الجزء ١ — ص ٤٦٢–٤٧١
ودخل بعض فقهاء مصر على الشافعى رحمه الله تعالى المسجد وبين يديه المصحف فقال شغلكم الفقه عن القرآن إنى لأصلى العتمة وأضع المصحف فى يدى فما أطبقه حتى الصبح
وقال عبد الله بن أحمد كان أبى يقرأ فى كل يوم سبعا من القرآن لا يتركه نظرا
وروى الطبرانى من حديث أبى سعيد بن عون المكى عن عثمان بن عبيد الله بن أوس الثقفي عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة الرجل فى غير المصحف ألف درجة وقراءته فى المصحف تضاعف على ذلك إلى ألفى درجة وأبو سعيد قال فيه ابن معين لا بأس به
وروى البيهقى فى شعب الإيمان من طريقين إلى عثمان بن عبد الله بن أوس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ القرآن فى المصحف كانت له ألفا حسنة ومن قرأه فى غير المصحف فأظنه قال كألف حسنة وفى الطريق الأخرى قال درجة وجزم بألف إذا لم يقرأ فى المصحف
وروى ابن ابى داود بسنده عن أبى الدرداء مرفوعا من قرأ مائتى آية كل يوم نظرا شفع فى سبعة قبور حول قبره وخفف العذاب عن والديه وإن كانا مشركين
وروى أبو عبيد فى فضائل القرآن بسنده عن النبى صلى الله عليه وسلم قال فضل القرآن نظرا على من قرأ ظاهرا كفضل الفريضة على النافلة وبسنده عن ابن عباس قال كان عمر إذا دخل البيت نشر المصحف يقرأ فيه
وروى أبو داود بسنده عن عائشة مرفوعا النظر إلى الكعبة عبادة والنظر فى وجه الوالدين عبادة والنظر فى المصحف عبادة
وعن الأوزاعى كان يعجبهم النظر فى المصحف بعد القراءة هنيهة قال بعضهم وينبغى لمن كان عنده مصحف أن يقرأ فيه كل يوم آيات يسيرة ولا يتركه مهجورا
والقول الثانى أن القراءة على ظهر القلب أفضل واختاره أبو محمد بن عبد السلام فقال فى أماليه قيل القراءة فى المصحف أفضل لأنه يجمع فعل الجارحتين وهما اللسان والعين والأجر على قدر المشقة وهذا باطل لأن المقصود من القراءة التدبر لقوله تعالى ليدبروا آياته والعادة تشهد أن النظر فى المصحف يخل بهذا المقصود فكان مرجوحا
والثالث واختاره النووى فى الأذكار إن كان القارىء من حفظه يحصل له من التدبر والتفكر وجمع القلب أكثر مما يحصل له من المصحف فالقراءة من الحفظ أفضل وإن استويا فمن المصحف أفضل وهو مراد السلف
مسألة
فى استحباب الجهر بالقراءة
يستحب الجهر بالقراءة صح ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم واستحب بعضهم
الجهر ببعض القراءة والإسرار ببعضها لأن المسر قد يمل فيأنس بالجهر والجاهر قد يكل فيستريح بالإسرار إلا أن من قرأ بالليل جهر بالأكثر وإن قرأ بالنهار أسر بالأكثر إلا أن يكون بالنهار فى موضع لا لغو فيه ولا صخب ولم يكن فى صلاة فيرفع صوته بالقرآن ثم روى بسنده عن معاذ بن جبل يرفعه الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة نعم من قرأ والناس يصلون فليس له أن يجهر جهرا يشغلهم به
فإن النبى صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم يصلون فى المسجد فقال يأيها الناس كلكم يناجى ربه فلا يجهر بعضكم على بعض فى القراءة
مسألة
فى كراهة قطع القرآن لمكالمة الناس
ويكره قطع القرآن لمكالمة الناس وذلك أنه إذا انتهى فى القراءة إلى آية وحضره كلام فقد استقبله التى بلغها والكلام فلا ينبغى أن يؤثر كلامه على قراءة القرآن قاله الحليمى وأيده البيهقى بما رواه البخارى كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه
مسألة
فى حكم قراءة القرآن بالعجمية
لا تجوز قراءته بالعجمية سواء أحسن العربية أم لا فى الصلاة وخارجها لقوله تعالى إنا أنزلناه قرآنا عربيا وقوله ولو جعلناه قرآنا أعجميا
وقيل عن أبى حنيفة تجوز قراءته بالفارسية مطلقا وعن أبى يوسف إن لم يحسن العربية لكن صح عن أبى حنيفة الرجوع عن ذلك حكاه عبد العزيز فى شرح البزرودى
واستقر الإجماع على أنه تجب قراءته على هيئته التى يتعلق بها الإعجاز لنقص الترجمة عنه ولنقص غيره من الألسن عن البيان الذى اختص به دون سائر الألسنة وإذا لم تجز قراءته بالتفسير العربى لمكان التحدى بنظمه فأحرى أن لا تجوز الترجمة بلسان غيره ومن هاهنا قال القفال من أصحابنا عندى أنه لا يقدر أحد أن يأتى بالقرآن بالفارسية قيل له فإذن لا يقدر أحد أن يفسر القرآن قال ليس كذلك لأن هناك يجوز أن يأتى ببعض مراد الله ويعجز عن البعض أما إذا أراد أن يقرأه بالفارسية فلا يمكن أن يأتى بجميع مراد الله أى فإن الترجمة إبدال لفظه بلفظة تقوم مقامها وذلك غير ممكن بخلاف التفسير
وما أحاله القفال من ترجمة القرآن ذكره أبو الحسين بن فارس فى فقه العربية أيضا فقال لا يقدر أحد من التراجم على أن ينقل القرآن إلى شىء من الألسن كما نقل الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية والرومية وترجمت التوراة والزبور وسائر كتب الله تعالى بالعربية لأن العجم لم تتسع فى الكلام اتساع العرب ألا ترى أنك لو أردت أن تنقل قوله تعالى وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء لم تستطع أن
تأتى بهذة الألفاظ مؤدية عن المعنى الذى أودعته حتى تبسط مجموعها وتصل مقطوعها وتظهر مستورها فتقول إن كان بينك وبين قوم هدنة وعهد فخفت منهم خيانة ونقضا فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطته لهم وآذنهم بالحرب لتكون أنت وهم فى العلم بالنقض على سواء وكذلك قوله تعالى فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا انتهى
فظهر من هذا أن الخلاف في جواز قراءته بالفارسية لا يتحقق لعدم إمكان تصوره ورأيت فى كلام بعض الأئمة المتأخرين أن المنع من الترجمة مخصوص بالتلاوة فأما ترجمته للعمل به فإن ذلك جائز للضرورة وينبغى أن يقتصر من ذلك على بيان المحكم منه والغريب المعنى بمقدار الضرورة من التوحيد وأركان العبادات ولا يتعرض لما سوى ذلك ويؤمر من أراد الزيادة على ذلك بتعلم اللسان العربى وهذا هو الذى يقتضيه الدليل ولذلك لم يكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيصر إلا بآية واحدة محكمة لمعنى واحد وهو توحيد الله والتبرى من الإشراك لأن النقل من لسان إلى لسان قد تنقص الترجمة عنه كما سبق فإذا كان معنى المترجم عنده واحدا قل وقوع التقصير فيه بخلاف المعانى إذا كثرت وإنما فعل النبى صلى الله عليه وسلم لضرورة التبليغ أو لأن معنى تلك الآية كان عندهم مقررا فى كتبهم وإن خالفوه
وقال الكواشى فى تفسير سورة الدخان أجاز أبو حنيفة القراءة بالفارسية بشريطة وهى أن يؤدى القارىء المعانى كلها من غير أن ينقص منها شيئا أصلا قالوا وهذه الشريطة تشهد أنها إجازة كالإجازة لأن كلام العرب خصوصا القرآن الذى هو
معجز فيه من لطائف المعانى والإعراب ما لا يستقل به لسان من فارسية وغيرها
وقال الزمخشرى ما كان أبو حنيفة يحسن الفارسية فلم يكن ذلك منه عن تحقيق وتبصر وروى على بن الجعد عن أبى يوسف عن أبى حنيفة مثل صاحبيه فى القراءة بالفارسية
مسألة
فى عدم جواز القراءة بالشواذ
ولا تجوز قراءته بالشواذ وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على منعه فقد سبق فى الحديث كان يمد مدا يعنى أنه يمكن الحروف ولا يحذفها وهو الذى يسميه القراء بالتجويد فى القرآن والترتيل أفضل من الإسراع فقراءة حزب مرتل مثلا فى مقدار من الزمان أفضل من قراءة حزبين فى مثله بالإسراع
مسألة
فى استحباب قراءة القرآن بالتفخيم
يستحب قراءته بالتفخيم والإعراب لما يروى نزل القرآن بالتفخيم قال الحليمى معناه أن يقرأ على قراءة الرجال ولا يخضع الصوت فيه ككلام النساء قال ولا يدخل فى كراهة الإمالة التى هى اختيار بعض القراء وقد يجوز أن يكون القرآن نزل بالتفخيم فرخص مع ذلك فى إمالة ما يحسن إمالته على لسان جبريل عليه السلام
وروى البيهقى من حديث ابن عمر من قرأ القرآن فأعرب فى قراءته كان له بكل حرف عشرون حسنة ومن قرأه بغير إعراب كان له بكل حرف عشر حسنات
مسأل
فى فصل السور بعضها عن بعض
وأن يفصل كل سورة عما قبلها إما بالوقف أو التسمية ولا يقرأ من أخرى قبل الفراغ من الأولى ومنه الوقف على رءوس الآى وإن لم يتم المعنى قال أبو موسى المدينى وفيه خلاف بينهم لوقفه صلى الله عليه وسلم فى قراءة الفاتحة على كل آية وإن لم يتم الكلام قال أبو موسى ولأن الوقف على آخر السور لا شك فى استحبابه وقد يتعلق بعضها ببعض كما فى سورة الفيل مع قريش
وقال البيهقى رحمه الله وقد ذكر حديث كان النبى صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته آية آية ومتابعة السنة أولى فيما ذهب إليه أهل العلم بالقراءات من تتبع الأغراض والمقاصد
ومنها أن يعتقد جزيل ما أنعم الله عليه إذ أهله لحفظ كتابه ويستصغر عرض الدنيا أجمع فى جنب ما ما خوله الله تعالى ويجتهد فى شكره ومنها ترك المباهاة فلا يطلب به الدنيا بل ما عند الله وألا يقرأ فى المواضع القذرة وأن يكون ذا سكينة ووقار مجانبا للذنب محاسبا نفسه يعرف القرآن فى سمته وخلقه لأنه صاحب كتاب الملك والمطلع على وعده ووعيده وليتجنب القراءة فى الأسواق قاله الحليمى وألحق به الحمام وقال النووى لا بأس به فى الطريق سرا حيث لا لغو فيها
مسألة
فى ترك خلط سورة بسورة
عد الحليمى من الآداب ترك خلط سورة بسورة وذكر الحديث الآتى قال البيهقى وأحسن ما يحتج به أن يقال إن هذا التأليف لكتاب الله مأخوذ من جهة
النبى صلى الله عليه وسلم وأخذه عن جبريل فالأولى بالقارىء أن يقرأه على التأليف المنقول المجتمع عليه وقد قال ابن سيرين تأليف الله خير من تاليفكم ونقل القاضى أبو بكر الإجماع على عدم جواز قراءة آية آية من كل سورة
وقد روى أبو داود فى سننه من حديث أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بأبى بكر وهو يقرأ يخفض صوته وبعمر يجهر بصوته وذكر الحديث وفيه فقال وقد سمعتك يا بلال وأنت تقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة فقال كلام طيب يجمعه الله بعضه إلى بعض فقال كلكم قد أصاب
وفى رواية لأبى عبيد فى فضائل القرآن قال بلال أخلط الطيب بالطيب فقال اقرأ السورة على وجهها أو قال على نحوها وهذه زيادة مليحة وفى رواية إذا قرأت السورة فأنفذها
وروى عن خالد بن الوليد أنه أم الناس فقرأ من سور شتى ثم التفت إلى الناس حين انصرف فقال شغلنى الجهاد عن تعلم القرآن
وروى المنع عن ابن سيرين ثم قال أبو عبيد الأمر عندنا على الكراهة فى قراءة القراء هذه الآيات المختلفة كما أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على بلال وكما اعتذر خالد عن فعله ولكراهة ابن سيرين له ثم قال إن بعضهم روى حديث بلال وفيه فقال النبى صلى الله عليه وسلم كل ذلك حسن وهو أثبت وأشبه بنقل العلماء انتهى
ورواه الحكيم الترمذى فى نوادر الأصول وزاد مثل بلال كمثل نحلة غدت تأكل من الحلو والمر ثم يصير حلوا كله
قال وإنما شبهه بالنحلة فى ذلك لأنها تأكل من الثمرات حلوها وحامضها ورطبها ويابسها وحارها وباردها فتخرج هذا الشفاء وليست كغيرها من الطير تقتصر على الحلو فقط لحظ شهوته فلا جرم أعاضها الله الشفاء فيما تلقيه كقوله عليكم
بألبان البقرة فإنها ترم من كل الشجر فتأكل فبلال رضى الله عنه كان يقصد آيات الرحمة وصفات الجنة فأمره أن يقرأ السورة على نحوها كما جاءت ممتزجة كما أنزل الله تعالى فإنه أعلم بدواء العباد وحاجتهم ولو شاء لصنفها أصنافا وكل صنف على حدة ولكنه مزجها لتصل القلوب بنظام لا يمل قال ولقد أذهلنى يوما قوله تعالى ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا الملك يومئذ الحق للرحمن فقلت يا لطيف عملت أن قلوب أوليائك الذين يعقلون هذه الأوصاف عنك وتتراءى لهم تلك الأهوال لا تتمالك فلطفت بهم فنسبت الملك إلى أعم اسم فى الرحمة فقلت الرحمن ليلاقى هذا الاسم تلك القلوب التى يحل بها الهول فيمازج تلك الأهوال ولو كان بدله اسما آخر من عزيز وجبار لتفطرت القلوب فكان بلال يقصد لما تطيب به النفوس فأمره أن يقرأ على نظام رب العالمين فهو أعلم بالشفاء
مسألة
$ فى استحباب استيفاء الحروف عند القراءة
يستحب استيفاء كل حرف أثبته قارىء قال الحيمى هذا ليكون القارىء قد أتى على جميع ما هو قرآن فتكون ختمة أصح من ختمة إذا ترخص بحذف حرف أو كلمة قرىء بهما ألا ترى أن صلاة كل من استوفى كل فعل امتنع عنه كانت صلاته أجمع من صلاة من ترخص فحذف منها مالا يضر حذفه
فصل
فى ختم القرآن
ويستحب ختم القرآن فى كل أسبوع
قال النبى صلى الله عليه وسلم اقرأ القرآن
فى كل سبع ولا تزد رواه أبو داود وروى الطبرانى بسند جيد سئل أصحاب رسول الله صلى الله عليه كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجزىء القرآن قال كان يجزئه ثلاثا وخمسا وكره قوم قراءته فى أقل من ثلاث وحملوا عليه حديث لا يفقه من قرأ القرآن فى أقل من ثلاث رواه الأربعة وصححه الترمذى والمختار وعليه أكثر المحققين أن ذلك يختلف بحال الشخص فى النشاط والضعف والتدبر والغفلة لأنه روى عن عثمان رضى الله عنه كان يختمه فى ليلة واحدة ويكره تأخير ختمه أكثر من أربعين يوما رواه أبو داود
وقال أبو الليث فى كتاب البستان ينبغى أن القرآن فى السنة مرتين إن لم يقدر على الزيادة وقد روى الحسن بن زياد عن أبى حنيفة أنه قال من قرأ القرآن فى كل سنة مرتين فقد أدى للقرآن حقه لأن النبى صلى الله عليه وسلم عرضه على جبريل فى السنة التى قبض فيها مرتين
وقال أبو الوليد الباجى أمر النبى صلى الله عليه وسلم بن عمرو أن يختم فى سبع أو ثلاث يحتمل أنه الأفضل فى الجملة أو أنه الأفضل فى حق عمرو لما علم من ترتيله فى قراءته وعلم من ضعفه عن استدامته أكثر مما حد له وأما من استطاع أكثر من ذلك فلا تمنع الزيادة عليه وسئل مالك عن الرجل يختم القرآن فى كل ليلة فقال ما أحسن ذلك إن القرآن إمام كل خير
وقال بشر بن السرى إنما الآية مثل التمرة كلما مضغتها استخرجت حلاوتها فحدث به أبو سليمان فقال صدق إنما يؤتى أحدكم من أنه إذا ابتدأ السورة أراد آخرها
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر