر وهذا المثل يقتضى أن المنافق حصل له نور ثم

ذهب كما قال الله تعالى ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر