الجزء ١ — ص ٤٧٢–٤٨١
مسألة
فى ختم القرآن فى الشتاء وفى الصيف
يسن ختمه فى الشتاء أول الليل وفى الصيف أول النهار قال ذلك ابن المبارك وذكره أبو داود لأحمد فكأنه أعجبه ويجمع أهله عند ختمه ويدعو
وقال بعض السلف إذا ختم أول النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسى وإذا ختم فى أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح رواه أبو داود
مسألة
فى التكبير بين السور ابتداء من سورة الضحى
يسحب التكبير من أول سورة الضحى إلى أن يختم وهى قراءة أهل مكة أخذها ابن كثير عن مجاهد عن ابن عباس وابن عباس عن أبى وأبى عن النبى صلى الله عليه وسلم رواه ابن خزيمة والبيهقى فى شعب الإيمان وقواه ورواه من طريق موقوفا على أبى بسند معروف وهو حديث غريب وقد أنكره أبو حاتم الرازى على عادته فى التشديد واستأنس له الحليمى بأن القراءة تنقسم إلى أبعاض
متفرقة فكأنه كصيام الشهر وقد أمر الناس أنه إذا أكملوا العدة أن يكبروا الله على ما هداهم فالقياس أن يكبر القارىء إذا أكمل عدة السور
وذكر غيره أن التكبير كان لاستشعار انقطاع الوحى قال وصفته فى آخر هذه السور أنه كلما ختم سورة وقف وقفة ثم قال الله أكبر ثم وقف وقفة ثم ابتدأ السورة التى تليها إلى آخر القرآن ثم كبر كما كبر من قبل ثم أتبع التكبير الحمد والتصديق والصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم والدعاء
وقال سليم الرازى فى تفسيره يكبر القارىء بقراءة ابن كثير إذا بلغ والضحى بين كل سورتين تكبيرة إلى أن يختم القرآن ولا يصل آخر السورة بالتكبير بل يفصل بينهما بسكتة وكأن المعنى فى ذلك ما روى أن الوحى كان تأخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما فقال ناس إن محمدا قد ودعه صاحبه وقلاه فنزلت هذه السورة فقال الله أكبر قال ولا يكبر فى قراءة الباقين ومن حجتهم أن فى ذلك ذريعة إلى الزيادة فى القرآن بأن زيد عليه فيتوهم أنه من القرآن فيثبتوه فيه
مسألة
فى تكرير الإخلاص
مما جرت به العادة من تكرير سورة الإخلاص عند الختم نص الإمام أحمد على
المنع ولكن عمل الناس على خلافه قال بعضهم والحكمة فى التكرير ما ورد أنها تعدل ثلث القرآن فيحصل بذلك ختمة
فإن قيل فعلى هذا كان ينبغى أن يقرأ ثلاثا بعد الواحدة التى تضمنتها الختمة فيحصل ختمتان
قلنا مقصود الناس ختمة واحدة فإن القارىء إذا قرأها ثم أعادها مرتين كان على يقين من حصول ختمة إما التى قرأها من الفاتحة إلى آخر القرآن وإما التى حصل ثوابها بقراءة سورة الإخلاص ثلاثا وليس المقصود ختمة أخرى
مسألة
فيما يفعله القارىء عند ختم القرآن
ثم إذا ختم وقرأ المعوذتين قرأ الفاتحة وقرأ خمس آيات من البقرة إلى قوله هم المفلحون لأن آية عند الكوفيين وعند غيرهم بعض آية وقد روى الترمذى أى العمل أحب إلى الله قال الحال المرتحل قيل المراد به الحث على تكرار الختم وختمة بعد ختمة وليس فيه ما يدل على أن الدعاء لا يتعقب الختم
فائدة
روى البيهقى فى دلائل النبوة وغيره أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يدعو عند ختم القرآن اللهم ارحمنى بالقرآن واجعله لى أمانا ونورا وهدى ورحمة اللهم ذكرنى منه ما نسيت وعملنى منه ما جهلت وارزقنى تلاوته آناء الليل واجعله لى حجة يا رب العالمين رواه فى شعب الإيمان بأطول من ذلك فلينظر فيه
مسألة
فى آداب الاستماع
استماع القرآن والتفهم لمعانيه من الآداب المحثوث عليها ويكره التحدث بحضور القراءة قال الشيخ أبو محمد بن محمد عبد السلام والاشتغال عن السماع بالتحدث بما لا يكون أفضل من الاستماع سوء أدب على الشرع وهو يقتضى أنه لا بأس بالتحدث للمصلحة
مسألة
فى حكم من يشرب شيئا كتب من القرآن
وأفتى الشيخ أيضا بالمنع من أن يشرب شيئا كتب من القرآن لأنه تلاقيه النجاسة الباطنة
وفيما قاله لأنها في معدنها لا حكم لها
وممن صرح بالجواز من أصحابنا العماد النيهى تلميذ البغوى فيما رأيته بخط ابن الصلاح
قال لا يجوز ابتلاع رقعة فيها آية من القرآن فلو غسلها وشرب ماءها جاز وجزم القاضى الحسين والرافعى بجواز أكل الأطعمة التى كتب عليها شىء من القرآن
وقال البيهقى أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمى فى ذكر منصور بن عمار أنه أوتى الحكمة وقيل إن سبب ذلك أنه وجد رقعة فى الطريق مكتوبا عليها بسم الله الرحمن الرحيم فأخذها فلم يجد لها موضعا فأكلها فأرى فيما يرى للنائم كأن قائلا قد قال له قد فتح الله عليك باحترامك لتلك الرقعة فكان بعد ذلك يتكلم بالحكمة
مسألة
القيام للمصاحف بدعة
وقال الشيخ أيضا فى القواعد القيام للمصاحف بدعة لم تعهد فى الصدر الأول
والصواب ما قالله النووى فى التبيان من استحباب ذلك والأمر به لما فيه من التعظيم وعدم التهاون به وسئل العماد بن يونس الموصلى عن ذلك هل يستحب للتعظيم أو يكره خوف الفتنة فأجاب لم يرد فى ذلك نقل مسموع والكل جائز ولكل نيته وقصده
مسألة
فى حكم الأوراق البالية من المصحف
وإذا احتيج لتعطيل بعض أوراق المصحف لبلاء ونحوه فلا يجوز وضعه فى شق أو غيره ليحفظ لأنه قد يسقط ويوطأ ولا يجوز تمزيقها لما فيه من تقطيع الحروف وتفرقه الكلم وفى ذلك إزراء بالمكتوب كذا قاله الحليمى قال وله غسلها بالماء وإن أحرقها بالنار فلا بأس أحرق عثمان مصاحف فيها آيات وقراءات منسوخة ولم ينكر عليه
وذكر غيره أن الإحراق أولى من الغسل لأن الغسالة قد تقع على الأرض وجزم القاضى الحسين فى تعليقه بامتناع الإحراق وأنه خلاف الاحترام والنووى بالكراهة فحصل ثلاثة أوجه
وفى الواقعات من كتب الحنفية أن المصحف إذا بلى لا يحرق بل تحفر له فى الأرض ويدفن
ونقل عن الإمام أحمد أيضا وقد يتوقف فيه لتعرضه للوطء بالأقدام
مسألة فى أحكام تتعلق باحترام المصحف وتبجيله
ويستحب تطييب المصحف وجعله على كرسى ويجوز تحليته بالفضة إكراما له على الصحيح روى البيهقى بسنده إلى الوليد بن مسلم قال سألت مالكا عن تفضيض المصاحف فأخرج إلينا مصحفا فقال حدثنى أبى عن جدى أنهم جمعوا القرآن فى عهد عثمان رضى الله عنه وأنهم فضضوا المصاحف على هذا ونحوه وأما بالذهب فالأصح يباح للمرأة دون الرجل وخص بعضهم الجواز بنفس المصحف دون علاقته المنفصلة عنه والأظهر التسوية
ويحرم توسد المصحف وغيره من كتب العلم لأن فيه إذلالا وامتهانا وكذلك مد الرجلين إلى شىء من القرآن أو كتب العلم
ويستحب تقبيل المصحف لأن عكرمة بن أبى جهل كان يقبله وبالقياس على تقبيل الحجر الأسود ولأنه هدية لعباده فشرع تقبيله كما يستحب تقبيل الولد الصغير
وعن أحمد ثلاث روايات الجواز والاستحباب والتوقف
وإن كان فيه رفعة وإكرام لأنه لا يدخله قياس ولهذا قال عمر فى الحجر لولا أبى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك
ويحرم السفر بالقرآن إلى أرض العدو للحديث فيه خوف أن تناله أيديهم وقيل كثر الغزاة وأمن استيلاؤهم عليه لم يمنع لقوله مخافة أن تناله أيديهم
ويحرم كتابة القرآن بشىء نجس وكذلك ذكر الله تعالى وتكره كتابته فى القطع الصغير رواه البيهقى عن على وغيره وعنه تنوق رجل فى بسم الله الرحمن الرحيم فغفر له
وقال الضحاك بن مزاحم ليتنى قد رأيت الأيدى تقطع فيمن كتب بسم الله الرحمن الرحيم يعنى لا يجعل له سنات قال وكان ابن سيرين يكره ذلك كراهة شديدة
ويستحب تجريد المصحف عما سواه وكرهوا الأعشار والأخماس معه وأسماء السور وعدد الآيات وكانوا يقولون جردوا المصحف وقال الحليمى يجوز لأن النقط ليس له قرار فيتوهم لأجلها ما ليس بقرآن قرآنا وإنما هى دلالات على هيئة المقروء فلا يضر إثباتها لمن يحتاج إليها
وروى ابن أبى شيبة فى مصنفه فى الصلاة وفى فضائل القرآن حدثنا وكيع عن سفيان عن الأعمش عن إبراهيم قال عبد الله بن مسعود جردوا القرآن وفى رواية لا تلحقوا به ما ليس منه ورواه عبد الرزاق فى مصنفه فى أواخر الصوم ومن طريقه رواه الطبرانى فى معجمه ومن طريق ابن أبى شيبة رواه إبراهيم الحربى فى كتابه غريب الحديث وقال قوله جردوا يحتمل فيه أمران أحدهما أى جردوه فى التلاوة ولا تخلطوا به غيره والثانى أى جردوه فى الخط من النقط والتعشير
قلت الثانى أولى لأن الطبرانى أخرج فى معجمه عن مسروق عن ابن مسعود أنه كان يكره التعشير فى المصحف وأخرجه البيهقى فى كتاب المدخل وقال قال أبو عبيد كان إبراهيم يذهب به إلى نقط المصاحف ويروى عن عبد الله أنه كره التعشير فى المصحف قال البيهقى وفيه وجه آخر أبين منه وهو أنه أراد لا تخلطوا به غيره من الكتب لأن ما خلا القرآن من كتب الله تعالى إنما يؤخذ عن اليهود والنصارى
وليسوا بمأمونين عليها وقوى هذا الوجه بما أخرجه عن الشعبى عن قرظة بن كعب قال لما خرجنا إلى العراق خرج معنا عمر بن الخطاب يشيعنا فقال إنكم تأتون أهل قرية لهم دوى بالقرآن كدوى النحل فلا تشغلوهم بالأحاديث فتصدوهم جردوا القرآن
قال فهذا معناه أى لا تخلطوا معه غيره
خاتمة
روى البخارى فى تاريخه الكبير بسند صالح حديث من قرأ القرآن عند ظالم ليرفع منه لمن بكل حرف عشر لعنات
النوع الثلاثون
فى أنه هل يجوز في التصانيف والرسائل والخطب
استعمال بعض آيات القرآن
وهل يقتبس منه فى شعر ويغير نظمه بتقديم وتأخير
وحركة إعراب $
جوز ذلك بعضهم للمتمكن من العربية وسئل الشيخ عز الدين فقال ورد عنه صلى الله عليه وسلم وجهت وجهى والتلاوة إني وجهت وجهي
وما روى البخارى فى كتاب إلى هرقل سلام على من اتبع الهدى يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء
ومن دعائه صلى الله عليه وسلم اللهم آتنا فى الدنيا حسنة
وفى حديث آخر لابن عمر قد كان لكم فى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة
وقال عليه السلام اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا اقض عنى الدين وأغننى من الفقر
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر