الجزء ١ — ص ٤٥٢–٤٦١
وإن كان ما يقرؤه من الآى مما أمر الله به أو نهى عنه أضمر قبول الأمر والائتمار والانتهاء عن المنهى والاجتناب له فإن كان ما يقرؤه من ذلك وعيدا وعد الله به المؤمنين فلينظر إلى قلبه فإن جنح إلى الرجاء فزعه بالخوف وإن جنح إلى الخوف فسح له فى الرجاء حتى يكون خوفه ورجاؤه معتدلين فإن ذلك كمال الإيمان
وإن كان ما يقرؤه من الآى من المتشابه الذى تفرد الله بتأويله فليعتقد الإيمان به كما أمر الله تعالى فقال فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله يعنى عاقبة الأمر منه ثم قال تعالى وما يعلم تأويله إلا الله
وإن كان موعظة اتعظ بها فإنه إذا فعل هذا فقد نال كمال الترتيل
وقال بعضهم الناس فى تلاوة القرآن ثلاثة مقامات
الأول من يشهد أوصاف المتكلم فى كلامه ومعرفة معانى خطابه فينظر إليه من كلامه وتكلمه بخطابه وتمليه بمناجاته وتعرفه من صفاته فإن كل كلمة تنبىء عن معنى اسم أو وصف أو حكم أو إرادة أو فعل لأن الكلام ينبىء عن معانى الأوصاف ويدل على الموصوف وهذا مقام العارفين من المؤمنين لأنه لا ينظر إلى نفسه ولا إلى قراءته ولا إلى تعلق الإنعام به من حيث أنه منعم عليه بل هو مقصور الفهم عن المتكلم موقوف الفكر عليه مستغرق بمشاهدة المتكلم ولهذا قال جعفر بن محمد الصادق لقد تجلى الله لخلقه بكلامه ولكن لا يبصرون
ومن كلام الشيخ أبى عبد الله القرشى لو طهرت القلوب لم تشبع من التلاوة للقرآن
الثانى من يشهد بقلبه كأنه تعالى يخاطبه ويناجيه بألطافه ويتملقه بإنعامه
وإحسانه فمقام هذا الحياء والتعظيم وحاله الإصغاء والفهم وهذا لعموم المقربين
الثالث من يرى أنه يناجى ربه سبحانه فمقام هذا السؤال والتمكن وحاله الطلب وهذا المقام لخصوص أصحاب اليمين فإذا كان العبد يلقى السمع من بين يدى سميعه مصغيا إلى سر كلامه شهيد القلب لمعانى صفاته ناظرا إلى قدرته تاركا لمعقوله ومعهود علمه متبرئا من حوله وقوته معظما للمتكلم متفرغا إلى الفهم بحال مستقيم وقلب سليم وصفاء يقين وقوة علم وتمكين سمع فصل الخطاب وشهد غيب الجواب لأن الترتيل فى القرآن والتدبر لمعانى الكلام وحسن الاقتصاد إلى المتكلم فى الإفهام والإيقاف على المراد وصدق الرغبة فى الطلب سبب للاطلاع على المطلع من المسر المكنون المستودع وكل كلمة من الخطاب تتوجه عشر جهات للعارف من كل جهة مقام ومشاهدات أولهاالإيمان بها والتسليم لها والتوبة إليها والصبر عليها والرضا بها والخوف منها والرجا إليها والشكر عليها والمحبة لها والتوكل فيها فهذه المقامات العشر هى مقامات المتقين وهى منطوية فى كل كلمة يشهدها أهل التمكين والمناجاة ويعرفها أهل العلم والحياة لأن كلام المحبوب حياة للقلوب لا ينذر به إلا حى ولا يحيا به إلا مستجيب كما قال تعالى لينذر من كان حيا وقال تعالى إذا دعاكم لما يحييكم ولا يشهد هذه العشر مشاهدات إلا من يتنقل فى العشر المقامات المذكورة فى سورة الأحزاب أولها مقام المسلمين وآخرها مقام الذاكرين وبعد مقام
الذكر هذه المشاهدات العشر فعندها لا تمل المناجاة لوجود المصافاة وعلم كيف تجلى له تلك الصفات الإلهية فى طى هذه الأدوات ولولا استتار كنه جمال كلامه بكسوة الحروف لما ثبت لسماع الكلام عرش ولا ترى ولاتمكن لفهم عظيم الكلام إلا على حد فهم الخلق فكل أحد يفهم عنه بفهمه الذى قسم له حكمة منه
قال بعض العلماء فى القرآن ميادين وبساتين وعرائس وديابيج ورياض فالميمات ميادين القرآن والراءات بساتين القرآن والحاءات مقاصير القرآن والمسبحات عرائس القرآن والحواميم ديابيج القرآن والمفصل رياضه وما سوى ذلك فإذا دخل المريد فى الميادين وقطف من البساتين ودخل المقاصير وشهد العرائس ولبس الديابيج وتنزه فى الرياض وسكن غرفات المقامات اقتطعه عما سواه وأوقفه ما يراه وشغله المشاهد له عما عداه ولذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم اعرفوا القرآن والتمسوا غرائبه وغرائبه فروضه وحدوده فإن القرآن على خمسة حلال وحرام ومحكم وأمثال ومتشابه فخذوا الحلال ودعوا الحرام واعملوا بالمحكم وآمنوا بالتمشابه واعتبروا بالأمثال
وقال أبو الدرداء رضى الله عنه لا يفقه الرجل حتى يجعل للقرآن وجوها وقال ابن مسعود رضى الله عنه من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن
قال ابن سبع فى كتاب شفاء الصدر هذا الذى قال أبو الدرداء وابن مسعود لا يحصل بمجرد تفسيره الظاهر وقد قال بعض العلماء لكل آية ستون ألف فهم وما بقى من فهمه أكثر وقال آخرون القرآن يحتوى على سبعة وسبعين ألف علم إذ لكل كلمة علم ثم يتضاعف ذلك أربعا إذ لكل كلمة ظاهر وباطن وحد ومطلع
وبالجملة فالعلوم كلها داخلة فى أفعال الله وصفاته وفى القرآن شرح ذاته وصفاته وأفعاله
فصل
$ فى كراهة قراءة القرآن بلا تدبر
تكره قراء القرآن بلا تدبر وعليه محل حديث عبد الله بن عمرو لا يفقه من قرأ القرآن فى أقل من ثلاث وقول ابن مسعود لمن أخبره أنه يقوم بالقرآن فى ليلة أهذا كهذ الشعر
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم فى صفة الخوارج يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولا حناجرهم ذمهم بإحكام ألفاظه وترك التفهم لمعانيه
فصل
فى تعلم القرآن
ثبت فى صحيح البخارى من حديث عثمان خيركم من تعلم القرآن وعلمه وفى رواية أفضلكم وعن عبد الله يرفعه إن القرآن مأدبة الله فتعلموا مأدبته ما استطعتم رواه البيهقى
وروى أيضا عن أبى العالية قال تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات فإن النبى صلى الله عليه وسلم كان يأخذه من جبريل عليه السلام خمسا خمسا وفى رواية من تعلمه خمسا خمسا لم ينسه
قال أصحابنا تعليم القرآن فرض كفاية وكذلك حفظه واجب على الأمة صرح به الجرجانى فى الشافى والعبادى وغيرهما والمعنى فيه كما قاله الجوينى ألا ينقطع عدد التواتر فيه ولا يتطرق إليه التبديل والتحريف فإن قام بذلك قوم سقط عن الباقين وإلا فالكل آثم فإذا لم يكن فى البلد أو القرية من يتلو القرآن أثموا بأسرهم ولو كان هناك جماعة يصلحون للتعليم وطلب من بعضهم وامتنع لم يأثم فى الأصح كما قاله النووى فى التبيان وهو نظير ما صححه فى كتاب السير أن المفتى والمدرس لا يأثمان بالامتناع إذا كان هناك من يصلح غيره وصورة المسألة فيما إذا كانت المصلحة لا تفوت بالتأخير فإن كانت تفوت لم يجز الامتناع كالمصلى يريد تعلم الفاتحة ولو رده لخرج الوقت بسبب ذهابه إلى الاخر ولضيق الوقت عن التعليم
وينبغى تعليمه على التأليف المعهود فإنه توقيفى وقد ورد عن ابن مسعود سئل عن الذى يقرأ القرآن منكوسا قال ذاك منكوس القلب
قال أبو عبيد وجهه عندى أن يبتدىء من آخر القرآن من آخر المعوذتين ثم يرتفع إلى البقرة كنحو ما تفعل الصبيان فى الكتاب لأن السنة خلاف هذا وإنما وردت الرخصة فى تعليم الصبى والعجمى من المفصل لصعوبة السور الطوال عليهما
مسألة
$ فى جواز أخذ الأجر على تعليم القرآن
ويجوز أخذ الأجرة على التعليم ففى صحيح البخارى إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله وقيل إن تعين عليه لم يجز واختاره الحليمى وقال استنصر الناس المعلمين لقصرهم زمانهم على معاشرة الصبيان ثم النساء حتى أثر ذلك فى عقولهم ثم لابتغائهم عليه الأجعال وطمعهم فى أطعمة الصبيان فأما نفس التعليم فإنه يوجب التشريف والتفصيل
وقال أبو الليث فى كتاب البستان التعليم على ثلاثة أوجه أحدها للحسبة ولا يأخذ به عوضا والثانى أن يعلم بالأجرة والثالث أن يعلم بغير شرط فإذا أهدى إليه قبل
فالأول مأجور عليه وهو عمل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
والثانى مختلف فيه قال أصحابنا المتقدمون لا يجوز لقوله صلى الله عليه وسلم بلغوا عنى ولو آية وقال جماعة من المتأخرين يجوز مثل عصام بن يوسف ونصر بن يحيى وأبى نصر بن سلام وغيرهم قالوا والأفضل للمعلم أن يشارط الأجرة للحفظ
وتعليم الكتابة فإن شارط لتعليم القرآن أرجو أنه لا بأس به لأن المسليمن قد توارثوا ذلك واحتاجوا إليه
وأما الثالث فيجوز فى قولهم جميعا لأن النبى صلى الله عليه وسلم كان معلما للخلق وكان يقبل الهدية
ولحديث اللديغ لما رقوه بالفاتحة وجعلوا له جعلا وقال النبى صلى الله عليه وسلم واضربوا لى معكم فيها بسهم
فصل
فى دوام تلاوة القرآن بعد تعلمه
وليدمن على تلاوته بعد تعلمه قال الله تعالى مثنيا على من كان دأبه تلاوة آيات الله يتلون آيات الله آناء الليل وسماه ذكرا وتوعد المعرض عنه ومن تعلمه ثم نسيه
وفى الصحيحين تعاهدوا القرآن فوالذى نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا من الإبل فى عقالها
وقال بئسما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت بل هو نسى و استذكروا القرآن فلهو اشد تفصيا فى صدور الرجال من النعم فى عقالها
مسألة فى استحباب الاستياك والتطهر للقراءة
يستحب الاستياك وتطهير فمه والطهارة للقراءة باستياكه وتطهير بدنه بالطيب المستحب تكريما لحال التلاوة لابسا من الثياب ما يتجمل به بين الناس لكونه بالتلاوة بين يدى المنعم المتفضل بهذا الإيناس فإن التالى للكلام بمنزلة المكالم لذى الكلام وهذا غاية التشريف من فضل الكريم العلام ويستحب أن يكون جالسا مستقبل القبلة سئل سعيد بن المسيب عن حديث وهو متكىء فاستوى جالسا وقال أكره أن أحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا متكىء وكلام الله تعالى أولى
ويستحب أن يكون متوضئا ويجوز للمحدث قال إمام الحرمين وغيره لا يقال إنها مكروهة فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ مع الحدث وعلى كل حال سوى الجنابة وفى معناها الحيض والنفاس وللشافعى قول قديم فى الحائض تقرأ خوف النسيان
وقال أبو الليث لا بأس أن يقرأ الجنب والحائض أقل من آية واحدة قال وإذا أرادت الحائض التعلم فينبغى لها أن تلقن نصف آية ثم تسكت ولا تقرأ آية واحدة بدفعة واحدة وتكره القراءة حال خروج الريح وأما غيره من النواقض كاللمس والمس ونحوه فيحتمل عدم الكراهة لأنه غير مستقذر عادة ولأنه فى حال خروج الريح يبعد بخلاف هذه
مسألة
فى التعوذ وقراءة البسملة عند التلاوة
يستحب التعوذ قبل القراءة فإن قطعها قطع ترك وأراد العود جدد وإن قطعها لعذر عازما على العود كفاه التعوذ الأول ما لم يطل الفصل ولا بد من قراءة البسملة أول كل سورة تحرزا من مذهب الشافعى وإلا كان قارئا بعض السور لا جميعها فإن قرأ من أثنائها استحب له البسملة أيضا نص عليه الشافعى رحمه الله فيما نقله العبادى
وقال الفاسى فى شرح القصيدة كان بعض شيوخنا يأخذ علينا فى الأجزاء القرآنية بترك البسملة و ] يامرنا بها فى حزب الله لا إله إلا هو وفى حزب إليه يرد علم الساعة لما فيهما بعد الاستعاذة من قبح اللفظ وينبغى لمن أراد ذلك أن يفعله إذا ابتدأ مثل ذلك نحو الله الذي خلقكم وهو الذي أنشأ جنات
لوجود العلة المذكورة وقد كان مكى يختار إعادة الآية قبل كل حزب من الحزبين المذكورين للعلة المذكورة
مسألة
ولتكن تلاوته بعد أخذه القرآن من اهل الإتقان لهذا الشأن الجامعين بين الدراية والرواية والصدق والأمانة وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يجتمع به جبريل فى رمضان فيدراسه القرآن
مسألة
فى قراءة القرآن فى المصحف أفضل أم على ظهر قلب
وهل القراءة فى المصحف أفضل أم على ظهر القلب أم يختلف الحال ثلاثة أقوال
أحدها أنها من المصحف أفضل لأن النظر فيه عبادة فتجتمع القراءة والنظر وهذا قاله القاضى الحسين والغزالى قال وعلة ذلك أنه لا يزيد على وتأمل المصحف وجملة ويزيد فى الأجر بسبب ذلك وقد قيل الختمة فى المصحف بسبع وذكر أن الأكثرين من الصحابة كانوا يقرءون فى المصحف ويكرهون أن يخرج يوم ولم ينظروا فى المصحف
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر